الأحد 16 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أمير الصُحبجية ,,, زكريا إبراهيم: السمسمية.. مقاومة.. وبهجة.. وأمل

أمير الصُحبجية ,,, زكريا إبراهيم: السمسمية.. مقاومة.. وبهجة.. وأمل
أمير الصُحبجية ,,, زكريا إبراهيم: السمسمية.. مقاومة.. وبهجة.. وأمل


  «يا مسافر بورسعيد عند البلد الحزينة سلم علي  كل نسمة بترفرف عالمدينة، آه يا بلدى يا عزيزة فين نسمتك اللذيذة،  شوقى يوم عن يوم يزيد للغالية بورسعيد».
أجبرت الحرب أهالى مدن القناة أن يُهَجروا من بلادهم ومنازلهم تاركين جدراناً وأحلاماً وأهلاً، على أمل العودة بعد أعوام لا يعلمها إلا الله، غصة لا يعلمها إلا من عاشها.

 استقيت هذه المشاعر بشغف  من أبوين كانا من سكان مدينة بورسعيد، مرا بهذه التجربة، سمعت منهما عن مرارة الهجرة ونشوة العودة بعد النصر، ذكريات شكلتنى وشكلت روحى.. تعلقت  بالسمسمية وكلمات اغانيها ورقصاتها، تلك الأغانى التى تخطت المفهوم الشائع للأغنية، لتتحول إلى سلاح نفسى يتسلح به أهل خط القناة لمواجهة همومهم واشواقهم لبلدهم، ويدعمون به يقينهم بالنصر القادم..  اتخذوا من السمسمية وأغانيها آلية دفاعية لقتل اليأس وهزم مرارة الغُربة والنكسة، خطوات تلقائية مبهجة، موسيقى تحمل معها نفحات أمل وتعلق بالحياة، لسان حالها أن القادم أجمل لا محالة..  المقاومة سمة أهل بورسعيد ومدن القناة عموما فكما قاومت بورسعيد بالنضال في  56 و67و73 قاومت أيضا بالفن..  وكما تعلقت انا بذكريات سمعتها، ما بال من عاشها وكانت  كلمات تلك الأغنيات هى الجليس والأنيس له عن فراق البلد والأحباب، فوجد ابن السبعة عشر عاما الخلاص فى تلك الكلمات، وتلك الألة، لينضم زكريا إبراهيم إلى فرقة سمسمية، ويبدأ طريق تأسيس «فرقة الطنبورة »، أشهر فرق السمسمية فى مصر، ومن بعدها مؤسس مركز «المسطبة» الفلكلورى للحفاظ على هذا التراث البديع ونقله من جيل لأخر.
«الصُحبجى»
زكريا إبراهيم من مواليد بورسعيد عام 52، يحكى : بورسعيد هُجرت عام 69 وأنا سافرت مع أسرتى إلى السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، كانت تجربة صعبة لتفرق الأهل والأصدقاء واتجاه كل واحد منهم إلى محافظة، فى بيئة جديدة تماما.. وفى شوق إلى مدينتنا.. فكانت تجربة صعبة جدا.
 كان عمرى وقتها 17 عاما، وفى السنبلاوين وجدت فرقا للسمسمية، أسسها السوايسة والاسمعلاوية الذين تم تهجيرهم قبلنا بعامين فى 67، فكان وجود آلة السمسمية والتجمع الموجود حولها من مُهجرى بورسعيد ومنطقة القنال عموما كانت  بمثابة الخلاص بالنسبة لى، خاصة اذا كانت هناك اغانٍ مثل «يا مسافر بورسعيد عند البلد الحزينة سلم علي  كل نسمة بترفرف عالمدينة، وهات حفنة تراب واقطفلى كل غاب، آه يا بلدى يا عزيزة فين نسمتك اللذيذة، شوقى يوم عن يوم يزيد للغالية بورسعيد».
 هذه الأغنية كان لها دور مهم  جدا فى انجذابى للحالة، وفى نفس الوقت فهذه الفرقة لم تساهم  فقط فى تجميع المهجرين معا، بل ايضا كانت الجسر الذى يبنى العلاقة الاجتماعية بين المهجرين وبين السكان الأصليين، وكان يطلق على من ينضم للفرقة وقتها لقب «صحبجى هجرة» وهو من التحق بالفرقة  بعد التهجير وليس قبلها فى بورسعيد.
البمبوطية.. والسمسمية
استمررت فى هذه الفرقة لمدة عامين وكنت أحد نجومها، خاصة أنني قبل الهجرة كنت راقصا فى الأساس  فى فرقة بورسعيد للفنون الشعبية، ومع السمسمية كنت أرقص رقصة البمبوطية، ورقصة البمبوطية هى رقصة شعبية يعبر فيها كل راقص عن شعوره الشخصى  وبالتالى لاتوجد حركات ثابتة متفق عليها، لذلك كنت اقوم بالمزج  بين حركات السمسمية، وبين بعض الحركات التى كنت تعلمتها فى الفرقة فى بورسعيد  وبالإضافة إلى الغناء .. يكمل زكريا: اندمجت فى السمسمية فى السنبلاوين لمدة  من 67 حتى أوائل 71 ثم اتجهت الى القاهرة للدراسة فى المعهد العالى للتعاون الزراعى، والقاهرة فى عام 71 تعنى حركة الطلبة  والموجة الثورية والمطالبة بالحريات وتحرير سيناء  فانخرطت فى هذه الحركة وفى العمل السياسى  وكانت النتيجة أن يطغى العمل السياسى على حياتى فى هذه الفترة  وتساؤلات حول مستقبل الوطن ولاعتقالى أكثر من مرة كل هذا حتى عام 80 وبعد انتهائى من الخدمة العسكرية.
 من المقاومة إلى الانفتاح
اكتشف زكريا بعد عودته لبورسعيد ان تراث السمسمية ودوره الوطنى فى 65 وفى التهجير، وفى اكثر من حدث سياسى كأداة للمقاومة، تحول فى الثمانينيات إلى عمل تجارى بحت بعد الانفتاح، والمنطقة الحرة.
ومن هنا قررت أن أبدأ فى تجميع الناس الذين أحبوا السمسمية ولديهم شغف حقيقى تجاهها، وبعيد عن الاتجاه المادى التجارى الفج الذى انتشر ، فبدأت فى البحث عن الصُحبجية الحقيقيين الشغوفين، وكانت مهمة صعبة لأننى كنت «صحبجى هجرة» ولا أعلم الكثير عن الصُحبجية فى بورسعيد قبل التهجير، ثم بدأ البعض بالتعامل معى أننى أحلم بالعبث أو أننى رجل حالم بمشروع ثقافى لن يتحقق وقوبلت بسخرية أحيانا.
عشرون ساعة أغانى
 فى 23 ديسمبر عام  88 ، أسست الفرقة واسميتها فرقة بورسعيد للتراث الشعبى، وبدأت فى جمع قدامي  المهتمين بالسمسمية  وإقامة بروفات وجمعنا حوالى عشرين ساعة من الأغانى القديمة معتمدين على كبار السن الحافظين للأغانى القديمة وتسجيلها  لنحافظ على هذا التراث العظيم  وعلى جانب آخر شباب يرقص ويغنى ويحفظ هذه الأغانى .
 فى عام 94 كنت قد اتجهت لاستخدام آلة الطنبورة ذات الصوت الغليظ والتى يتم استخدامها فى الزار بجانب آلة السمسمية ذات الصوت الحاد لعمل توليفة جديدة وكانت أول مرة يشاهد الناس آلة الطنبورة على الملأ بعد ان كانت مقتصرة فقط على الزار،  فاستخدمناها على المسرح وسافرنا بها ومن هنا  جاءتنى فكرة  تسمية الفرقة «فرقة الطنبورة »
وفى خطوة كبيرة عام 96 سافرت بالفرقة إلى باريس لتقديم عروض هناك، اعتقد أن هذه الرحلة كانت نقطة تحول لى وللفرقة بعد محاربتنا  كثيرا من قبل أكثر من جهة. وسافرنا بعدها إلى دول كثيرة وتجولنا فى أوروبا كلها والصين وروسيا وكندا، وكذلك سفرى لتقديم المحاضرات فى الجامعات المختلفة حول العالم سواء فى السوربون وجامعات لندن واسبانيا.
الفن الشعبى له شروط
• هل الفن الفلكلورى مُضطهد فى مصر ؟
- هذا حقيقى جدا، فوزارة الثقافة تؤسس فرقاً للفنون التراثية وهنا يجب التنويه على الفرق بين الفنون الشعبية  والفنون التراثية، فالفرق التى تؤسسها وزارة الثقافة لا تقدم دورا مجتمعيا أو فاعليات ولكن يقتصر دورها على المشاركة فى مسابقات أو عروض  دون ارتباط مع الكتل الشعبية فى مناطق كل فرقة، وكذلك التبادل الثقافى كأن تمثل فرقة مصر فى مهرجان فى روسيا على سبيل المثال وهذا يأخذ شكلاً بيروقراطياً إلى حد كبير لاعتماده على اتفاقيات بين وزارتى الثقافة فى البلدين، كل هذا خارج نطاق السوق العالمية المعتمدة علي  حفلات خارج مصر وتذاكر وألبومات ودعاية وهذا هو ما أسعى إليه أنا لأن هذا ما يطمح للمنافسة ليضع الموسيقى الشعبية المصرية على الخريطة العالمية .
• ما التوصية التى تقدمها لوزارة الثقافة  للعمل عليها لكسر الإطار البيروقراطى المتعارف عليه ؟
- أنا أسست عدداً من الفرق فى مناطق مختلفة فى مصر، فهناك حوالى 11 فرقة تقدم عروضها فى مسرح الضمة،  وجزء منها يسافر خارج مصر مثل فرقة الرانجو وفرقة نوبة نور وفرقة الجركن البدوية، فعلى المستوى الدولى استطعت الوصول بهذه الفرق إلى مهرجانات كبيرة بفكر مختلف عن فكر وزارة الثقافة، أنا أنتج ألبومات للفرق وأتواصل مع الجرائد الشهيرة للتسويق للفرق وأتواصل مع المهرجانات الكبيرة  وأنتجت حوالى 14 ألبوما، ولكن هناك نوع من التعتيم  تجاهنا، المشكلة فى السيستم نفسه .
• و ما سبب عدم تسليط الضوء على هذا النوع من الفنون رغم الاحتفاء به فى دول العالم كلها ؟
- هناك نظرة تعالٍ تجاه الموسيقى الشعبية باعتبارها  شيئاً متدنيا  وهذا على المستوى الرسمى سواء من حيث وضع الفنان الشعبى فى  هرم وزارة الثقافة فهو فى  قاعدة الهرم فى حين  هو عالميا بطل لغلاف مجلة معروفة .
• كيف أثرت الأحداث السياسية على أغانى السمسمية خاصة إذا تحدثنا عن النكسة ومرحلة الحرب ثم انتصارات أكتوبر ؟
- السمسمية فى 56 لعبت دوراً كبيراً جدا فى إلهاب المشاعر والبلد كان  فى حالة حرب والسمسمية تغنى للمقاومة..  «فى بورسعيد الوطنية شباب مقاومة شعبية، دفعوا بشهامة ورجولية وحاربوا جيش الاحتلال  مبروك يا جمال، ايدن وبنجوريون وموليه جايين يحاربونا على إيه، هو الكنال ده ف أراضيهم  ولا احنا خدنا منيهم ودى قنبلة وضربت فيهم  وال ضربها رئيسنا جمال، مبروك يا جمال.. أما بالنسبة للتهجير فهناك أغنية يا مسافر بورسعيد، وغيرها من أغانٍ أخرى، ثم أغانى نصر 73  كتب بعضها فى بورسعيد محمد مصيلحى والكابتن غزالى فى السويس :
غنى يا سمسمية لرصاص البندقية ولكل ايد قوية حاضنة  زنودها المدافع غنى للمدافع وال وراها بيدافع  ووصى عبد الشافع  يضرب من الطلقة مية غنى يا سمسمية، غنى للجنود سمير وعلى ومسعود وغباشى لاجل يعود معاه النصر هدية..  وهذه للكابتن غزالي فى السويس  ثم بعد 73 حدث الانفتاح الاقتصادى وكامب ديفيد ثم انطفأ وهج الأغانى الوطنية ولم يعد ينظر للأغنية أن لها دوراً سياسياً واجتماعياً فى الأساس.. أغنية كتبتها بمناسبة مرور خمسين سنة على تأميم قناة السويس :
زى النهاردة من خمسين سنة اممنا كنالنا ودا أعظم أنا، قالها جمال فى المنشية المياه دية مصرية وقال لشعوب الدنيا قومواً اتحرروا، حفر الكنال ياما خد رجال من أجدادنا وأهالينا، والصبر طال على الاحتلال وخير بلادنا مش لينا، الغرب قال ده شئ محال صعبة عليكوا الإدارة، والشعب قال قومة تمام المرشدين والبحارة، على بورسعيد بدأ الهجوم  تلات دول على مدينة بكفاح عنيد وبطوب وشوم كسرنا شوكة أعادينا.•