الخميس 8 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

لماذا ترفع مواقع التواصل هرمونات السعادة

دماغ «تيك توك»

ريشة: سماح الشامى
ريشة: سماح الشامى

يعتقد بعض المتخصصين أنه وبسبب طبيعة المحتوى الرقمى السريع والمتقطع الذى نستهلكه يوميًا وهذا التدفق اللانهائى للمقاطع القصيرة جدًا، التى تراوح عادة ما بين 15 و60 ثانية، وتقدم تحفيزًا سريعًا ومتكررًا، قد يجد المستخدمون صعوبة متزايدة مع الوقت فى التركيز المستمر على مهمة واحدة من دون تشتيت.



بدأ الحديث فى الأوساط الثقافية والإعلامية عن تأثيرات ملموسة ناتجة عن الاستخدام الإدمانى لمنصات التواصل الاجتماعى، تبدأ عند التأثيرات الجسدية المادية، وتمتد لتشمل مستويات الفكر والعاطفة والحياة الاجتماعية عامة.

 

وفى حين أن الوصول لهذه المنصات أصبح أقرب مما كنا نتخيل بكثير، يبدو أن وقفة لتفحص أحوالنا على مستويات الجسد والفكر والعاطفة باتت ضرورة ملحة قبل أن يفوت الأوان، إذ بدأ يتردد فى أروقة المختصين صدى بعض المصطلحات الجديدة، التى تنبثق من الإفراط فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى وتأثيره فى الإدراك والانتباه والقدرة على التعلم وحتى الاختيار الحر.

طريقة للإدمان

منصة مثل «تيك توك»، التى تعتمد على الفيديوهات القصيرة المتلاحقة، يتركز أساسها السلوكى والنفسى على اللغة البصرية التى تدير بكفاءة دورة الإدمان السلوكى المصغرة، وتستثمر بقوة فى انتباه المستخدمين ضمن لعبة اقتصاد ناشئ، إذ تغرق المستخدمين بالفيديوهات الجاذبة لتجنى منهم وقتهم، مع كثير من التفاصيل والبيانات المهمة، وتعيد تدويرها مع المستثمرين.

 

 

 

وهذه العملية المحكمة التى تقوم بها «تيك توك» ونظراؤها والتى تشد قبضتها على المستخدم لتوقعه فريسة الاستخدام المكثف، تترك خلفها تأثيرات لا يستهان بها فى الدماغ والانتباه والسلوك، حتى اصطلح على تسميتها بـ «دماغ تيك توك»، وهى تتضمن ظواهر عدة.

يعتقد بعض المتخصصين أنه وبسبب طبيعة المحتوى الرقمى السريع والمتقطع الذى نستهلكه يوميًا، وهذا التدفق اللانهائى للمقاطع القصيرة جدًا، التى تراوح عادة ما بين 15 و60 ثانية، وتقدم تحفيزًا سريعًا ومتكررًا، قد يجد المستخدمون صعوبة متزايدة مع الوقت فى التركيز المستمر على مهمة واحدة من دون تشتيت أو الاستغراق فى المهام الأطول كالقراءة أو الاستماع لمحاضرة أو حتى مشاهدة فيلم.

هذه الظاهرة مرتبطة بعصر التكنولوجيا الحديثة، وتحديدًا منصات مثل «تيك توك»، إذ يسهم التطبيق فى ذلك، من خلال الاعتماد على مبدأ التعزيز المتغير، وهو آلية نفسية تعد من أقوى أشكال الإدمان السلوكى التى تستخدم فى نطاق الألعاب (بشكل خاص ألعاب القمار)، إذ لا يملك المستخدم أية معلومات عن محتوى الفيديو التالى، فى حال مستمرة من اللا يقين الذى يجعل الدماغ فى حالة توقع دائمة، الأمر الذى يؤدى إلى إفراز مستمر للدوبامين (الناقل العصبى المرتبط بالمتعة والبحث عن المكافآت)، الذى يخلق حاجة مستمرة إلى التمرير لمعرفة ما التالي.

 

 

 

حكاية هرمونات

يعزّز تصميم الخوارزمية الرغبة فى مشاهدة محتوى جديد باستمرار ومن دون توقف، الأمر الذى من المحتمل أن يؤدى إلى إفراز الدوبامين (هرمون المتعة) بصورة متكررة عند كل محتوى جديد، مما يشجع على الاستخدام المكثف ضمن آليات الإدمان السلوكي.

يضع المستخدم فى حال نفسية وسلوكية يعتاد فيها دماغه على توقع وتلقى المكافآت والتسلية والإشباع العاطفى بصورة فورية ومستمرة، مما يؤدى إلى صعوبة تحمل الانتظار أو المهام التى تتطلب جهدًا متواصلًا من دون مكافأة فورية.

وهنا يعمل الدماغ فى دائرة الدوبامين والمكافأة، عند الوصول لنتيجة مرضية، كفيديو مضحك أو إعجاب أو تعليق، يفرز الدماغ الدوبامين كجرعة من المتعة والتحفيز، ولكن مع التعود على التحفيز الفورى، يرتبط الدوبامين بتوقع المكافأة بدلًا من المكافأة نفسها.

وتصنع التكنولوجيا هذا الإدمان عمدًا من خلال ميزات مصممة بصورة خاصة للإدمان، مثل ميزة التشغيل التلقائى والتمرير اللانهائى والإشعارات الفورية وعداد التفاعل، إضافة إلى التلاعب النفسى المقصود الذى يتمثل فى التصميم الجذاب بصريًا وإشباع الحاجات النفسية الأهم كالانتماء والتقدير، فضلًا عن تعزيز حال الخوف من فقدان شيء ما يحدث الآن (فومو).

 

 

 

قد يُحدث الاعتماد على المعلومات السريعة والمجزأة تغييرًا جذريًا فى طريقة الدماغ وقدرته على معالجة المعلومات المعقدة أو حفظها على المدى الطويل، فالدماغ البشرى يتكيف مع بيئة المعلومات التى نحيا ونتفاعل ضمنها، و«تيك توك» يمثل بيئة رقمية جديدة تمامًا تؤثر فى كيفية تلقى المعلومات وطريقة معالجتها وتخزينها واسترجاعها.

ولهذا تأثيرات سلبية فى الذاكرة، تتجسد فى ظاهرة النسيان الرقمى التى يسببها الاعتماد على المنصة كذاكرة خارجية، فعندما نعرف أن المعلومات متاحة دائمًا ويمكن الرجوع للفيديوهات المخزنة، لا نبذل جهدًا فى حفظها، ويلاحظ تأثير سلبى آخر فى الذاكرة يتجلى فى إضعاف الذاكرة العاملة، إذ تعالج المعلومات موقتًا، فالتبديل السريع بين المحتوى يستهلك سعة الذاكرة العاملة بدلًا من معالجة عميقة، فبعد ساعة من التمرير، تشعر أن عقلك مشوش أو ممتلئ فى حين أنك لا تتذكر كثيرًا.

أمّا التأثيرات السلبية فى التعلم، فيترأسها وهم التعلم إذ تشعر بأنك تتعلم فى حين تكون المعرفة سطحية جدًا، الأمر الذى يؤدى مع الوقت إلى استبدال بالتعلم العميق تراكم الحقائق السطحية، كذلك تظهر صعوبة متزايدة فى التعامل مع المهام التعليمية التى تتطلب جهدًا، فى ظاهرة يطلق عليها تقليل تحمل الجهد المعرفى، إذ يقدم «تيك توك» المعرفة على شكل كبسولة جاهزة ومضغوطة من دون أى جهد من المشاهد، فيعتاد الدماغ على المكافأة المعرفية السريعة، لتبدو النصوص الطويلة والمحاضرة ذات الوتيرة البطيئة والكتب العميقة، صعبة ومملة جدًا.

نقلًا عن إندبندنت عربية