«عبدالحليم» و «عبدالرحيم» ومصر الجديدة
مي منصور
مهما طال الليل لابد له من نهاية، ولابد للشمس أن تعرف طريقا نحو الشروق رغم أنف الظلام.. كان دائماً ما يردد الشاعر عبدالرحيم منصور عبارات بمثل هذا المعنى بعد نكسة 1967، لم يكتئب ولم يفقد الأمل لحظة فى نصر مصرنا الحبيبة، عمل جاهداً بكل ما فى وسعه واعتبر أن الكلمة بالضبط كسلاح الجندى الذى يستخدمه لمواجهة العدو الصهيونى الغاصب.
قام «منصور» بكتابة أكثر من 250 أغنية وطنية وتم تلحينها وغناؤها فى الفترة من حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر العظيم، وكان من نصيب المطرب عبدالحليم حافظ أغنيتان وهما «قومى يا مصر، و«مصر يا بلدى» المعروفتان والمسجلتان فى جمعية المؤلفين والملحنين، ربما هناك أكثر غير متعارف عليه»، ولكن نظراً لزخم الأعمال الفنية وقتها قد لا يعرف الكثير عنهما، ولكنهما من أجمل ما قُدم فى هذه الفترة.
اهتم «منصور» برفع الروح المعنوية للشعب والجنود بكلماته الحماسية التى كتبها فى تلك الفترة، وبالطبع ألحان الموسيقار بليغ حمدى وغيره من كبار الملحنين الذين شاركوا «منصور» تلحين أعماله وأصوات كبار مطربى مصر والوطن العربى..على الرغم من قلة الأعمال الفنية التى تربط بين «منصور» و«حليم» فإنهما كانت تربطهما علاقات أخرى أكثر وداً وحباً وإنسانية.
كان «منصور» من أعز أصدقاء «عبدالحليم حافظ» ودائما عندما كان يشتاق حليم لحبيبته التى كانت تسكن بمصر الجديدة كان يصطحب معه فقط عبدالرحيم منصور.
وفى يوم من الأيام كان يجلس «منصور» على مقهى ريش وبصحبته الكاتب الروائى الكبير «عبده جبير»، حيث روى «جبير» قائلاً:
«اللحظات التى لا تنسى تلك التى كنت أجلس فيها مع «عبدالرحيم منصور» على مقهى ريش حين كان الجزء الأمامى من المقهى مفتوحا على الشارع، وفجأة وقفت عربة فخمة وضخمة للغاية، حيث أشار أحدهم إلى «عبدالرحيم منصور» الذى قال «دا عبدالحليم حافظ.. استنى هشوفه عايز إيه وأجيلك يا عبده».. وبعد بضع ثوان عاد إليّ وقال لى «تعالى معانا يا عبده»، ركبت العربة، حيث كان عبدالحليم، وكانت المرة الأولى التى أراه فيها شخصياً، انطلقنا بالسيارة حيث وجدنا أنفسنا فى الطريق إلى مصر الجديدة وراح عبدالحليم يلف ويدور بعربته حول مجموعة من الفلل الفخمة جدا عدة مرات ولا أعرف بالضبط ماذا كان يفعل، وفى تلك الأثناء كان يتحدث «منصور» و«حليم» حول الأغانى والألحان وأى أغنية أنجح من الأخرى، ولكن كان يغلف الحوار نوع من الحميمية غير المعتادة بين البشر، فـ«منصور» كان شخصاً شديد الود والإنسانية كان يفهم جيداً ما يفعل «حليم»، ولكنه لم يضجر ولم يقل له كفانا لف ودوران حول ذلك المكان.
عدنا بعربة «حليم» إلى ميدان التحرير حيث نزلنا أنا و«منصور» بعدما تصافحنا على وعد باللقاء، وما كان لى إلا أن سألت «منصور» سريعاً ماذا كنا نفعل ولماذا هذا المكان بالذات؟ فقال لى «دا يا سيدى بيت حبيبته التى كانت نهر العشق وما زالت عرفت بقى يا عبده».
كان يفعل هذا بين الحين والآخر كلما اشتاق إليها علّه يلمحها فى الشرفة فيرتوى شوقه منها ولو قليلا».•



