الأربعاء 7 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

استكانة النهر العجوز

بقلم: فكرى داود



مع الخطوط الأولى للنهار، ومع انتشار شقشقة العصافير، وتصايُح دواجن البيوت، ابتهاجا بوجبة إفطارها اليومى، يحرص الأهل على إيقاظنا.  يصحب الآباء بعضنا إلى الغيطان، لتنقية دودة القطن، أوتمليص أقماع الذرة، أوجمع شجيرات الملوخية الخضراء والرِّجْلة، تاركين البعض الآخر ليتوجه إلى المدرسة، بعد شراء مؤونتهم اليومية، من الكرملة والنعناع واللب. أما أكثرنا فينطلق إلى الشوارع، لجلب حاجات الأمهات من البائعين الجائلين والمحلات، أولتسليم لبن البهيمة المحلوب فجرا، إلى معمل الجبن بالقرية، باحثين فى طريق عودتنا، عن بيض الدجاج والبط الشارد، وسط أحمال القش والحطب، المكومة بالفراغات العديدة بين الأبنية. وقبل استئناف جولات لعبنا العابث، تقع عيوننا- أول ما تقع- على مشهد يومى لحزمة من النسوة، يمسكن بأيديهن سُباطات بلح العام الفائت، لكنس الشوارع المؤدية إلى النهر، قبل عودتهن لمواصلة أعمالهن البيتية. شبورة البكرية آخذة فى التراجع، أمام خيوط الشمس  المتسللة بهدوء. وأفران الطين بالزرائب، لم تخمد نارها بعد الانتهاء من الخبيز، نشوى ما جمعنا من بيض، تمتلئ أنوفنا برائحة الخبز البلدى، مختلطة بشذا أزاهير البرتقال، القادمة من الجزيرة المقابلة للقرية. وثعبان النهر العجوز يتمدد مباحا، لنسوة أخريات يمارسن غسل الأوانى والثياب، مستغلات استسلامه للسكون، لولا نسمات خفيفة تداعب صفحته، صانعة سجادة من خطوط متعرجة، كأنها رُسلٌ لأمواج كامنة بأحشائه، تُذكّره بأيامه الخوالِى قبل غياب فيضانه العَفِّى، الذى ظل عمرا، يجدد شباب الأرض بطميه الطازج.  وسمكات كَسْلَى تتسكع قرب الشاطئ، الذى تتراكم على حافته مخلفات الشوارع والبيوت، تعس فيها عنزات شاردات، علها تعثر على ما تقتات به، وقطط متسخة الوَبَرَة لاتُصْدر أيَّ مواء، وقليل من العصافير وأبو قردان، تنقب عن نصيبها فى بقايا الحبوب والحشرات.      على مرمى أبصارنا، وعبر ستائر الشبورة الشفيفة، ينحنى صيادعجوز وسط قاربة الصغير، محاولا تخليص رزقه من الشبكة، عقب سحبها من الماء، دون أن يرفع صوته بيا ليل أو ياعين...، وبضع حمامات مرحة تعبر إلى الجزيرة، التى تلوح فيها عن بُعد، أشباح أشجار البرتقال، والموز بسباطاته المعلقة وأوراقه العريضة. تعود الحمامات سريعا، لتدور حول مئذنة المسجد القريب، قبل أن تستقر فوق بلكونة المئذنة، لا ندرى فيم كان العبور أو فيم كانت العودة؟ تعاود ذاكراتنا- رغم حداثة أعمارنا- وقائع بناء المسجد، على أنقاض مصلاة قديمة، يتندر الكبار دوما، بما دار فيها من ذكريات، لبائعين جائلين أولشغيلة الغيطان، عند عودة منتصف النهار، فيتخطون درجا عشوائيا من بلاط جيرى، ليرتموا فى أحضان النهر. يمتص النهر تعب أبدانهم وأرواحهم، قبل عودتهم إلى البيوت، رغبة فى تقييلة قصيرة، أو يتمددوت تحت أشجار الكافور المحيطة بالمصلاة، غير مبالين بمطاردات الغربان والعصافير، أو بحفيف الأغصان مع كل هبة ريح. أمام تسلل شعاع الشمس، يزداد نور المئذنة شحوبا، على حافة بلكونتها، تهدأ حركة الحمامات حول الميكروفون، الذى يوزع الأذان عند كل صلاة. من بعيد تلوح لعيوننا الطاحونة المهجورة، بنصف مدخنتها السفلى، بعد إزالة نصفها العلوى، تمهيداً لمحوها تماما، لتلحق بمداخن بوابير الرى القديمة، التى بيعت آلاتها خُردة، وحلت محل أبنيتها العملاقة أبنية طينية واطئة، تشبه كثيرا بيوت هؤلاء النسوة. تتشابه جُدُر البيوتِ، وأبوابها المصنوعة من جذوع الأشجار، وزرائبها الملحقة بمؤخراتها، التى تسع (بالكاد) بعض الدواجن الطيارة، والبهيمة الوحيدة، مع كانون الطهو وفرن الخبيز البلدى. وبين كل الأبنية تفصل شوارع رفيعة، تؤدى غالبا إلى النهر، وقبل كل طلعة شمس، لابد لكل بيت أن يقذف بنسوته، وهن ممسكات بالسباطات العارية لكنس الشوارع، أويرجرجن أجسادهن، وهن يغسلن أشياءهن، فى ماء النهر المستكين، عقب رحيل رجالهن إلى الغيطان، مع بهائمهم القليلة وبعض الصغار.