الجمعة 9 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

المصرى العالمى الذى صدم عبدالناصر وأغضب السادات

بهجورى

ريشة: تامر يوسف
ريشة: تامر يوسف

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

فى متحف «اللوفر» فى باريس.. كما فى مقهى «ريش» فى القاهرة.. يمكنك أن تستمتع بمشاهدة لوحات الفنان جورج البهجوري.

 

من أعمال بهجورى
من أعمال بهجورى

 

وتسميته بـ«العالمي» ليست مجاملة أو تعبيرًا عن مكانته فى عالم الفن،الكاريكاتير والتصوير الزيتى والنحت، ولكن لأنه واحد من الفنانين المصريين القلائل الذين حققوا مكانة عالمية، باعتراف نقاد وفنانى العالم فى فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وعديد غيرها من بلدان العالم ذات التاريخ الفني. التى عرضت فيها أعماله المتميزة لكونها شديدة الفنية وشديدة المصرية معًا.

ومنذ سنين طويلة كتبت عنه أنه يرسم كما يتنفس، وأنه نوع فريد من الفنانين لم أجد له مثيلًا بين عشرات غيره وربما مئات!

 

بهجورى فى مرسمه
بهجورى فى مرسمه

 

 فهو يضع فرشاته أو ريشته على الورق ولا يتوقف إلا مع اكتمال اللوحة، خاصة إذا كانت صورة شخصية «بورتريه».. وأعتبر نفسى محظوظًا لأن هذا الفنان العملاق رسم لى «بورتريه» أحتفظ به فى مكتبي.

 وليس هدفى هنا الحديث عن تاريخ جورج البهجورى الذى عرفته منذ أكثر من 60 عامًا عندما دخلت مؤسسة «روز اليوسف» محررًا تحت التمرين ومساعدًا للمدير الفنى لمجلة «صباح الخير».

وكان يجمع بين فن الكاريكاتير الذى هو أحد أعمدة مدرسته الحديثة، وبين الفن التشكيلى الذى انفرد فيه بالارتباط بالحياة اليومية المصرية فى الحارة.

فتاريخ جورج البهجورى رصدته كتب عديدة، ولوحاته التى لا تعد ولا تحصى هى أيضًا بعض من تاريخ حياته.. وحياتنا.

 ابن بار

فقط أريد أن أقيم حفل تكريم على صفحات «صباح الخير» لهذا الابن البار لمصر والفن والكاريكاتير و«روزاليوسف» و«صباح الخير».

وكما نعرف فهو واحد من أبرز فنانى الكاريكاتير الحديث فى مصر والعالم العربى وله تلاميذ هنا وهناك بالعشرات.. وهو علامة مهمة فى هذا المجال.

 

 

 

ولا أنسى تحليل فنان كاريكاتير كبير من زملائه هو محيى الدين اللباد، بأن زعيم مدرسة الكاريكاتير الحديث التى ولدت على صفحات «صباح الخير» فى منتصف خمسينيات القرن العشرين صلاح جاهين كوّن ملامح أسلوبه المتميز من مصرية رسوم جورج البهجورى وواقعية رسوم حسن فؤاد.

وكنت دائما أتصوره وهو يرسم الاسكتش كما لو كان «كنفاني».. يصنع صينية الكنافة بيده فى عملية متواصلة تبدأ وتتواصل دون توقف ولا تنتهى إلا باكتمال.. اللوحة!

وكانت براعته وتميزه فى رسم لوحات «البورتريه» للشخصيات العامة بطريقة يجمع فيها بين فنون الكاريكاتير وفنون التشكيل الحديثة.

وهو أول من رسم لوحة كاريكاتيرية للزعيم جمال عبد الناصر على غلاف «روز اليوسف» ورحب بها رئيس التحرير إحسان عبد القدوس.. وفيها مبالغات كثيرة فى رسم الأنف والذقن، فماذا كان موقف جمال عبد الناصر؟ 

كانت صدمة أولًا.. لكنه رحب بها!

وعلّق جورج البهجورى على ذلك قائلًا: «لا أنكر هنا أننى تفاجأت كثيرًا بعد رسمى كاريكاتير جمال عبد الناصر عندما أُخبِرت أنه ضحك كثيرًا عندما شاهد رسمى الكاريكاتيرى له، فى حين أن أنور السادات، أمر باستجوابى من قبل المدعى العام بعد رسمى له وموقفى الواضح من قيامه بعقد اتفاقية كامب ديفيد». 

 

ريشة: خضر حسن
ريشة: خضر حسن

 

  ومن ذكرياتى عندما تسلمت العمل سكرتيرًا لتحرير «صباح الخير» سنة 1974 أن الرئيس السادات قلب الدنيا وأثار أزمة كبيرة عندما نشرنا لوحة «بورتريه» له بكاريكاتير جورج البهجورى على غلاف المجلة بمناسبة احتفالات 6 أكتوبر، فقد هاج وماج واعتبر ذلك سخرية منه، وصمم على أن تنشر له صورة غلاف العدد التالى بريشة جمال كامل وفى الزى العسكري.. وبعث إلينا فى المجلة بالبدلة العسكرية ذات النياشين.

15 سنة فى باريس

نعرف طبعًا أن جورج البهجورى فى أعقاب ذلك وما تلاه من مضايقات هاجر إلى باريس.. وعاش هناك 15 سنة بين الدراسة فى كلية الفنون الجميلة الفرنسية الشهيرة عالميًا «البوزار» والعمل فى الصحافة العربية هناك إلى أن عاد فى التسعينيات.

ومن ذكرياتى الشخصية أنه كان يقيم معارض للوحاته التشكيلية وأخرى لأعماله الكاريكاتيرية فى القاهرة ولم يفتنى منها معرض وحتى فى باريس زرته وكتبت عن تجربته هناك ثم جاء إلى محل إقامتى لندن حيث أقيم معرض لأعماله.. ورافقته طوال أيام المعرض.

والحقيقة هى أن جورج البهجورى هو أكثر فنان مصرى أقيمت له معارض خاصة فى مصر وحول العالم تزيد على المئة وخمسين معرضًا شخصيًا وجماعيًا فى مصر وعديد من دول العالم منها عدا فرنسا وإيطاليا معارض فى فنلندا وإسبانيا وبلغاريا وأمريكا وبريطانيا وفى البلاد العربية: السعودية والأردن وسوريا والعراق.. ولا أعرف أى فنان مصرى أو عربى أقام هذا العدد من المعارض فى كل هذه البلدان.

حضور إنسانى قوى

فى فرنسا حظى باهتمام خاص حيث عرضت لوحاته الزيتية فى جناح الكورسال فى متحف اللوفر سنة 1990 لتمثل مصر بدعوة من جمعية محبى الفنون الجميلة الفرنسية فى باريس.

وحصلت لوحته «وجه من مصر» على ميدالية ووضع اسمه فى قاعة كبار المشاهير، وأثارت رسومه على الحجر انتباه جمهور الفن الفرنسي.

أما نقاد الفن التشكيلى الفرنسيون فلنقرأ معًا بعض ما قالوه عن البهجوري: 

 يقول دانييل شوديه: ما يلفت نظر زائر معرضه على الفور هو التكرار شبه الدائم للشقوق والتمزقات والكسور فى رسوماته وتكاد تكون الوجوه محطمة وممزقة - وهذا التناول من دون تلاعب بعلم الدلالة – يثير فى المتفرج انطباعًا بالتمزق، إلا أن هذه التصدعات بيضاء وخالية من خشونة مظهر المادة. وقد أسرّ لى الرسام أن هذا البياض يوحى بالصفاء، وأعترف أن هذا التفسير يحيرنى بعض الشيء، فعالم جورج بهجورى عالم الكثافة.

وهو يقول «إن ما يلفت نظرى هى بعض ملامح الوجوه، وليس الوجه كله».. وطيات الملابس اليابسة الشديدة توحى بأنها أشبه بأمواج مجمدة.

وقال ريمون مورينو: يسكن بهجورى باريس منذ أكثر من 15 سنة وهو يواصل اليوم إعداد أسلوبه الخاص فى النحت، تتراكب الوجوه فى رسوماته وتنتشر وتتضاعف وتتلاقى فى أفق مشجوج. ويمنح العمل حنانًا خفاقًا وينفتح على مسرح نعثر فيه على حضور إنسانى قوي. 

ونال جورج جوائز وأوسمة من مختلف دول العالم، بينما لم ينل أى تقدير رسمى من مصر.. إلا منحة تفرغ للعمل الفنى نالها عندما كان فتحى غانم رئيس تحرير «صباح الخير» الأسبق مقررًا للجنة منح التفرغ فى المجلس الأعلى للفنون والآداب.

وحتى عندما كان وزير الثقافة فنانًا تشكيليًا تجريديًا هو فاروق حسنى، لم يحدث أى نوع من الاهتمام أو التقدير للبهجورى، طوال ربع قرن قضاها الوزير الفنان فى المنصب.

لكن الوزير بعدما ترك الوزارة أنشأ جمعية ثقافية وقدم لجورج البهجورى أحد أشكال التكريم غير الرسمي.

وقد كتبت هنا فى «صباح الخير» منذ سنوات أطالب الدولة ممثلة فى وزارة الثقافة بأن تقوم بدورها فى الاحتفال بفنانيها العباقرة الكبار وهم أحياء ضاربًا المثل بصديقى الكبير جورج البهجوري.

والأن هل حان الوقت لأن تتولى الوزارة تكريم الفنان الذى لا يتكرر جورج البهجورى وهو حى فى سن تعدى التسعين عامًا، خاصة أن الوزير الحالى د. أحمد فؤاد هنو فنان تشكيلى أيضًا وأستاذ بكلية الفنون الجميلة.

نرجو ذلك.

وفى الأسبوع المقبل نواصل