السبت 23 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
وليد طوغان
خطايا مشايخ «منتصف العصا»!

خطايا مشايخ «منتصف العصا»!

سأل عمر بن الخطاب (رض) ابن عباس: « فيما يختلف المسلمون بعدنا.. فقبلتنا واحدة وكتابنا واحد ورسولنا واحد؟».



قال ابن عباس (رض): «سيأتى قوم بعدنا.. يقرءون القرآن.. ولا يعرفون فيما نزل.. فيأولونه.. ويختلفون فيما أولوا.. ثم يقتتلون فيما اختلفوا فيه». 

كما لو أن ابن عباس يتكلم عن الوعى فى الدين.. والوعى بالدين.. والوعى بمقاصد الإسلام. 

كما تقام الأوطان بالوعى.. تقام الأديان بالفقه السليم بمقاصد الدين والغرض من تشريعه من عند الله سبحانه. 

شرع الله الدين لصلاح المجتمعات، أحد تعريفات الدين أنه: «معاملات تصح بها الدنيا.. وعبادات تصح بها الآخرة».

وفى الإسلام أن ما لله لله.. وما للدنيا للدنيا، لذلك فالإسلام مرن.. اكتسب مرونته من طواعية النص الكريم للتأويل. 

التاويل وعى، يظهر فى التأويل قدرة الإسلام الدائمة على الدفع بأحكام شرعية جديدة.. لأزمنة حديثة، خاصية المرونة الإسلامية هى التى تمنح المسلمين دائمًا القدرة على ابتكار أحكام أكثر حداثة.. لأزمنة أكثر حداثة أيضًا.. لبناء فهم أكثر حداثة هو الآخر لمقصود النص. 

(1) 

فى حواره مع ابن الخطاب (رض) تكلم ابن عباس (رض) عن نوعين من الفهم الدينى، أحدهما فهم مشوش ممسوخ مشوه.. كفهم داعش، وإسلام الإخوان، وعقائد الجهاديين. 

لا تقام الأوطان بالغفلة ولا بالفهم المشوه. كذلك لا تقام الأديان بفهم المخربين والخباصين والخراصين، لا تقام الأوطان بتأوهات حمدين صباحى ولا بأفعوانيات البرادعى، لم يشرع الإسلام لفقه التجارة بالله عند يوسف القرضاوى.. ولا شرع الدين لعبادة القتل عند الظواهرى وبن لادن ومحمد مرسى ومحمد بديع ومحمود عزت! 

للإنصاف.. كما يواجه مفهوم الوطن وعي مغلوط لدى بعضهم.. ومفاهيم مشوشة لدى آخرين، فإننا أيضًا نواجه فهمًا مغلوطًا للإسلام.. ومقاصده.. ومبتغياته.. وحقيقته التى أرادها الله.. لا التى زيفها مرتزقة الإخوان.. حبايب الأمريكان. 

ولأن المشكلة فى فهم الدين.. فالحل عند رجال الدين، تظل كرة الوعى السليم فى ملعب المشايخ والأزهريين.  مفترض فى الأزهر الشريف أنه بيت الوسط.. ومركز الإسلام السمح.. وبؤرة الوعى المستنير. 

لكن للآن.. وللإنصاف مرة ثانية.. لم تتدحرج الكرة من ملعب المشايخ.

بعض مشايخنا السبب فى كثير مما لحق من غياب وعى دينى لدى العوام.. وهم أيضًا السبب فيما حدث بين التراث وبين المعاصرة من صدام. 

 

دعوات رئاسية مستمرة لإنقاذ المجتمع بالتجديد
دعوات رئاسية مستمرة لإنقاذ المجتمع بالتجديد

 

( 2 ) 

من قال إن الإسلام تراث؟

لماذا يصر بعض مشايخنا على دفعنا لتقبل إغلاق دينى شرع لكل زمان ومكان على ماض ولى وذهب؟ لماذا يريدون أن يوقفونا على عصور أوائل اجتهدوا فى زمانهم حسب مشكلاتهم.. وحسب معارفهم وثقافتهم. 

لماذا يغلق بعض مشايخنا الإسلام على الماضى.. بينما المسلم مأمور بالاجتهاد ؟! 

الإسلام ليس تراثًا. التراث هو اجتهادات الأولين فى فهم القرآن الكريم، حسب أرضيتهم المعرفية وحسب قضاياهم الحياتية وقتها.. وحسب أحداث عصورهم. 

أنزل الله سبحانه النص صالحًا لكل زمان ومكان.. لكن التراث جامد، التراث توقف لساعة الزمن.. لأنه مقصور على ماضٍ.. وموقوف على أزمنة ولت. 

إذا كان المسلمون الأوائل قد ذهبوا.. فإن شريعة الله مستمرة فى نصه.. قابلة للتطور، مرنة، وبمرونتها تبقى لأحكامها القدرة على استيعاب كل ما يظهر فى عصور المستقبل من مستجدات تتطلب أحكاما حديثة تتواءم مع العصر ومعضلاته. 

السؤال: هل يجوز معالجة مشكلات الحاضر بمستجداته وبقضاياه التى لم يعرفها المسلمون الأوائل ولا تصوروها ولا تصوروا عصورا قد تأتى ويحدث فيها ما يحدث.. باجتهادات الأوائل وفق معارفهم.. وأحكام عصورهم؟ 

سؤال آخر: ما الذى يمكن أن تكون عليه الأمور إذا كان هناك من المشايخ الآن من يُصر على أن ينشد أحكامًا من الماضى لحل مشكلات الحاضر؟

( 3 ) 

لما تطورت المجتمعات الإسلامية بعد سنوات من وفاة النبى (ص)، اضطر المسلمون إلى ابتكار علم الفقه، والفقه هو محاولات لفهم النص بشكل يمكن الفقيه من استخراج أحكام فى زمان حديث.. لم يكن منصوصًا عليها فى زمان قديم. 

احتياج المسلمين للفقه كان وعيًا بمرونة الدين، ووعيًا أكثر بما أصبحت تحتاجه العصور الحديثة من تنظيرات شرعية لمشكلات لم يشهد لها المسلمون الأوائل، وقبل نشأة علم الفقه مثيلا. 

بنشأة علم الفقه، أعاد أهل العلم تأويل أحكام النص الكريم، بما يتناسب مع احتياجات المجتمع المسلم.. ووفق ظروف العصر الجديد. 

وظهرت القاعدة الشرعية (جواز تغير الأحكام بتغير الأزمان). 

لم يحدث فى عصور ما بعد التابعين أن ظهر من اعترض على اجتهادات شرعية لصالح مجتمعات حديثة.. بدعوى الحفاظ على التراث الدينى القديم. لم يحدث أن ظهر من تصلب فى مكانه، معتبرًا أن ما تركه الأولون هو الإسلام، وأن ما عداه ليس إسلامًا. 

للإنصاف مرة ثالثة.. إن بعض مشايخنا فى صلابة الحديد الزهر، رغم أن الأصل فى الإسلام التسامح.. والتراحم.. وأمرهم شورى بينهم. 

بعضهم صلب الرأى شديد المراس فى متشابهات.. شديد البأس فى غير المحل. بعضهم يتصور أنه هو الذى يملى الدين.. وأن غير ما يمليه خارج عن الإسلام. 

لذلك كان من الطبيعى أن تشهد عصورنا صدامًا حادًا ما بين القديم والجديد، كان طبيعيًا أن نشهد نزاعًا بين مجتمع عصرى تغيرت أحواله ومشاكله وتشعبت قضاياه.. فى مواجهة من يصر على فرض أحكام شرعية قديمة على زمن تغير.. ومسلم تطور، وفى مجتمعات لم تعد تشبه عصور النبوة ولا عصور الصحابة ولا عصور التابعين ولا عصور تابعى التابعين!. 

خطأ من هنا ؟ هل هو خطأ التطور والتغير الذى هو سنة الله فى خلقه ؟ أم هو خطأ من أراد أن يوقف الزمان على ماض وعلى عصر واحد وحيد ولى وراح.. محتجًا بأن هذا هو الدين؟ 

(4) 

لا يعرف أحد للآن.. لماذا يفهم بعض المشايخ الإسلام على أنه دين (البين بين)؟ 

البين بين هو إمساك العصا من المنتصف. وفى ظروف معينة، وفى الحروب التى تشهدها البلاد والعباد، وفى مراحل تستوجب النهوض للدفاع عن الأوطان وعن التراب الذى رواه أبناؤنا، ووسط حرب متعددة الأسلحة خبيثة، لا تنفع الحلول الوسطى.. ولا يجوز شرعًا إمساك العصا من المنتصف. 

لكن لأن بعض مشايخنا «دوجماتيك» فإنهم يؤمنون بأنهم وحدهم من يحوزون الحقيقة المطلقة بلا حجة.. ويعتقدون بلا سند أن إمساك العصا من منتصفها هو الحل وهو الغاية.. بعض مشايخنا يظنون أنهم وحدهم (رغم ما يجرى ورغم ما يشهده الدين من تهديدات) هم أهل الدين القيم.. وأنهم وحدهم حراس الإسلام فى أرضه.. وحراس الأيقونات على حوائطه! 

لا يعرف الإسلام الدوجماتيكية ولا احتكار الحقيقة، كما أنه لا يعرف ما يسمى بحيازة الدين لفرد أو لجماعة. 

لاحظ أن رجل الدين بمفهومه الحديث لم يظهر لا فى عصور الصحابة ولا عصور التابعين ولا عصور تابعى التابعين. 

لذلك لم يقصر الإسلام طوال تاريخه الاجتهاد على وظيفة، ولم يحدث أن منع رأيا شرعيًا استهدف مصلحة، أو استهدف حماية مجتمع أو حفظ حقوق، أو صون أرواح . 

لم يحدث أن أمر الإسلام بغلق الطريق على أى اجتهاد جديد، ولم يغضب الله سبحانه أبدًا على رجال حاولوا كسر احتكار بعض رجال الدين. 

لم يجرم الدين اجتهاد صاحب القميص والبنطلون، لصالح الجبة والقفطان، ليس هناك نص فى منع صاحب البنطلون من التفكير.. ولا شرع يقتضى منعه من إعادة النظر فيما يلزم إعادة النظر فيه من أمور الدين والعقيدة. 

لم يعد هناك وقت للقيل والقال.. ولا مزيد من براح الزمن للتعقيد والتطويل والتسويف؟ 

فى جملة بليغة لعلى بن أبى طالب (رض) قال: «القرآن حمال أوجه». المعنى أنه لا تكفى قراءة النص لفهمه، إنما الأصل هو الوعى بالنص.. والفهم السليم لروحه، فى الطريق الوحيد لاستخلاص مقاصد الله الحقيقية لخلقه.

إذا كان الواجب وعى جمعى بمفهوم الوطن، وبما يحاك حوله من مؤامرات ودسائس لهدمه وإسقاطه وبعثرة شبابه بين البلبلة والشائعات والكلام الفارغ، فالمطلوب أيضًا وعى حقيقي بإسلام شوهه الإخوان لاحتلال مصر، ولخبطوه لاختطاف الشباب، ولوثوه للسيطرة على قصر الاتحادية الرئاسى.. ثم استغلوه لإقناع بعضهم بزرع القنابل الصناعة محلية فى شوارع القاهرة المزدحمة، ثم شوشوا على عقولهم، لقتل المصريين بحجة؛ مصلحة المصريين!.

نحن فى حاجة إلى أن يتولى المعنيون بالدين علاجًا واعيًا وحازمًا وسريعًا من أفكار ما أنزل الله بها من سلطان، اختطفت الشباب، وحرضتهم على محاولة اختطاف الوطن.. والمواطنين وتعليقهم على أعمدة النور فى الشوارع من أرجلهم.. بحجة الديمقراطية والتغيير.. وحقوق الإنسان !. 

فى غياب الفهم السليم للدين، قتلت داعش على الهوية باسم الإسلام.. وكذب الإخوان الإرهابيون على الشعب، وفجروه على محطات النقل العام باسم الله وسنة رسول الله! 

بغياب الوعى الدينى السليم حاول الإرهاب حرق سيناء، باسم الفتح المبين، واستوطن الإخوان قطر.. وتاجروا فى أنقرة طمعًا فى رزقهم وما يوعدون!.

أزماتنا مع الوعى أكبر مما يعتقد المشايخ. فهل أخطأنا لو تجاسرنا ورفعنا إلى مقام أصحاب الفضيلة مطالب مجتمع فى حاجة إلى خطة تجديد نحو وعى عصرى حقيقى سليم بالدين؟

هل أذنبنا عندما طالبنا بمزيد من الجهود لفهم دينى حقيقى.. عصرى.. سليم لا شبهة فيه حفاظًا على الدولة والوطن.. وصونًا للأرض والعرض والنفس.. والدين؟!