حارة النصارى
شمعي أسعد وريشة مها أبو عمارة
حين طلب منى مؤسسو دار «دون» للنشر أن أكتب كتابا عن الأقباط، كان أول ما قالوه «إن المسيحيين يعرفون كل شيء عن المسلمين، بينما لا يعرف المسلمون إلا القليل عن المسيحيين»، ومن هنا بدأت فكرة كتاب «حارة النصاري» الذى حاولت فيه أن أقدم تعريفا للمجتمع بـ«دماغ» الأقباط أو كيف يفكرون أو يرون الأمور من جانبهم، كان الهدف المشترك هو كسر تلك الحواجز غير المرئية بين المسلمين والأقباط، من خلال إلقاء بعض الضوء على حياة الأقباط فى مصر، بهدف تقريب المسافات، فحينما يرى المسلم الصورة بعين المسيحي، قد يسهم هذا فى تفهم أمور كثيرة، بجانب التعريف ببعض المفاهيم المسيحية الخاصة بطقوس العبادة فيما يشبه قاموسا تعريفيا مختصرا.
ومن الأفكار التى تناولتها فى الكتاب..
«اللهُم اشفِ مرضَى المُسلِمين»
زاد سماعى لها كثيرًا فى الفترات الأخيرة، وكُلَّما سمعتُها أو قرأتها كنتُ أتعجَّب وأتساءلُ: هل حقًّا لا يرغب المُسلِمون فى أن ينال الشَّفاءَ مريضٌ غير مُسلِم، وهل الدُّعاء لغير المُسلِم يُعَدُّ حرامًا يتجنبه المُسلِمون! كثيرًا ما كان يحدثُ أن يكون هناك شخص مريض، ويكون هذا الشَّخص زميلًا فى العمل أو قريبًا له، كُنَّا نزوره معًا -مُسلِمين ومَسيحيِّين- أو كُنَّا نرسل له بريدًا إلكترونيًّا داعين للمريض بالشِّفاء والصِّحَّة، فكنتُ أفاجأ بأنَّ زميلًا يقول فى رسالته التى كانت تصلُنا جميعًا العبارة السَّابقة نفسها: «اللهُمَّ اشفِ مرضَى المُسلِمين» مُتجاهلاً أنَّ زملاءه المَسيحيِّين يقرأون الرَّسالة نفسها، بل أتصوَّر أنه لم يفكِّر لحظةً فى وجودهم أصلًا، وبالمثل فى حالات الوفاة التى كانت الجُملة الشَّهيرة الصَّادمة لي: «اللهُمَّ ارحم أموات المُسلِمين» هى الأكثر استخدامًا فى هذه المُناسبات، مَن الذى يُحدِّد نطاقَ الرَّحمة ويحصُرها فى المُسلِمين فقط؟ لا أحجر على أحد بالطَّبع فى دعواته فهو حُر، ولكن فقط كل ما أرجوه هو مُراعاة مشاعر الآخرين، فكما أنَّ المرض -أو الموت نفسه- لا يُفَرِّقُ بينَ المُسلِم أو المَسيحيِّ، فكيف نفعلُ نحنُ ذلِكَ ونحن نُصلِّى أو ندعو؟!
ما الفرقُ بينَ الطِّفل المُسلِمِ والطِّفلِ المَسيحيِّ؟
أسمعُ جرس الباب فأذهب لأفتحه، لأجد الفتى أحمد ابن أحد الجيران يُبادرنى قائلًا:
- ها نبقى نيجى نعلّق زينة رمضان من البلكونة بتاعتكم.
قالها بثقة من يعرف أنَّ طلبه مُجاب، ثمَّ انصرف بعدما وافقتُه على طلبه الذى يُفتَرَضُ أنه سيقوم به بعد عدة أيام، وبعد انصرافه فكَّرت كثيرًا فى هذا الموقف البسيط، فالفتى كان يتحدَّث بثقة حسدته أنا شخصيًا عليها، كان يعرف أنه يطرق باب جارهم المَسيحيِّ ورغمَ ذلِكَ لم يتحرَّج ولم يتردَّد لحظةً، بل لم يفترض أصلًا أنَّ هناك أيَّ عائق قد يَحوْلُ بينه وبين إتمام مراسم احتفاله بقدوم شهر رمضان الذى كان على الأبواب.
سبق هذا بأيام موقف آخر، إذ كنتُ مُتَّجِهًا لعملى ذات صباح راكبًا إحدى عربات النقل العام، وكنتُ جالسًا بمكان قريب من السَّائق، كانت العربة تسلك طريق «عبد الناصر» فى الإسكندرية، ورغم أنَّ هناك محطَّات خاصَّة لنزول وصعود الرُّكَّاب، ورغم أنَّ أغلب السَّائقين يُصِرُّون على الوقوف فى المحطَّات الرَّسميَّة، فإنَّ هذا السَّائق كان طيبًا بما يكفى لأنْ يقف لكلِّ من أراد النُّزول حتَّى إنه كان يقف كلَّ عدة أمتار قليلة دون أيِّ تذمُّر، وكان أن استعدَّ شابٌّ صغير السِّن للنزول فوقف بالقرب من باب النزول، كان الفتى يريد أن ينزل عند إحدى الكنائس المُطِلَّة على الشَّارع الرَّئيسي، ظهر ذلِكَ بوضوح عندما قال للسَّائق:
- لو سمحت نزلنى قدَّام الكنيسة.
قالها بخجل واضح وبصوت يكاد لا يُسمَع فما كان من السَّائق -الذى كان ودودًا طيبًا معَ كلِّ الرُّكَّاب طوال الطَّريق- إلَّا أن هبَّ فيه قائلًا:
- هى دى محطَّة إن شاء الله هى كمان ولَّا إيه؟
صُدِمَ الفتى من رَدِّ السَّائق، فقال له باستسلام:
- خلاص نزلنى فى أيّ مكان براحتك.
لم يجد السَّائق بُدًّا من الوقوف رغم تذمره الواضح وسخريته اللاذعة من الفتى الصَّغير، وبعدما نزل الفتى استمرَّ فى طريقه، وأمام كَنيسة أخرى بعد عدة كيلومترات سمعته يقول بسخرية ناظرًا للكَنيسة:
- محدش عايز ينزل هنا كمان؟
ولأنَّ المواقف السَّـيِّئة تجلب بعضها فتتجمَّع فى ذهنك مثل الخفافيش، فقد تذكَّرت موقفًا مُشابهًا حدث معي.. منذُ سنوات طويلة كنتُ وقتها فى المرحلة الثانوية، وكنتُ راكبًا أيضًا قاصدًا إحدى الكنائس فى الإسكندرية وأردتُ أن أسأل أحد الرُّكَّاب عن المكان الذى يجبُ أن أنزل فيه لأصل إليها، والحق لم يبخل الرَّجل عليَّ بالوصف، لكنه كان كُلَّما أراد أنَّ ينطق كلمة كَنيسة وهو يصف لى الطَّريق كان يضع مكانها كلمة «بتاعة».
تعلَّمت فيما بعد حينما أريد الوصول لمكان كَنيسة لا أعرف مكانها أن أبحث أولًا عن شخص مَسيحيٍّ لأسأله.
ذكريات مُؤلمة للأسف قفزت إلى ذهنى بعد انصراف أحمد الصَّغير الذى طرق بابى ليخبرنى أنه قرر أن يستخدم شُرفتى فى «تعليق» زينة رمضان.
هل عرفتم كيف ينشأ كل فريق بمزاج مختلف، وذكريات مختلفة؟ ينشأ المُسلِم وحوله دعم كامل من المُجتَمَع، وينشأ المَسيحيُّ ليواجه رفضًا واضحًا من المُجتَمَع نفسه!
• الهُوِيَّــةُ الدِّينيَّـةُ
أحدُ معارفى يعملُ طبيبًا - أنف وأذن وحنجرة - حكى لنا مرَّةً أنه بينما كان يهمُّ بالكشف على أحد المرضى انتفض المريضُ فجأةً وقال له:
- هو انت مسيحى؟
- أيوه.
- أنا ماخدتش بالى غير لَمَّا دخلت غرفة الكشف نفسها من الصُّورة اللى انت حاطتها على المكتب دى.
- وبعدين؟
- أنا آسف مش هاقدر أكشف عند واحد مسيحي.
9ذهل الطبيب وأعاد للرَّجل نقوده، وتعجَّب لأنَّ تخصُّصه نفسه لا يجعل الرَّجل يهتم إن كان الطَّبيب مُسلِمًا أم مَسيحيًّا، فماذا يضرُّه أن يكون ذلِكَ الطَّبيب الذى يفحص أذنه مَسيحيًّا، ربما فى تخصُّص مثل «النِّسا والولادة» كان من الممكن أن يلتمس له عُذرًا، وحتَّى فى تِلكَ الحالة هل المعيار هو الكفاءة أم «الدِّين»؟ أنه هَوَسُ الهُوِيَّة حينما تصبح معيارًا.
وفى السِّياق نفسه، وفى مُحافظة 6 أكتوبر اعترض أحدُهُم فتاة صغيرة فى الطَّريق العام وراح ينتهرها بقسوة وعنف أمامَ حشد لا بأس به من المارَّة، مُطالبًا إياها أن ترتدى الحجاب مُتجاهلًا الصَّليب الذى كانت ترتديه، والغريب أنَّ أحدًا لم يتحرَّك ليحولَ بينها وبين هذا الرَّجل، مِمَّا تسبَّب فى انهيارها وبكائها، وظلَّت عدَّة أيام تخشى نزول الشَّارع، حدث هذا الموقف فى المُحافظة التى أخذت اسمها من حرب أكتوبر العظيمة التى اختلطت فيها دماء المُسلِم والمَسيحيِّ، حينما كان يجمعُ الكُلَّ هدفٌ واحدٌ.
تعرضت فى الكتاب لأفكار أخرى مثل عزلة الأقباط، علاقتهم من الغرب، وعن دور أقباط المهجر، وعن تحية «السلام عليكم».. إلخ.
فى القسم الثانى قدمت تعريفا سريعا لبعض المفاهيم والمصطلحات المسيحية، مثل شكل الكنيسة وترتيب الأصوام والأعياد، وملابس الكهنة والزواج ومفهوم الحلال والحرام، ومعنى الأسرار الكنسية، والأسماء المسيحية ومعناها، وعن اليهود، والطوائف المسيحية.. إلخ.
كتاب «حارة النصاري» يتحدث عن العلاقة بين المسلم والمسيحى من وجهة نظر مسيحية، أى ما يشعر به المسيحى من تمييز فى المجتمع، وما ينتج عن ذلك من مزاج خاص أو نمط حياة يختلف عن مزاج المسلم، انطلق فيه من مبدأ أن حل أى خلاف يبدأ بطرح المشكلة بأسلوب هادئ، يتم هذا بالمكاشفة والعتاب عن بعض الأمور التى يرى الأقباط أنها ظالمة لهم، وأهدف من خلال ذلك الوصول لعلاقة نقية بين المسلم والمسيحي.
كان هناك رأى يقول إننى لم أقدم حلولا.. وأجيب عن ذلك بأن الحلول ستأتى وحدها لو فقط فتحنا قلوبنا لبعض وسمعنا وفهمنا بعضنا بعضا، وهذا ما يحدث فعلا فى جلسات العتاب بين الأصدقاء، فلا أحد يقرر لهما كيف يتصالحان، بل فقط يدفعهما للحديث سويا على ثقة أن مجرد الفضفضة ستهدئ كثيرا من حجم الخلاف، ومن ثم يسهل عودة العلاقات سليمة، ولما كان ألف باء إنسانية هو قبول الآخر كما هو (شكله، ملبسه، ذوقه.. إلخ) فكم بالأحرى فكره وعقيدته، ولكى تفهم ردود أفعالى لابد أن تفهم دوافعي، ولكى تفهم دوافعى لابد أن تفهم كيف أفكر، ولكى تفهم كيف أفكر. قد يعينك كتاب «حارة النصاري».•



