الخميس 8 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

هل يسيطر «الروبوت» فى 2026 ؟!

ريشة: مها أبو عمارة
ريشة: مها أبو عمارة

هل يُسجل التاريخ أن عام 2026 كان نقطة تحوّل حاسمة فى مسيرة البشرية التكنولوجية؟ فيما يقترب العالم من هذا التاريخ، تلوح فى الأفق تحولات جذرية قد تعيد تشكيل مفهومنا للإنسان، للوعى، وللهوية ذاتها.



من المتوقع ظهور موجة جديدة أكثر تقدمًا من النماذج التوليدية التى قد تصل قدراتها إلى مستويات تقارب – أو حتى تتجاوز – القدرات البشرية فى مهام معرفية محددة دون امتلاك وعى عام.

ولكن السؤال هنا: هل تمثل 2026 نقطة تحوّل نحو مستقبل أكثر إنسانية وتقدمًا، أم أنها إعلان لسيطرة رقمية شاملة تذيب الحدود بين الإنسان والآلة؟

لولا ما أثبته الباحثون، وما أقرّه المتخصصون، لظنّ كثيرون أن ما كتبه الشاب البريطانى «آلان تورينج» عام 1936م مجرد فكرة عابرة، لا تختلف عن مئات الأوراق العلمية التى لا يتعدى صداها جدران الجامعة.

تخيّل تورينج آلة لا تُرى ولا تُلمس، آلة لا وجود لها فى الواقع، لكنها تعيش فى الذهن، وتعمل بخطوات واضحة ودقيقة.

آلة تبنيها الفكرة، ويحرّكها المنطق، وتسير كما يسير العقل حين يفكر. أطلق عليها اسم «آلة تورينج»، دون أن يدرك أنها ستصبح القاعدة التى تُبنى عليها كل أجهزة الحاسوب الحديثة، والمنبع الأول للذكاء الاصطناعى.

تلك الآلة الخيالية التى رسمها تورينج بكلمات رياضية بحتة، تحولت إلى حجر الأساس لعالم رقمى يهدد اليوم بإعادة تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا.

 

تورينج.. وآلته
تورينج.. وآلته

 

دخل تورينج بعمق فى ميدان التطبيق العملى، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م، وجد نفسه فى بلتشلى بارك، وأبدع فى فك شفرة «إنجما» النازية، هذا الإنجاز كان نقطة تحوّل كبرى نحو تحويل الأفكار إلى آلات واقعية تخدم البشرية. كانت معركة تورينج ضد آلة التشفير النازية معركة بين عقلين آليين، أحدهما صنعته يد الإنسان لخدمة الشر، والآخر صنعته عبقرية تورينج لخدمة الخير. وفى هذا الصراع، ظهرت فكرة أن الآلة يمكن أن تكون ذكية، بل يمكن أن تكون أكثر ذكاءً من الإنسان فى مجالات محددة.

وبعد الحرب، أشرق فجر الحوسبة الإلكترونية، فظهر الحاسوب عام 1949م فى بريطانيا، وكان أول حاسوب عامل بنظام البرنامج المخزّن، وهى الفكرة التى تأثرت بأفكار تورينج وجون فون نيومان، وبُنى تحت إشراف موريس ويلكس فى كامبريدج. لكن الإنجاز الأكبر لتورينج لم يكن فى صناعة الآلات، لكن فى طرح السؤال الذى سيظل يلاحق البشرية لأكثر من قرن: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟

فى عام 1950م، نشر تورينج مقالته الشهيرة «آلات الحوسبة والذكاء»، وطرح فيها اختبارًا بسيطًا عبر المحادثة، لمعرفة إن كانت الآلة قادرة على التفكير لدرجة يصعب معها التمييز بينها وبين الإنسان. لم يُطبق الاختبار آنذاك لقلة تطور الحواسيب، لكن المقالة بقيت مرجعًا لكل نقاش علمى وفلسفى عن الذكاء الاصطناعى، حتى ولادته رسميًا فى مؤتمر دارتموث عام 1956م، حيث اجتمع باحثون أمثال مكارثى ومينسكى وسيمون، وفتحوا الباب أمام عقود من التجريب والتطوير.

كان سؤال تورينج بسيطًا فى ظاهره، لكنه عميق فى دلالاته: إذا استطاعت آلة أن تحاكى المحادثة البشرية بنجاح لدرجة أن الإنسان لا يستطيع التمييز بينها وبين إنسان آخر، فهل يعنى ذلك أنها «تفكر»؟ هذا السؤال لم يكن مجرد استفسار تقنى، كان استفهامًا وجوديًا عن طبيعة الذكاء والوعى والإنسانية ذاتها.

مرت الفكرة بمراحل صعود وهبوط. فى الخمسينيات والستينيات، كان التفاؤل يسود، حيث اعتقد الباحثون أن الذكاء الاصطناعى العام سيتحقق خلال عقدين. لكن العقبات التقنية والفلسفية كانت أكبر مما توقع الجميع. فى الثمانينيات، عرفت بمرحلة «الشتاء البارد» حين تراجع الحماس وتعثر التمويل، لكن الفكرة لم تنطفئ.

وعاد الأمل عام 1986م، مع جيفرى هينتون وأبحاثه فى الشبكات العصبية، التى أعادت للذكاء الاصطناعى روح التعلّم من البيانات. ومع مطلع الألفية، ازدهرت البنية التحتية، وولدت شركات كبرى قادت الثورة الجديدة. كانت الإنترنت والبيانات الضخمة ومعالجة اللغة الطبيعية تشق طريقًا جديدًا نحو تحقيق حلم تورينج.

فى 2017م، صدمت «جوجل ديب مايند» العالم بنموذج «ألفا زيرو» الذى تعلّم لعب الشطرنج من الصفر. وفى 2022م، جاء «تشات جى بى تي» من «أوبن إيه آي»، فتحولت الآلة من كيان صامت إلى محاور ذكى يكتب ويحلل ويفهم. لم تعد الحواسيب أدوات تنفيذ فحسب، بل شركاء فى التفكير والإبداع.

لكن هذه الثورة لم تكن مفاجئة لمن تتبعوا تاريخ تطور روبوتات المحادثة. فقبل تشات جى بى تى بستة عقود، كانت «إليزا» تبدأ رحلة المحادثة الآلية البسيطة.

مع إليزا

بدأت رحلة روبوتات المحادثة البسيطة فى الستينيات مع «إليزا»، التى كانت تعيد صياغة كلمات المستخدمين على شكل أسئلة، دون فهم حقيقى لما تقول. صممها جوزيف وايزنباوم فى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكانت تحاكى معالجًا نفسيًا يستمع للمريض. الغريب أن بعض المستخدمين تأثروا بها بشدة، وراحوا يشاركونها أسرارهم كما لو كانت إنسانًا حقيقيًا.

تبعتها «باري» عام 1972، التى صممها الطبيب النفسى كينيث كولبى لمحاكاة مريض يعانى من جنون الارتياب. كانت بارى أول روبوت محادثة يُختبر باستخدام نموذج مشابه لاختبار تورينج، حيث حاول الباحثون معرفة إذا كان الحكام يستطيعون التمييز بينها وبين مرضى حقيقيين.

ومع تطور الإنترنت فى التسعينيات، شهدت روبوتات المحادثة قفزة جديدة.

 

فى الثمانينيات ولدت شركات كبرى
فى الثمانينيات ولدت شركات كبرى

 

وبداية الألفية الثالثة شهدت تحولًا جذريًا، مع انتشار روبوتات المحادثة فى برامج المراسلة الفورية، مثل «سمارتير تشايلد» عام 2001، الذى وصل عدد «أصدقائه» على برامج المراسلة إلى ملايين على مدار سنوات عمله، ممهدًا الطريق لظهور المساعدات الذكية الشخصية مثل سيرى من أبل عام 2011، وجوجل ناو عام 2012، وأليكسا من أمازون عام 2014.

كانت هذه المساعدات تمثل نقلة نوعية من المحادثة النصية البسيطة إلى التفاعل الصوتى المعقد. لم تعد الآلة مجرد ترديد إجابات محددة مسبقًا، لكن أصبحت قادرة على محاكاة فهم السياق، والتعلم من التفاعلات، والتكيف مع احتياجات المستخدم.

مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى، تحولت روبوتات المحادثة من مجرد برامج تردد إجابات محددة مسبقًا إلى أنظمة قادرة على توليد نصوص أصلية، والتحليل، وحتى الإبداع. أصبح «تشات جى بى تي» و«جوجل بارد» قادرين على كتابة المقالات، حل المسائل المعقدة، وتقديم الاستشارات فى مجالات متعددة.

كانت هذه القفزة ممكنة بفضل بنية «المحولات» التى قدمها باحثو جوجل عام 2017.

بقيت فكرة اختبار تورينج تمثل التحدى الأكبر للباحثين لعقود، حتى بدأت روبوتات المحادثة الحديثة فى الاقتراب من اجتيازه. ففى مسابقات مثل جائزة لوبنر، تمكنت روبوتات مثل «ميتسوكو» من خداع الحكام فى محادثات قصيرة، مما أثار تساؤلات فلسفية عميقة حول طبيعة الذكاء والوعى.

لكن السؤال الأهم: هل نجاح روبوت فى محاكاة المحادثة البشرية يعنى أنه «يفكر» أو «واعٍ»؟ هذا هو الجدل الذى ما زال مستمرًا بين الفلاسفة والعلماء.

ما بعد الإنسان

يقف الذكاء الاصطناعى اليوم عند مفترق طرق فلسفى يتجاوز كونه أداة تقنية ليصبح عاملًا بنيويًا فى إعادة صياغة مفهوم الإنسان ذاته. فلم يعد السؤال مقتصرًا على ما يمكن للآلات أن تفعله، بل امتد ليشمل؛ من نحن، ومن يمكن أن نصبح فى ظل التقدم المتسارع للخوارزميات والأنظمة الذكية. وهنا، يمكن تمييز ثلاثة مسارات فلسفية كبرى تشكّل الإطار النظرى للنقاش المعاصر حول الذكاء الاصطناعى ومستقبل الإنسانية.

يمثل تيار ما بعد الإنسانية الرؤية الأكثر جذرية للمستقبل، إذ ينطلق من فرضية مفادها أن الإنسان ليس نهاية التطور، بل مرحلة قابلة للتجاوز.

فى هذا الإطار، يُطرح مفهوم تحميل العقل بوصفه أقصى تجليات هذا الاتجاه، حيث يُفترض نظريًا نقل البنية الوظيفية للدماغ البشرى إلى وسيط رقمى، بما يسمح بمحاكاة العمليات العقلية على أجهزة حاسوبية.

يرى أنصار هذا التصور أن تحميل العقل قد يحرر الإنسان من هشاشة الجسد البيولوجى، ويتيح أشكالًا غير مسبوقة من الاستمرارية الزمنية، وربما إطالة العمر أو حتى الخلود الرقمى. كما يتخيلون إمكان نسخ البنية العقلية للفرد، أو نقلها عبر وسائط رقمية، بما يفتح آفاقًا جديدة للتجربة الإنسانية تتجاوز القيود المكانية والزمانية التقليدية.

غير أن هذا المسار يواجه اعتراضات فلسفية عميقة. فقد ناقش باحثون مثل نيك بوستروم وأندرس ساندبرج إشكاليات جوهرية تتعلق بتحميل العقل، منها هل تؤدى المحاكاة الوظيفية للدماغ إلى وعى حقيقى أم إلى محاكاة للسلوك فقط؟، وهل تستمر الهوية الشخصية فى حال وجود نسخ متعددة للعقل ذاته؟، وما هى التداعيات الأخلاقية والسياسية لمجتمع تسكنه عقول رقمية؟

فى مقابل الرؤية التحويلية لما بعد الإنسانية، يظهر تيار يمكن وصفه بالإنسانية التعزيزية، وهو تيار يتمسك بجذور الفكر الإنسانى التنويرى، مع قبوله باستخدام التكنولوجيا لتحسين القدرات البشرية دون المساس بجوهر الإنسان.

ينطلق هذا الاتجاه من مبدأ أن التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان لا أن تستبدله. فالهدف هو تعزيز الذاكرة، والذكاء، والصحة، وإطالة العمر، مع الحفاظ على الاستمرارية الأنطولوجية للذات البشرية. وفى هذا السياق، تُعد تقنيات مثل الواجهات الدماغية الحاسوبية مثالًا بارزًا، حيث تسعى إلى علاج الاضطرابات العصبية أو تعويض القدرات المفقودة، دون السعى إلى تحويل الإنسان إلى كيان غير بشرى.

تمثل مشاريع Neuralink نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، إذ تُقدَّم بوصفها أدوات علاجية وتعزيزية، لا بوصفها خطوات أولى نحو تجاوز الإنسان أو استبداله بكيانات اصطناعية مستقلة.

 

ريشة: جون مراد
ريشة: جون مراد

 

أما المسار الثالث، فينصرف إلى الحاضر بوصفه ساحة التحول الأساسية، ويمكن وصفه تحليليًا بالهوية التوليدية، وليس تيارًا فلسفيًا مؤسسًا بقدر ما هو توصيف نقدى لواقع تشكُّل الهوية فى عصر الخوارزميات.

هنا، لم تعد الهوية كيانًا ثابتًا، أصبحت عملية ديناميكية تتشكل عبر التفاعل المستمر مع أنظمة التوصية، والذكاء الاصطناعى التوليدى، والبيئات الرقمية. فهذه الأنظمة لا تكتفى بعكس تفضيلات الإنسان، بل تسهم فى إعادة إنتاجها وتوجيهها، وفى خلق مسارات غير متوقعة للتجربة الذاتية.

يشير المفكر والكاتب جيمس بريدل فى كتابه طرق البقاء إلى أن الذكاء الاصطناعى لا يغير ما نفعله فحسب، أيضًا يغير طرق وجودنا نفسها، إذ يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الفهم، والتفاعل، وتشكّل الذات، ما يعيد طرح سؤال الهوية الإنسانية فى سياق غير مسبوق.

برجوعنا إلى أحد أكثر التطبيقات إثارة للجدل، وهو مفهوم «تحميل العقل» نقل الوعى البشرى إلى بيئة رقمية. بينما يبدو هذا كخيال علمى، يشير باحثون مثل أندرس ساندبرج ونيك بوستروم إلى أن التقدم فى مسح الدماغ ونمذجة المعلومات قد يجعل هذا ممكنًا نظريًا.

تتطلب عملية تحميل العقل ثلاث خطوات رئيسية حسب تحليل أندرس ساندبرج وزملائه، أولًا: المسح، والترجمة، ثم المحاكاة.

لكن الأسئلة الفلسفية تظل قائمة: هل العقل المُحمَّل واعٍ؟ هل يحافظ على الهوية الشخصية؟ وهل يؤدى هذا إلى مجتمع مرغوب فيه؟

قضية الوعى فى الكائنات الرقمية تثير جدلًا فلسفيًا عميقًا. يقدم هايجستروم تجربة فكرية مثيرة؛ ماذا لو اكتشفت أن صديقك يوهان ليس لديه دماغ بيولوجى، بل دوائر إلكترونية؟ هل سيغير هذا من اقتناعك بأنه كائن واعٍ؟

يؤكد هايجستروم أننا نمنح الوعى للآخرين بناءً على سلوكهم وتفاعلهم، وليس بناءً على تشريحهم الداخلى.

إذا قبلنا هذا المنطق، فعلينا أن نمنح الوعى أيضًا للعقول المحملة التى تتصرف مثلنا.

لكن الفيلسوف جون سيرل يقدم حجة مضادة مشهورة عبر «تجربة الغرفة الصينية» ؛ تخيل شخصًا لا يعرف الصينية داخل غرفة مع قواعد لمعالجة الرموز الصينية. يمكنه إنتاج ردود صحيحة دون فهمها.

عالم الإيمز

فى كتابه «عصر الإيمز»، يتخيل روبن هانسون مجتمعًا من العقول المحملة (يسميها «إيمز»).

فى هذا المجتمع، العمل سيهيمن عليه «النسخ المؤقتة» التى تعمل لبضع ساعات ثم تُحذف، السرعة العقلية ستكون قابلة للتعديل (بعض الإيمز تعمل أسرع بمئة أو ألف مرة من غيرها)، التكاثر سيكون عبر النسخ، مما يؤدى إلى زيادة سكانية هائلة، الأجور ستنخفض إلى مستوى الكفاف بسبب وفرة العمالة الرقمية.

 

جيفرى هينتون
جيفرى هينتون

 

هانسون يوضح أن حياة الإيمز ستكون جيدة بالنسبة لهم، رغم أنها قد تبدو لنا كجحيم. فهم سيعيشون فى عوالم افتراضية رائعة، ولن يجربوا الجوع أو الألم الشديد، وسيكونون مختارين للتميز فى وظائفهم.

مع تطوير تقنية تحميل العقل، سنواجه مشاكل أخلاقية صعبة.

يطرح توماس ميتسينجر سؤالًا صادمًا: ماذا لو قررنا هندسة أطفال معاقين عقليًا لأغراض البحث العلمي؟ سيكون هذا فكرة مروعة وغير أخلاقية. لكن أولى العقول المحملة قد تكون مثل هؤلاء الأطفال المعاقين.

حتى لو أثبتنا استحالة الوعى الحاسوبى (وهو أمر غير مرجح)، فهل يعنى هذا أنه ليست لدينا التزامات أخلاقية نحو العقول المحملة؟ «إيمانويل كانت» يعامل الحيوانات بنفس المنطق: ليس لدينا واجبات أخلاقية تجاهها مباشرة، لكن القسوة عليها تجعلنا قساة تجاه البشر أيضًا.

التحدى الحقيقى ليس فى خلق الاختلاف فقط، بل فى خلق اختلافات ذات معنى. الباحثون يحاولون قلب نماذج اللغة لتصبح أدوات لإنتاج الاختلافات. بدلًا من البحث عن الكلمة التالية المرجحة (كلمة «أسفل» تشير إلى «مدينة» أو «تل»)، يمكن البحث عن احتمالات غير متوقعة فى الطرف الآخر من الطيف.

مجموعة بحثية ركزت على لغة التذوق، فنتجت عن ذلك ابتكارات طعمية دون ضمان الجودة؛ الشوكولاتة مع الثوم، الموز مع الريحان. مجموعة أخرى طبقت المنهج على توصيات الأفلام.

النتائج لم تصل بعد لمستويات عالية من الفعالية ؛ الصدفة تعنى أن الاقتراح غير متوقع ومرضى أيضًا، والجمع بين الاثنين صعب. لكن المفتاح هو تعظيم الاختلافات ثم التصفية لأوجه التشابه، وليس العكس.

ماكس هوكينز، مهندس جوجل، قام ببرمجة تطبيق يمسح الأحداث العامة القريبة ثم يختار واحدًا عشوائيًا. النتائج لم تكن فريدة بشكل خاص: قضى ليلة يشرب فيها «وايت رشيان» فى بار روسى، وتمرن فى فصل أكروبات ويوجا، وتناول فطور بانكيك فى مركز مجتمعى. لكن التجارب كانت فريدة بالنسبة له، لأنه لم يكن ليذهب إلى هذه الأماكن لو ترك لأذواقه وعاداته.

هذه حالة بدائية من الصدفة، لأن العشوائية البسيطة حلت محل عمل اكتشاف الخيارات المختلفة والمتشابهة معًا. لكن فيها شرارة من الإمكانية.

الزمن العادى ينتقل من الماضى إلى المستقبل عبر التطابق؛ لأن اللحظة تشبه التالية، تعبر بينهما دون أن تلاحظ. الزمن الجذرى – زمن الإنسانية التوليدية – مختلف، فهو حاضر الحاضر بمعنى أنه يؤدى وظيفة «الآن»: يشقق الماضى والمستقبل.

أكثر التجارب الإنسانية شيوعًا قد تكون الانفصال عن عمل استهلاكى أو حبيب. اللحظة حاضرة بانقسام لأنها تقسم ذكريات ومشاعر الماضى عن فرص المستقبل المفتوحة: إنها حياة ممتدة بين قبل وبعد لا يمكن التوفيق بينهما.

إذا كانت الإنسانية التوليدية هى الإلزام بأن تصبح شخصًا آخر، فالزمن الوحيد الذى يمكن أن يحدث فيه هذا هو فى لحظة منقسمة لكن مفردة.

سيناريوهات لعام جديد

بينما نتقدم نحو «عصر ما بعد الإنسان»، تظهر رؤى متفائلة وأخرى متشائمة. المتفائلون يرون فى الذكاء الاصطناعى فرصة للقضاء على الأمراض، حل مشكلات البيئة، ورفع مستوى الحياة للجميع. المتشائمون يحذرون من فقدان الوظائف، الاستبداد الرقمى، وحتى انقراض البشرية.

إيلون ماسك يحذر من أن الذكاء الاصطناعى أكثر خطورة من الأسلحة النووية. بينما يرى مارك زوكربيرج أن الذكاء الاصطناعى سيجعل حياتنا أفضل بطرق لا نستطيع حتى تخيلها اليوم.

الحقيقة ربما تقع فى الوسط. كما كان الحال مع كل التقنيات الثورية - النار، العجلة، الطباعة، الكهرباء، الإنترنت - سيخلق الذكاء الاصطناعى فرصًا هائلة وتحديات جسيمة. المهم كيف نختار استخدامه.

الذكاء الاصطناعى اليوم تجاوز كونه أداة، أصبح شريكًا فى الفهم والإنتاج. منذ فكرة تورينج، نما هذا المفهوم ليصبح واقعًا يحيط بحياتنا. والمسئولية تقع على من يصنع ويوجه هذه التقنية، وليس على الآلة نفسها.

رحلة الذكاء الاصطناعى «والترانسهيومان» مستمرة، تحمل فرصًا وتحديات، تتطلب وعيًا ومسئولية لبناء مستقبل أفضل، يقوم على التعاون والقرارات الأخلاقية. 

بالعودة إلى سؤالنا الأساسي: هل 2026 نقطة تحوّل أم إعلان سيطرة رقمية؟ الإجابة قد تعتمد على أى السيناريوهات التالية سيتحقق:

فى هذا السيناريو الأول يتقدم الذكاء الاصطناعى مع وضع ضوابط أخلاقية وقانونية قوية. تبقى السيطرة البشرية كاملة، ويستخدم الذكاء الاصطناعى لتحسين حياة البشر دون تهديد هوياتهم أو سيادتهم. 2026 تصبح سنة إطلاق أدوات ذكاء اصطناعى تعزز الإبداع البشرى، تساعد فى حل المشكلات العالمية، وتفتح آفاقًا جديدة للتعلم والنمو الشخصى.

وفى السيناريو الثانى: يتسلل الذكاء الاصطناعى إلى كل جوانب الحياة دون أن ندرى. تصبح القرارات الشخصية والمهنية والاجتماعية متأثرة بشكل متزايد بالخوارزميات، حتى يفقد البشر تدريجيًا قدرتهم على التفكير المستقل واتخاذ القرارات. 2026 تكون سنة تعميق الاعتماد على الأنظمة الذكية فى التعليم، الرعاية الصحية، والعلاقات الاجتماعية، مما يخلق جيلًا جديدًا يتشكل وعيه وهويته عبر التفاعل مع الآلة.

أما فى السيناريو الثالث فيصل الذكاء الاصطناعى إلى نقطة تحول مفاجئة تتيح له تجاوز القدرات البشرية فى مجالات متعددة. قد تظهر أولى أشكال الذكاء الاصطناعى العام، أو تبدأ تجارب تحميل العقل البشرية. 2026 تصبح سنة إعادة تعريف الإنسان نفسه، حيث تبدأ الحدود بين البيولوجى والرقمى بالتلاشى.

أما السيناريو الرابع فهو أنه قد يرفض المجتمع البشرى التقدم السريع للذكاء الاصطناعى. تظهر حركات مقاومة عالمية، وتُفرض قيود صارمة على تطوير ونشر التقنيات الذكية. 2026 تكون سنة الصراع بين التقدم التكنولوجى والمحافظة على الإنسانية، مع احتمال انقسام العالم بين مجتمعات متقدمة تقنيًا وأخرى ترفض هذا التقدم.

من آلة تورينج الخيالية إلى عوالم ما بعد الإنسان، تظل الرحلة مستمرة. والسؤال الأهم ليس «ماذا يمكن للذكاء الاصطناعى أن يفعل؟» لكن «ماذا نريد نحن أن نفعل بالذكاء الاصطناعي؟». الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصيرنا كبشر، أو ربما ككائنات تتجاوز الإنسانية.

فى عام 2026 الاختبار الحقيقى ليس فيما ستتمكن التقنيات من فعله، لكن فى ما سنختار نحن كبشر أن نفعله بهذه التقنيات. نقطة تحوّل أم سيطرة رقمية؟ الإجابة بين أيدينا.