السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
روايـة يوسـف السباعـى بقلم طـه حسيـن!

روايـة يوسـف السباعـى بقلم طـه حسيـن!

ذات يوم قرر الدكتور طه حسين «عميد الأدب العربى» أن يضع حدًا لشكوى الأدباء الشبان الدائمة بأن جيل الكبار والأساتذة لا يهتم بهم أو يقرأ لهم.. وكانت البداية مع رواية الأديب الشاب وقتها «يوسف السباعى» 38 سنة.. واختار روايته «إنى راحلة» للحديث عنها.



 

وتحت عنوان «من أدبنا الحديث» بدأ د.طه حسين مقاله - كان ينشر فى جريدة الجمهورية - قائلًا: «بين أجيالنا الأدبية المعاصرة شيء من الجفوة طال عليه الزمان وكثر فيه القول حينًا وكاد ينتهى إلى شىء من القطيعة بين الشباب والشيوخ من الأدباء! يشكو الشباب من أن شيوخ الأدباء لا يحفلون بهم ولا يلتفتون إليهم، ولايمهدون لهم طرق النجاح ولا يعرفونهم إلى القراء كأنهم يؤثرون أنفسهم بما أتيح لهم من ارتفاع المنزلة وبعد الصوت، ويشكو الشيوخ من الشباب أنهم يكبرون أنفسهم ويسرفون فى الاعتداد بها ولا يكادون يقدرون ما لقى الشيوخ من عناء، وما احتملوا من مشقة وما ذللوا من عقاب!

 

غلاف إنى راحلة
غلاف إنى راحلة

 

وهذا الخلاف بين الأجيال طبيعى لا غرابة فيه، ولكنه يوشك فى مصر أن يتجاوز الحد الذى ينبغى له، فهناك تضامن بين الأجيال يجب أن يرعى وحقوق للأبناء على الآباء يجب أن تؤدى، والأدباء معلمون والشبان متعلمون ولا ينبغى أن تنقطع الصلة بين أولئك وهؤلاء!

ويمضى د.طه حسين فى مقاله المهم فيقول:

«وأريد أن أخصص طائفة من هذه الأحاديث لأدب الشباب الذين لم ينصفهم النقد ولم يعلمهم أيضًا! وقد شبع الشيوخ نقدًا وتعلمًا وعلمتهم التجارب أكثر مما علمهم النقد!

فليس كثيرًا أن ينفعوا أبناءهم ببعض ما انتفعوا به من التجارب والخطوب التى تعرضوا لها على اختلاف الليل والنهار وتتابع الأحداث والخطوب!

وبين يدى طائفة من الكتب كثيرة ليس من الممكن أن أتحدث عنها فى فصل واحد لا بد من أن أختار أحدها لأتحدث عنه اليوم! فليكن الحديث إذن عن هذه القصة الضخمة التى كتبها الأستاذ «يوسف السباعى» وسماها «إنى راحلة» وهى قصة ممتعة حقًا أخذت فى قراءتها فلم أدعها حتى أتممتها، ولم أفعل ذلك متكلفًا له صابرًا نفسى عليه وإنما القصة هى التى اضطرتنى إليه اضطرارًا وحملتنى أن أفرغ لها وأترك ما بين يدى من عمل لم يكن تركه يسيرًا!

 

غلاف نقد وإصلاح
غلاف نقد وإصلاح

 

والأستاذ «يوسف السباعى» يحدثنا فى مقدمة كتابه بأنه لم يألف كتابة القصة الطويلة حتى دعاه إلى ذلك «المازنى» - الأديب الكبير - رحمه الله فأقبل عليه ذات صيف ولم ينصرف عنه حتى أتم قصته هذه التى تتجاوز صفحاتها المئات الأربع وأتمها فى عشرين يومًا! ومعنى ذلك أن فنه واتاه وأن خياله أمده وأن لغته لم ترهقه من أمره عسرًا.

وإذا كان هو قد كتب قصته فى عشرين يومًا فإنى قرأتها فى أربعة أيام لم أجد أثناء قراءتها سأمًا أو شيئا يشبه السأم وإنما وجدت رغبة وإقبالا وحرصًا على أن أفرغ منها بل على أن أنتهى إلى غايتها!

بعد ذلك يبدأ «د.طه حسين» فى إبداء رأيه فى الرواية بقوله:

والقصة يسيرة من وجهة، وعسيرة من جهة أخرى، يسيرة لأنها تحدثنا عن أمر الحب بين «فتيين» وما أكثر ما يتحدث الناس عن الحب، وعن الحب بين فتى وفتاة! ولكنه أثناء حديثه عن هذا الحب وقف فى غير استطراد عند أشياء كثيرة صورها فأحسن تصويرها، وعند أشياء أخرى حللها فأجاد تحليلها!

فتاة كانت تنظر إلى ابن خالتها فى كثير من التجهم والإعراض أثناء الصبا، وكان يلقاها بمثل ذلك حتى شب كلاهما والتقيا ذات مساء فوقع كل منهما فى نفس صاحبه! وأكبر الظن أن هذا التجهم والإعراض لم يكن فى حقيقة الأمر إلا مظهرًا لحب دفين كشف عن نفسه حين أتاحت له الظروف أن يكشف عن نفسه حين أصبحت الفتاة «ناهدًا» يمكن أن تحقق معنى الحب، وحين أصبح الفتى ضابطًا وسيم الطلعة يمكن أن يصبو وأن تصبو إليه القلوب!

وقد دار هذا الحب بهذين الشابين ألوانًا مختلفة من الدوران، أنكر نفسه أول الأمر مع أنه لها عارف وبها مؤمن، ثم جعل يخلص قليلًا قليلًا من هذا الإنكار ويكف عن هذه المداورة حتى صرح عن نفسه ذات مساء، ولم يترك العاشقان سبيلًا إلى جحوده أو الشك فيه!

أزال من طريقه إذن تلك المصاعب الخاصة التى كانت فى نفس هذين العاشقين والتى ترجع أكثر ما ترجع إلى بعض هذه العقد النفسية التى تعرض للصبية والشباب، ولم يكد يخلص من هذه المصاعب حتى ثارت فى سبيله مصاعب أخرى جاءت من أسرة الفتاة، فأبوها رجل من كبار الباشوات له مطامع لا تنتهى، وهو على ذلك من طراز الآباء الذين لا يعرفون لبناتهم حقًا فى الحرية أو الاختيار وإنما يأخذونهن بالشدة والعنف والطاعة فى غير جمجمة ولا اعتراض! وهو من أجل ذلك يرد خطبة الفتى، ويقدم ابنته ضحية لمطامعه فيزوجها كارهة من فتى سخيف لا خطر له إلا أنه من أبناء رجل عظيم من رؤساء الوزارة السابقين والذين يمكن أن تعود إليهم رياسة الوزارة!

 

د. طه حسين
د. طه حسين

 

والفتاة يائسة ولكنها صابرة والفتى يائس، ولكن فيه شيئا من إباء، وقد زُفت الفتاة إلى زوجها البغيض ولم ينتظر عشيقها هذا الزفاف فتزوج من فتاة أخرى لا يحبها ولا يهواها!

ولا يكاد الزمن يتقدم حتى تستكشف هذه الفتاة الخيانة من زوجها ومن رفاقه المترفين فتفر من بيتها بعد خطوب وينتهى بها الطواف إلى تلك الساقية القديمة التى ظهر فيها حبها لذلك الفتى وظهر فيها حب ذلك الفتى لها فى صراحة لا تحتمل جدالًا وفى عنف لا يقبل مقاومة، وتريد الأقدار التى يدبرها «الكاتب» كما يجب هو أن تلقى الفتاة عند هذه الساقية عاشقها القديم، وما هى إلا أن يفرّا إلى الإسكندرية هاربين بحبهما مرضيين لحاجتهما من هذا الحب فى عش بعيد على ساحل البحر ولكنهما لا يعودان من هذا الفرار وإنما يستأثر بهما الموت!!

بعد ذلك العرض لرواية «إنى راحلة» يبدأ د.طه حسين فى تناولها نقديًا قائلا:

- ولم ألخص القصة، فليس من اليسير أن تلخص قصة بهذا الطول فى مثل هذا الحديث، وإنما أشرت إلى سياقها إشارة هى إلى اللمح أقرب منها إلى أى شىء آخر!

وقد ذكرت أن القصة أخاذة مشوقة تبدأ قراءتها فلا تستطيع عنها انصرافًا حتى تتمها وهى مع ذلك قد كتبت فى لغة عربية فصيحة رائعة على هنات تلقاها هنا وهناك!

وما أحب أن أخفى على صاحب القصة أنى لم أرض عن كثير مما اضطره إليه فنه اضطرارًا ولم أذكر له ذاك فى إطالة وإنما أشير إليه كما أشرت إلى سائر القصة!

هناك أشياء تنكرها كتمزيق الخيط وتمزيق الشعر وتذكير المؤنث و«تثنيته» ما حقه أن يكون جمعًا، وهناك أشياء لا يسيغها الذوق وما أكثر ما يتورط الشباب من كتابنا فيما لا يسيغه الذوق.

فهذان العاشقان يتحدثان فى موطن من مواطن الحب العنيف الذى يريد أن يخفى نفسه فلا يستطيع، وإذا هما ينتهيان فى بعض حديثهما هذا الذى كان يجب أن يخلص من المادة عن.. المسطردة والعدس والكشرى والدقة وأسخف ما يمكن أن يتحدث عنه أصحاب الشره والنهم فى موطن من مواطن الجوع والازدراد والالتهام!

وهناك أشياء لا يسيغها الفن نفسه وإنما هى متكلفة مصطنعة قد شدت من شعرها كما يقول الفرنسيون، فهذه الزوجة البائسة اليائسة التى فقدت أملها واستكشفت خيانة زوجها وكرهت حياة المترفين وحياة الناس، وكادت تقضى على نفسها بالموت، وانتهت آخر الأمر إلى ساقيتها القديمة تؤكد حبها الضائع وأملها الخائب وإنها لفى ذلك إذا بعاشقها القديم يقبل عليها كأنما كانا على ميعاد، وهو لا يقبل عليها زوجًا بائسًا مثلها، وإنما يقبل عليها حرًا طليقًا قد ماتت زوجته لأن القصة أرادت أن تموت!!

وهناك عيب آخر فى القصة يوشك أن يفسدها لولا أنه يقع فى آخرها!

«حين تنتهى من قراءتها، فالفتاة هى التى تكتب القصة وهى التى تنبئنا منذ السطر الأول بأنها ستموت بحيث ننتظر موتها كلما دنونا من آخر الكتاب، فإذا بلغنا موتها رأيناه منكرًا غريبا نابيًا لايسيغه الفن المتقن».

انتهى ما كتبه د.طه حسين عن رواية إنى راحلة للأستاذ يوسف السباعى لكنه يواصل بعد ذلك الكتابة عن رواية «رد قلبى» أيضا، وقد حرص طه حسين على جمع هذه المقالات وغيرها فى كتابه الممتع والجميل «نقد وإصلاح» الذى صدر سنة 1956 فى بيروت عن دار العلم للملايين.

وللحكاية بقية!