وليد طوغان
على هامش أحاديث مارالاجو
فى الصحافة الأمريكية قالوا إن نتنياهو بعد ضغط من ترامب، تعهد بتقديم تنازلات فى مسألة غزة.
فى الصحافة الأمريكية هناك من استغرب لفظ «تنازلات».
والاستغراب فى محله.
إذ إن السؤال هنا لا بد أن يكون «ما الذى قصده نتنياهو بالتنازلات»؟
فى الصحافة فى واشنطن قالوا إن الرئيس ترامب أصر خلال اللقاء على دفع نتنياهو لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ.
الواقع يسمح بالقول، إن نتنياهو ليس أمامه إلا المضى، أو الدخول إلى المرحلة الثانية حسب الجدول المتفق عليه.
لذلك، فإن الحديث عن «تنازلات» هنا، لا محل له من الإعراب فى هذا التوقيت.
صحيح ربما يكون المصطلح للاستهلاك الإعلامى الإسرائيلى، أو لمغازلة قوى بعينها داخل الحكومة فى تل أبيب، لكنه على أى حال.. كلام لا يمكن الاعتداد به فيما يتعلق بالتزامات قطعتها إسرائيل طبقًا لخطة ترامب.
نتنياهو يناور، وسيظل على مناوراته.
هى عادة إسرائيلية، معروفة ومتوقعة، لكن مصر على صبرها وعلى مستقراتها وعلى ثوابتها بالنسبة لغزة، وإصرارها لا يجب أن يختبر فيما يجب أن تؤول إليه الأمور بعد اتفاق شرم الشيخ.
-1-
فى الملف الآن على مشارف المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ عدة نقاط على القدر الأكبر من الأهمية. أولًا انسحاب إسرائيلى لا نقاش فيه من فيلادلفيا، وثانيًا فتح معبر رفح من الجانب الفلسطينى فى الاتجاهين، وأخيرًا إعادة تموضع قوات الاحتلال داخل القطاع.
يعمل نتنياهو على التسويف، بينما الضغط المصرى مستمر، انطلاقًا من موقف مؤكد أنه لا حلول إلا تلك العادلة والناجزة والمنطقية والبديهية فى الطريق لاستمرار باقى ما تم الاتفاق عليه وفق الخطة الأمريكية.
بعد عودته من واشنطن، نشرت الصحافة الإسرائيلية ما أسمته تسريبات عن خطة «ب» وضعها المجلس المصغر فى تل أبيب، للعمل بموجبها حال ماطلت حماس فى نزع سلاحها.
نزع سلاح حماس نقطة ملتهبة فى المرحلة الثانية، هذا صحيح، لكن الحديث عن تلك النقطة، الآن، فيما لم تقدم إسرائيل على تنفيذ بعض ما كان واجبًا عليها فى المرحلة الأولى عبث و«كلام فاضى».
الكلام عن الخطة البديلة هو الآخر، ليس إلا إشارات للاستهلاك الداخلى فى مواجهة ما لدى إسرائيل من إجراءات يجب أن تقوم بها الآن.
صحيح المرحلة الثانية معقدة، أو هى مليئة بالمناطق الملتهبة، وصحيح أن إسرائيل تعمل على عدم الاقتراب منها إلا وفق مصالحها ووفق ما تراه، ووفق ما يجعل نتنياهو نفسه مستمرًا فى إحداث ما يريده من توازنات.
لكن الصحيح أيضا أن الضغوط المصرية والعربية كفيلة بأن تضع نتنياهو فى مواجهة قطار التنفيذ.. دون بدائل أخرى، حتى الآن.
-2-
طبيعى وبديهى أن تحاول إسرائيل التملص، أو على الأقل التسويف، لكن فى الوقت نفسه، فإن الجهود المصرية لا تتوقف عن الضغط على.. ولا عن حصار صاحب القرار فى تل أبيب للتقدم للأمام.
التحركات المصرية بجهود جبارة مستمرة فى الملف، إضافة إلى البيان العربى الأخير لوزراء الخارجية ممكن اعتباره امتدادًا للضغوط على إسرائيل للإسراع فى بدء تنفيذ التزاماتها المؤجلة من المرحلة الأولى، خصوصًا فتح معبر رفح من الجانبين وإدخال كميات أكبر من المساعدات، والانسحاب من الممر الحدودى الفاصل بين الجانبين.
الانسحاب من فيلادلفيا مطلب مصرى أساسى.. وغير قابل للنقاش أو التدوير. التواجد الإسرائيلى على الممر محل رفض قاطع وبائن من القاهرة طوال الفترة الماضية.
لا تقبل مصر هذا التواجد تحت أى مبرر، وما تسميه الصحافة الإسرائيلية من تسريبات لخطة بديلة الأيام الأخيرة، هى مجرد بالونات اختبار لجس النبض و«كلام فارغ» آخر فى الموضوع.
الرفض المصرى منسحب أيضًا على فتح المعبر فى اتجاه واحد.
كانت تلك الفكرة قد طرحت إسرائيليًا منذ أيام، بمعنى السماح بخروج سكان غزة إلى مصر دون عودة.
لن تقبل مصر إلا فتح المعبر فى الاتجاهين، طبقًا للخطة الأمريكية، وتحقيقًا لثوابت القاهرة فى هذا الخصوص.
فى المسألة الفلسطينية، بعد اتفاق شرم الشيخ، أو ما قبله، لم تتغير مواقف القاهرة، ولن تتغير.
لذلك تراقب القاهرة المسالك الإسرائيلية بصبر استراتيجى مع ضغوط هى الأخرى فوق استراتيجية.
فى الساعات الأخيرة، قالت إسرائيل إنها تعمل على إتمام فتح المعبر.
الصحافة فى واشنطن وصفت التصريحات الأخيرة فى هذا الخصوص، بأنها إحدى ثمار محادثات مارالاجو، وواحدة من نتائج ضغط أمريكى.
على كل، الكرة فى الملعب، ومن ينتظر سوف يرى، وسوف تظهر الأيام المقبلة، إلى أى مدى سوف تلتزم إسرائيل، بما كان يجب إتمامه فى المرحلة الأولى من الاتفاق، قبل أن يتم تأجيله للآن.
المقصود هنا هو فتح المعبر، وإدخال المساعدات.. وإنهاء تعثر دام حتى الآن.
-3-
قبل أيام، ومن على حسابه على «تروث» أعلن الرئيس الأمريكى دخول اتفاق شرم الشيخ مرحلته الثانية.
الكلام كلام «مواقع تواصل»، لكن على الأرض.. الأمور ليست كذلك.
تلوك إسرائيل الآن كلامًا عن سلاح حماس، وعن طرق نزعه، وعن تفاصيل أخرى، من تفاصيل المرحلة الثانية، دون أى إنجازات على الأرض، كانت أولى بالحدوث قبل أى استباقات.
الأحاديث الإسرائيلية تلف وتدور بتعلل أحيانًا وبمناورات من تحت نقاب أحيانًا أخرى.
صعوبات المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ على الأرض حقيقية ، لكن فى الوقت نفسه فإن المحاولات الإسرائيلية لاستغلال بعض الثغرات فى التطبيق هى الأخرى حقيقية، خصوصا الاستغلال الإسرائيلى المستميت لأزمة الجثامين.
كل الصعوبات التى تلوح الآن تشير بشكل أو بآخر إلى أهمية نشر قوات دولية فى القطاع لتلافى كل ما يرد من عراقيل فى المستقبل.
تبقى مسألة حماس والفصائل، وما يمكن أن يضيفه هؤلاء من أعمال تدفع الاتفاق نحو التقدم للأمام.
لكن حماس، تتظاهر من آن لآخر بالسلاح فى القطاع، فى وقت دقيق، تكلمت فيه واشنطن أكثر من مرة عن معضلة نزع سلاح الفصائل.
صحيح نزع سلاح الفصائل لن يتم بسهولة، ولا بسرعة، لكن فى الوقت نفسه فإن الاستعراضات العسكرية، فى ذلك التوقيت، غير أنه يزيد من صعوبة المسألة، فإنه كان السبب الذى دفع واشنطن للتأكيد على أن «السلاح إن لم يُنْزَع طواعية.. فسوف يُنْزَع بالقوة».
على كل الجبهات، يستمر التحرك المصرى بأعلى درجاته لدعم صمود اتفاق شرم الشيخ، وتنفيذه كاملًا، إلى جانب الدفع الشديد نحو إدخال المساعدات الإنسانية.
تتابع القاهرة لحظة بلحظة، وتعمل على مدار الساعة، خصوصًا أن المتغيرات كثيرة وكبيرة ومتسارعة، والمرحلة الثانية، على النقيض من المرحلة الأولى من الاتفاق.
متوقع مزيد من العراقيل، لكن مصر تتصدى لدفع الجميع للتعامل بمسئولية، وفق ثوابت لم ولن تتخلى عنها.