كيف تعيد «المعادن» رسم خريطة العالم؟!
خاص: صباح الخير
فى أرض لم تهدأ فيها الجبهات، وزمن لم تعد الطائرات وحدها تحسم المعارك، ظهرت معادن خفية لا تلمع كالذهب، ولا تُعرض فى المتاحف، لكنها تزن أكثر من الجيوش. نادرة فى اسمها، دقيقة فى تركيبها، عظيمة فى تأثيرها، تلك العناصر التى تسكن أعماق الأرض، خرجت من صمتها وصارت سيدة القرارات.
فى ظاهر الأشياء، تبدو الحياة ماضية فى سيرها، كما لو أن كل شيء يتحرك وفق قوانين السوق وتقنيات الابتكار. الهواتف تضىء، السيارات تنطلق، الشبكات تنقل الصور والكلمات بسرعة الضوء.
غير أن هذا الهدوء التقنى يخفى خلفه صراعا متصاعدا، فمنذ بدء التاريخ، والصراعات تتخذ أشكالا مختلفة ، فى زمن كانت المياه والنهر والحبوب ، فى زمن آخر كان البترول والممرات البحرية، واليوم يتحول مسرح النزاع إلى المعادن النادرة، التى لا يقوم العصر الرقمى أو الصناعة الخضراء أو الذكاء الاصطناعى من دونها.
الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة كالنيوديميوم والتيربيوم وغيرها، أسماء تبدو بعيدة عن المتناول، لكنها الآن ترسم ملامح العالم الجديد. من بطاريات السيارات الكهربائية التى تقود ثورة الطاقة النظيفة، إلى الهواتف الذكية التى بين أيدينا، ومن الألواح الشمسية التى تلتقط أشعة الشمس، إلى التوربينات التى تدور فى رياح التغيير، كلها تحمل بصمات هذه المعادن التى لا يراها المستهلك، لكنها تتحكم فى مصيره.

الكونغو الديمقراطية هى الأرض التى تحبس بين تربتها ثروات لا تُعد ولا تُحصى، ثروات يعرفها العالم ويطمح إليها، لكنها لم تُثمر حياة كريمة لسكانها. كانت شاهدة على صرخات الأطفال العاملين فى المناجم الصغيرة، على يدٍ لا تعرف الرحمة، وعلى الفقر الذى ينساب فى كل قرية ووادٍ. هناك، فى قلب الأرض الغنية بالكوبالت والكولتان والذهب والماس، يسير الناس فى طرقهم الموحلة، يحملون الأمل كما يحملون الأدوات، ويخوضون يومهم بين الصخور والنيران التى لا تعرف الرحمة. ومن بعيد، يراقب العالم، وهو يلتقط صورًا لأرقام وإحصاءات، لكنه يغفل الأرواح التى تنزف، ويغفل الأرض التى تتألم.
«الصين» تسيطر على هذه المعادن، السماء التى تحكم الأسواق وتتحكم فى الأسعار وتفرض القيود، حتى تبدو المعادن الأرضية النادرة كحجارة مضيئة فى يديها، تسير بها نحو مصالحها، نحو القوة، نحو الأمن الاقتصادى.
تسيطر على حوالى 70% من الإنتاج العالمى للمعادن النادرة، والأهم أنها تتحكم بأكثر من 90% من قدرات المعالجة والتصنيع للمغناطيسات الدائمة. هذه الهيمنة لم تأتِ بمحض الصدفة، كانت نتيجة استراتيجية بعيدة المدى بدأت منذ عقود، إذ لم تكتفِ الصين بالاستخراج، واستثمرت مليارات الدولارات فى البحث العلمى وتطوير تقنيات الفصل الكيميائى الأكثر تعقيدًا وتلويثًا. هناك، فى مصانعها وموانئها، تتجمع المعادن، وتتكرر الخطوات، ويُصقل كل معدن ليصبح قلبًا نابضًا فى محركات السيارات الكهربائية، وفى توربينات الرياح، وفى أجهزة الليزر، وفى تقنيات الطيران والفضاء، وحتى فى المعدات العسكرية الحديثة. فى عام 2025، استخدمت الصين سلاح المعادن النادرة بشكل أكثر وضوحًا فى إطار صراعها مع الغرب، حيث فرضت بكين قيودًا صارمة على تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون، وهى عناصر حيوية لصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة وأجهزة الرؤية الليلية والأنظمة الدفاعية، ما أدى إلى اضطراب كبير فى الأسواق العالمية ودفَع الدول الغربية للبحث بشكل محموم عن بدائل.
الصين تدرك أن تفوقها فى هذا المجال يمنحها «حق الفيتو» على التطور التكنولوجى العالمى، ما يجعل سيطرتها على المعادن الأرضية النادرة إحدى أدوات القوة الأكثر فعالية فى القرن الحادى والعشرين.
على الضفة الأخرى، بدأت أوروبا تستشعر هشاشتها. أدركت أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة مرهون بما لا تملكه.
فتحت ملفات التنقيب فى البرتغال، وبدأت تناقش التوازن بين البيئة والصناعة. اكتشفت أن السياسات الخضراء تحتاج إلى بنى تحتية معدنية لا يمكن استيرادها بسهولة. أطلقت أوروبا «قانون المواد الخام الحرجة» لضمان معالجة 40% على الأقل من احتياجات القارة داخل حدودها بحلول عام 2030. وتظهر دول مثل السويد وفنلندا كلاعبين رئيسيين فى هذا التوجه بفضل اكتشافات جديدة للأتربة النادرة فى القطب الشمالى. كما تستثمر القارة فى تقنيات إعادة التدوير لاستعادة المعادن النادرة من الأجهزة الإلكترونية القديمة، ما يُعرف بـ«التعدين الحضري». فى كل اجتماع اقتصادى، وفى كل وثيقة بيئية، صارت المعادن النادرة ضيفًا دائمًا، حاضرًا فى العمق، حتى لو غاب عن العنوان.
وفى أمريكا، تبدلت الرؤية؛ من نظرية المؤامرة إلى نظرية الأولوية الوطنية. أدركت واشنطن خطورة اعتمادها الكلى على الصين فى المعادن النادرة، وبدأت فى تنفيذ استراتيجية شاملة للعودة إلى سيادة المعادن. عادت لتفتش فى أراضيها عن معادن أهملتها يومًا، وأطلقت تحالفات من أستراليا إلى أفريقيا تحت راية «أمن التوريد»، وراية أخرى، غير معلنة؛ «كسر قبضة بكين». من خلال «قانون خفض التضخم» (IRA)، قدمت الحكومة الأمريكية حوافز بمليارات الدولارات لإعادة إحياء مناجم مثل «ماونتن باس» فى كاليفورنيا، ودعم مشاريع استخلاص المعادن من النفايات التعدينية ومياه الصرف الصحي. كما تقود الولايات المتحدة «الشراكة من أجل أمن المعادن» (MSP)، وهو تحالف يضم دولًا مثل كندا وأستراليا واليابان والاتحاد الأوروبى، يهدف إلى بناء سلاسل توريد بديلة بعيدة عن الهيمنة الصينية. شهدت نهاية عام 2025 انفراجة نسبية مع توقيع اتفاقية تجارية بين إدارة ترامب وبكين تضمنت «هدنة معدنية» مؤقتة، حيث وافقت الصين على منح تراخيص تصدير لبعض الشركات الأمريكية مقابل تسهيلات فى قطاعات أخرى، لكن الصراع الجوهرى على السيادة التكنولوجية لا يزال قائمًا، إذ تسعى أمريكا لتوطين كامل سلسلة القيمة من المنجم إلى المغناطيس.
تقنيات النانو
فى قلب الصراع الصامت، تقدّمت أوكرانيا كجبهة جيولوجية تفيض بالثقل الاستراتيجى. سلة الغذاء الأوروبية تحتضن فى باطنها الليثيوم والتيتانيوم والمنجنيز والغرافيت، بثروات تُقدّر بتريليونات الدولارات. هذه الموارد دفعت بالحرب نحو مستوى يتجاوز الجغرافيا والأسلاك الشائكة. فى هذا المشهد، تتحول الحرب إلى سباق على معادن المستقبل، وتسعى واشنطن وحلفاؤها إلى إبقاء هذه الثروات خارج النفوذ الروسى، فى محاولة لضبط موازين التوريد وحماية مسار التحول الصناعى العالمى.
ما إن يُذكر الحديث عن المعادن الحيوية، حتى تنكشف خيوط النفوذ الدولى، ويظهر مدى ارتباط السيادة بكمية الموارد التى تمتلكها الدولة. فالصراع يظل خافتًا أمام الرأى العام، لكنه يحدد مصير اقتصادات كبرى؛ تُتخذ القرارات فى غرف مغلقة، وتُشحن المعادن عبر البحار، وتُوقّع الاتفاقيات بهدوء، لتشكل معالم القرن الجديد.
على المستوى التقنى، تمثل تقنيات النانو الثورة الصامتة فى عالم التعدين، فهى الحل السحرى لمعالجة أكبر عقبة فى صناعة المعادن النادرة؛ صعوبة الفصل الكيميائى، فالمعادن غالبًا مختلطة بخصائص متشابهة جدًا، ما يجعل فصلها مكلفًا وملوثًا بالطرق التقليدية.

عناصر نادرة
فى عام 2010، أدى تصادم بين سفينة صيد صينية وزورق دورية يابانى إلى وقف غير رسمى لصادرات الصين إلى اليابان، ما تسبب فى قفزة كبيرة بأسعار المعادن، وكانت هذه اللحظة «صدمة النفط» بالنسبة للمعادن النادرة، وأعلنت الصين استراتيجية طويلة المدى بقيادة دينج شياو بينج لتعزيز سيطرتها على الموارد، شملت دعم الشركات الحكومية وخفض الأسعار وإخراج المناجم الأجنبية من الخدمة والاستثمار فى التعليم والبحث العلمى المتخصص.
تشمل العناصر الأرضية النادرة الـ17 قلب التكنولوجيا الحديثة: اللانثانوم للعدسات والبطاريات والهجين والمحفزات الكيميائية، والسيريوم لعوامل التلميع والمحولات الحفازة، والبريسوديميوم لإنشاء المغناطيسات ونظارات اللحام، والنيوديميوم «ملك المغناطيسات» لمحركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، والبروميثيوم للبطاريات النووية الصغيرة، والساماريوم للمغناطيسات وعلاجات السرطان الإشعاعية، والأوروبيوم للألوان وميزات الأمان فى العملات، والغادولينيوم للرنين المغناطيسى والمفاعلات النووية، والتيربيوم للمصابيح والشاشات وأجهزة السونار، والديسبروزيوم لتحمل الحرارة فى المغناطيسات الحيوية، والهولميوم لأجهزة الليزر الطبية، والإربيوم لمضخمات الألياف البصرية، والثوليوم لأجهزة الأشعة السينية والليزر المتقدمة، والإيتربيوم للساعات الذرية وتحسين الفولاذ المقاوم للصدأ، واللوتيتيوم للتصوير المقطعى للكشف عن الأورام، والسكانديوم لسبائك الألومنيوم للطائرات والمعدات الرياضية، واليتريوم للسيراميك والموصلات فائقة الخصائص وعلاج سرطان الكبد.
الطلب العالمى يتضاعف، والوكالة الدولية للطاقة تتوقع قفزات هائلة فى الحاجة إلى المعادن النادرة. كل شاشة تُضاف، وكل سيارة كهربائية تُصنع، وكل توربين يعتلى حقل رياح، يزيد الضغط على الأرض، وهذا الضغط يُدار بالتنقيب وإعادة التدوير، فيما يُعرف بالتعدين الحضرى؛ استخراج المعادن من النفايات الإلكترونية والبطاريات المستعملة، اتجاه لا يحمى البيئة فحسب، بل يفك التبعية ويعيد رسم خريطة القوة.
الابتكار العلمى بدوره يعزز هذا الصراع؛ ففى مختبرات ستانفورد، تطور الدكتورة زهن باو مواد إلكترونية مرنة وقابلة للشفاء الذاتى، قد تقلل الحاجة للعناصر الأرضية النادرة، فيما أبحاث أخرى تعيد تعريف البطاريات، لتحسن الأداء وتفتح أبوابًا أوسع للطاقة النظيفة والتقنيات الطبية.
أما الاستثمار الصناعى، فيشهد نشاطًا متسارعًا، حيث تتنافس الشركات الكبرى لتأمين الإمدادات وضمان استمرارية الإنتاج، مع الحفاظ على التوازن بين الربح والالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية، لتظل المعادن رسالة مشفرة تعبر عن قدرة الدول على صناعة المستقبل، وعن الحوكمة، وعن التوازن بين الإنسان والطبيعة.
المعادن النادرة ليست نادرة فقط فى وجودها، بل فى منطقها. تفرض شروطها على السياسة، وتكتب فصولًا جديدة من التاريخ، ومع كل تطور تزداد الحاجة إليها، وتضيق المسافة بين من يملكها ومن ينتظر.من يمتلك زمام المعادن يرسم مستقبل الكوكب، ويقرر شكل الحياة القادمة، نحن لا نعيش فقط فى عصر المعادن، يعاد تشكيلنا بها، دون أن ننتبه.



