فازت بجائزة معرض الكتاب هناء متولى لـصباح الخير:
نساء يمارسن الأدب بسذاجة!
حوار أجرته: هايدى فاروق
تُوِّجت المجموعة القصصية «ثلاث نساء فى غرفة ضيقة» للكاتبة هناء متولى والصادرة عن بيت الحكمة الثقافى بجائزة أفضل مجموعة قصصية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، الذى اختتم أعماله مؤخرًا.
وتأتى هذه المجموعة مختلفةً على مستوى الكتابة والفكر؛ إذ استخدمت هناء متولى أساليب فنية متنوّعة، متمردةً على الأطر التقليدية والحكايات النمطية، لتحلّق فى فضاءٍ إبداعيٍّ رحب لا يحدّه قالبٌ جامد ولا تقوّضه أطرٌ جاهزة.
وخلقت القاصة شخوصها وحكاياتهن بمنتهى الصدق، وهو ما تجلّى فى الطرح غير المفتعل للقضايا، الأمر الذى منح كتاباتها قدرةً لافتة على اختراق وعى القارئ والتأثير فيه.
هناء متولى صدر لها من قبل: رواية «يوم آخر للقتل» عن الدار المصرية اللبنانية 2024، رواية «أسرار سفلية» عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2018 ـ

وفى رحلتها حصلت على: جائزة سعاد الصباح للإبداع العربى 2019، عن مجموعتها القصصية «التنفس بحرية أثناء السقوط»، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الدوحة للدراما عن مخطوط مسرحية «الفلاسفة لا يعرفون الحب»، إضافة إلى منحة مؤسسة مفردات ببروكسل «بلجيكا» عن الكتابة الإبداعية 2020، ومنحة مؤسسة المورد الثقافى عن مشروع رواية «كفر البراغيث» 2024، فضلًا على منحة وزارة الثقافة المصرية (2019–2020) لإجراء بحث ميدانى حول أوضاع النساء فى سيناء.
وحظيت هناء متولى بتكريم من المجلس القومى للمرأة عن سلسلة مقالات تناولت قضايا الفتيات فى مرحلة المراهقة تحت عنوان «متى تفقد الفتيات ثقتهن بأنفسهن؟».
وقد التقتها «صباح الخير» عقب فوزها لإجراء حوار حول الجائزة وما تحمله من مسئولية، ليمتد النقاش إلى الأدب النسوي، وهموم الكتابة والكاتبات، ومكانة القصة القصيرة فى المشهد الأدبى اليوم. وإلى نص الحوار…
■ كتبتِ القصة القصيرة، ثم اتجهتِ إلى الرواية، قبل أن تعودى مجددًا إلى القصة.. كيف تصفين هذه العودة؟ وما رؤيتك لفن القصة القصيرة اليوم؟
- هى عودة طبيعية لأن الكاتب دائمًا ممتلئ بالأفكار والقضايا، وأنا أرى نفسى أسيرة للفكرة التى تحدد القالب الذى أكتب فيه. القصة تمنحنى مساحة أكبر للتجريب واللعب، وفن القصة اليوم يمر بمرحلة ازدهار وتطور ملحوظ جدًا.
■ منذ أسابيع قليلة حُجب المركز الأول لجائزة ساويرس الثقافية فى فرع القصة القصيرة، وصدر تصريح لأحد أعضاء لجنة التحكيم أرجع ذلك إلى تدنى المستوى الفنى وعدم توافر الشروط الجمالية.. هل ترين أن القصة القصيرة تمرّ بمأزق حقيقي؟ أم أن التجريب المصرى تحديدًا هو الذى يواجه أزمة؟
- ما حدث مؤخرًا فى «ساويرس» يمكن فهمه من زاويتين: من حق لجنة التحكيم أن تحجب جائزة إذا رأت أن النصوص لا تلبّى ذائقتها الفنية أو لا تحقق شروطها الجمالية، هذا أمر مقبول كحكم فنى شخصي، لكنه لا يصل إلى حد التشريع العام على الإبداع. أما ما لا يمكن قبوله فهو «خطاب أبوي» موجه ضد كتاب شباب القصة، فهو محاولة للسيطرة على مساحة حرية الكتابة نفسها. الكتابة بطبيعتها فعل تحرر، مقاومة للسلطة والقيود، ومن يرفع هذه السلطة الأبويّة فى الفن يكرر ما نحارب فى حياتنا اليومية: قمع الرؤى وتجفيف التجارب.
فن القصة، على العكس، يعيش حالة تجدد مستمرة وتطور دؤوب، ولا أرى فيه أزمة جوهرية؛ الأجيال الجديدة تفاعلوا مع نصوصى بتقدير واندفاع، ما يثبت أن التجربة القصصية قادرة على استيعاب التجريب والتحولات. وما حدث فى «ساويرس» كان استثناءً فرديًا، لا يعكس واقع المشهد، بل يظهر فقط صدامًا بين رؤى قديمة وحداثة التجربة، وهو درس بأن الفن لا يمكن أن يُحكم عليه بمنطق السلطة أو الوصاية.
■ برأيك، هل تحظى القصة القصيرة بالاحتفاء العربى الذى تستحقه، مقارنة بالرواية، سواء على مستوى الجوائز أو الاهتمام النقدى والإعلامي؟
- بالضبط، القصة لم تحظَ بعد بالاحتفاء اللائق؛ لقد مرت بفترة طويلة من الظلام والتجاهل، عقود لم يُقدّر فيها هذا الفن على حقيقته. اليوم، هى فى مرحلة نهوض حقيقي، وتبدأ خطوات ملموسة نحو الاعتراف بمكانتها، ليس فقط كنوع أدبى ثانوي، بل كفن مستقل وعظيم، قادر على حيازة مساحة ثقافية وجمهور متفاعل.
■ فى مجموعتك الفائزة بجائزة المعرض، لجأتِ إلى تنويع الأساليب وكسر النمطية، فمزجتِ بين المسرحية والمشهدية والسرد القصصي.. حدثينا عن أهمية هذا التنوع، وما الصعوبات الفنية التى واجهتك أثناء تنفيذه؟
- تنويع الأساليب وخلط المسرحية والمشهدية والسرد القصصى كان ضروريًا لتفكيك الرتابة، لإعطاء القارئ تجربة مختلفة فى كل نص. الصعوبة تكمن فى التوازن: لا أنقل النص إلى «عرض تجريبي» فارغ من العاطفة أو من الحكاية، وهذا يتطلب ضبط الإيقاع واللغة، بحيث يبقى كل نص قصة، لا مجرد تجربة فنية محضة.

■ استخدمتِ التجريب فى الكتابة مع الحفاظ على الحكاية، ما منح النصوص متعة خاصة للقارئ.. كيف تنظرين إلى التجريب من منظورك الفني؟ وأين تضعين الحد الفاصل بين التجريب والإرباك؟
- التجريب من منظورى الفنى ليس ترفًا، بل ضرورة لمواجهة تعقيد الواقع. الحد الفاصل بين التجريب والإرباك هو الوضوح الداخلى للنص: التجريب مقبول عندما يخدم الحكاية أو المشهد النفسي، بينما يصبح مربكًا حين يتحول الشكل إلى عائق أمام التواصل مع القارئ
■ ما جديدك الإبداعى فى المرحلة المقبلة؟ وهل تفكرين فى اقتحام أجناس أدبية أو صنوف تعبيرية أخرى؟
- بالفعل، تغير تفكيرى فى النصوص بعض الشيء مؤخرًا. كتبتُ كتابًا تأمليًا عن السينما سيصدر قريبًا، وأعمل حاليًا على كتاب فكرى يتناول الزوايا النفسية والسياسية للكاتبات الرائدات. أشعر أن هذه الفترة تحركنى الكتب الفكرية أكثر وتستفز فضولى وتحليلي.
■ مجموعة «ثلاث نساء فى غرفة ضيقة» كُتبت بوصفها نصًا نسويًا، وفوزها يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما زالت الحاجة إلى الأدب النسوى تفرض نفسها على المشهد الإبداعى العربي؟
- الحاجة إلى الأدب النسوى ما زالت ضرورة حقيقية على مستوى العالم كله. لا تزال هناك قضايا نسوية تُطرح بشكل تلقائى وساذج، دون عمق أو صدمة كافية لتفكيك الواقع، وهذا النوع من الكتابة يحتاج إلى جرأة وتأثير، ليكشف عن الأماكن المظلمة والعميقة فى آلام النساء الحقيقية، سواء كانت الكتابة من رجل أو امرأة. الأدب النسوى العظيم لا يكتفى بالحديث عن الظاهر، بل يخترق الألم والاحتجاز الاجتماعى ليُظهر الحقيقة كاملة، بلا تجميل أو خوف.
■ كيف تُعرّفين الأدب النسوى فى ظل التحولات الراهنة؟
- فى ظل التحولات الراهنة، يمكن تعريف الأدب النسوى على أنه كتابة تهدف إلى كشف وتحليل الهياكل الاجتماعية والثقافية التى تقمع النساء، لكنها لا تتوقف عند الوصف أو التنديد فقط. إنه نص قادر على تفكيك الموروثات، وعرض الصراعات الداخلية والخارجية للمرأة بطريقة تضع القارئ فى مواجهة الحقيقة دون وساطة. الأدب النسوى اليوم يدمج السياسة بالنفساني، والتاريخ بالخبرة الشخصية، ويبحث عن لغة جديدة تعبّر عن التجارب النسائية المعقدة والمتعددة، بعيدًا عن النماذج النمطية أو الخطابات الاحتفالية بالقوة فقط. هو فضاء حرّ للتساؤل والمواجهة، لا مجرد شعار أو خطاب مسبق.
■ وهل نحن بحاجة إلى خطاب نسوى جديد، أم إلى طريقة كتابة مختلفة؟
- نحن بحاجة إلى تحرر الخطاب النسوى من الموروث الذكورى الذى سيطر على عقول النساء حول العالم، وجعلهن يدوّرن حول مساحة محددة سلفًا، مستخدمًا نفس القاموس الذكورى نفسه. هذا القاموس أنتج نماذج نسوية فى ظاهرها مقاومة، لكنها فى جوهرها رجعية، ترفض جسدها وتحتقر المرأة الأخرى، فتكرر قيود المجتمع بدلاً من تحطيمها. التحرر الحقيقى يتطلب كتابة جديدة، لغة جديدة، وفهمًا مختلفًا للذات وللآخر، بعيدًا عن وصاية الموروث وقيوده الصامتة.
■ حين نكتب عن امرأة مقهورة أو مسحوقة لا تملك الحيلة، هل نكون بذلك ضد النسوية؟ أم أن الانتصار للمرأة يقتضى تقديم نماذج قوية فقط؟
- الكتابة عن امرأة مسحوقة ليست ضد النسوية، بل على العكس، تكشف الحقيقة وتجعل القارئ يعيد التفكير فى هياكل القوة، بينما تقديم نماذج قوية فقط يمكن أن يتحول إلى خطاب احتفالى لا يعكس الواقع.
■ أهديتِ مجموعتك القصصية الفائزة إلى الشاعرة والروائية الأمريكية سيلفيا بلاث، رائدة الشعر الاعترافى.. إلى أى مدى تنتمى هذه المجموعة إلى أدب الاعتراف فى تجربتك؟ وما حجم تأثير سيلفيا بلاث على كتابتك؟
- التأثر بسيلفيا بلاث إنسانيًا فقط وليس إبداعيًا، وذلك واضح فى القدرة على الصراحة الداخلية، وفى دمج الاعتراف بالذات ضمن الحكاية. هذه المجموعة تحمل طابع الاعتراف، لكنها ليست استنساخًا، بل ترجمة للخبرة الشخصية إلى سرد قصصي.
■ ما المسئوليات أو الرهانات الجديدة التى فرضها عليك الفوز بهذه الجائزة؟
- الفوز بالجائزة يفرض مسئولية أكبر تجاه القراء، ومسئولية نقدية تجاه التجريب، لأنه أصبح هناك ضوء على العمل والكتابة والتجربة.
■ فى روايتك «ليلة أخرى للقتل» قدّمتِ الريف من منظور مختلف، بواقعية جريئة وصادمة أحيانًا.. هل تؤثر هذه الجرأة على سلامك النفسي؟ وهل تدفع الكاتبة ثمن الصدق الفني؟
- الجرأة فى تصوير الريف أو العنف أو القهر لا تهدد سلامى النفسي، لكن تتطلب استعدادًا لمواجهة ردود أفعال الناس، ولتحمل الصدمة التى أكتب عنها، وهذا ثمن الصدق الفني.
■ أخيرًا، ما أبرز التحديات التى تواجه الكاتبات فى عالمنا العربى اليوم، على المستويين الإبداعى والإنساني؟
- أبرز التحديات للكاتبات اليوم تشمل التوازن بين الحرية الإبداعية والرقابة الاجتماعية، الصراع مع سوق مكتظة بالكتابة التجارية، والتحيزات الثقافية التى تحد من تقدير التجريب النسوي. على المستوى الإنساني، هناك ضغط مزدوج: بين الحياة اليومية والكتابة، وبين ضرورة أن تبقى الكاتبة صوتًا مسئولًا ومؤثرًا.



