صحافة ليست للنشر!
منير مطاوع
ما بين «جلال الحمامصى» و«حسنين هيكل»
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
هل يمكن أن تكون فى الصحافة أخبار ليست للنشر؟!
بعض الأسئلة ليس الغرض من طرحها الحصول على إجابة.. فهى نوع من وسائل التعبير عن الاستنكار.. فنشر الأخبار هو أهم وظائف الصحافة، لكننى وجيلى من الصحفيين، عشنا فترة كانت الأخبار التى نقوم بالحصول عليها ويجمعها زملاؤنا فى «الأهرام» نوعان: أخبار للنشر فى الجريدة، وأخبار يطلقون عليها فى «أهرام هيكل» وصف «أخبار للعلم» لا تنشر!

كان هذا فى عهد ثورة 23 يوليو فى النصف الثانى من الخمسينيات وحتى مطلع السبعينيات..
وبسبب اطلاعى من مصادر مختلفة وحكايات وذكريات من تاريخ صحافتنا، ورسائل وكتابات روادها، علمت بأن مسألة «أخبار ليست للنشر» كانت قائمة فى زمن ما قبل الثورة..
وهناك طبعا فارق شاسع فى الحالين، سنكتشفه لدى تعرُّفنا على تفاصيل ما جرى فى كلا الزمنين..
من حكايات الزمن القديم قبل ثورة 52 بسنوات ما حكاه أحد أهم رواد الصحافة المصرية الحديثة وأشجعهم إحسان عبدالقدوس فى أكثر من مناسبة، وهو أنه منذ أغسطس 1945 كان يتولى رئاسة تحرير مجلة «روزاليوسف».. وفى الوقت نفسه كان رئيسًا لقسم الأخبار فى جريدة يومية مسائية هى «الزمان» لصاحبها إدجار جلاد باشا.. الذى كان من رجالات القصر الملكى ويكلفه الملك فاروق ببعض المهام وهو من كبار أصحاب المال والصحف، فلديه جريدة أخرى تصدر باللغة الفرنسية هى «جورنال ديجبت» التى سبق لإحسان أن عمل فيها أيضًا..
وبحكم اتصال إحسان وتواصله مع الشخصيات والحركات الوطنية كانت هناك أخبار كثيرة، ولندعه يروى ما حدث:
لقد كنت على علاقة طيبة بإدجار جلاد سببها اقترابى من الشخصيات الصحفية الكبيرة الموجودة فى الساحة للاستفادة من خبرتهم والتعلم منهم.
عند إصداره جريدة «الزمان» رشحت له جلال الدين الحمامصى رئيسًا للتحرير.. وكنت ألتقى فى الصباح بإدجار جلاد وعندما يسألنى عن الأخبار أروى له عشرات منها بالغة الأهمية ويتصل كثير منها بالحركة الوطنية، وكان الرجل يبدى اهتمامه بها ثم عندما أكتبها لا تنشر فى الجريدة!..وأعرف أنه هو الذى منع نشرها، أى أنه كان يسعى لمعرفة الأخبار لعلمه هو فقط أو هذا ما استنتجته، لينقلها إلى دوائر أخرى.. للحكومة أو السراى وربما لجهات أخرى!
هنا قدمت له احتجاجى لكنه استمر على موقفه ثم حدث خلاف فى العمل مع رئيس التحرير وخلاف فى العلاقة التى تربط ثلاثتنا..فالأخبار التى أقدمها لجلاد صارت تستهدف ما لم أقصده بل أكرهه فقدّمت استقالتى سنة 1949 بعد سنتين من العمل فى «الزمان».
ويروى إحسان انه عندما أورد خبرا عن تحركات وطنية ضد الاستعمار الإنجليزى فوجئ بأن جلاد باشا يمنع نشره ويناقشه طالبًا عدم التعرّض للإنجليز!

وفى رسالة استقالته قال إحسان عبدالقدوس لإدجار جلاد:
وقد كنت دائمًا أفهم سياسة «الزمان» وأقدّر الدوافع لديها ومصلحة صاحب الجريدة فيها، ولكنى لم أستطع أن أفهم ولا أن أقدّر أن من الممكن التضحية بحرية الرأى إلى هذا الحد فى سبيل إرضاء الإنجليز تارة، وإرضاء الحكومات تارة أخرى.
وكان إحسان قد حصل على مقال لأحد الشخصيات الوطنية هو عبدالحميد عبدالحق ندد فيه بالاستعمار البريطانى لمصر ودعا إلى الجلاء وتحرير الوطن منه، ففوجئ بأن جلاد باشا منع نشر المقال!
أخبار هيكل
ومن حكايات إحسان علمت أن ظاهرة «أخبار ليست للنشر» كانت قائمة فى زمن الاستعمار والملك والأحزاب الموالية لهما وأصحاب الصحف الذين يخدمونهم..
فماذا عن وجود هذه الظاهرة بعد الثورة؟.. أستطيع أن أقول إنها تكرّرت فعلا.. وكانت هناك « أخبار ليست للنشر» لكنها هذه المرة لم تكن لخدمة أعداء الوطن من المستعمرين الإنجليز والملك والأحزاب الموالية لهما.. كانت عملية ذات هدف وطنى وإن كانت غير لائقة صحفيًا.
والحكاية لم يكن لى أو لغيرى أن يطلع عليها فهى كانت عملية محاطة بالسرية حيث كلّف محمد حسنين هيكل كل الصحفيين العاملين فى «الأهرام» بالقيام بها كعمل وطنى، ووفر لكل منهم، على كثرتهم، سيارات «نصر» جديدة لمساعدتهم فى القيام بهذه المهمة بسرعة.. فكانت تتجمع لديه فى كل يوم أكبر كمية من المعلومات والأخبار والأسرار التى يقوم فى الثامنة من صباح كل يوم بنقلها إلى الرئيس جمال عبدالناصر خلال المكالمة التليفونية اليومية بينهما..
وكما نعلم فإن هيكل نجح فى الحصول على ثقة عبدالناصر وفاز فى ذلك على عدد من منافسيه وفى مقدمتهم مصطفى وعلى أمين اللذان كانا ينظران إلى الرئيس زعيم الثورة كمصدر للأخبار.. بينما تنبه هيكل إلى أن الرئيس، فى الواقع، يحتاج إلى إبلاغه بكل الأخبار.

وهذا هو الدور الذى لعبته «أهرام هيكل».. وهو دور عرّض بقية الصحف والمؤسسات الصحفية الأخرى بما فيها التى أنشأتها الثورة، للانحدار والتدهور.
وكان أصدقائى فى «الأهرام» يطلعوننى على ما يتمتعون به من مزايا، كما عرفت منهم حكاية الأخبار التى يجمعونها «للعلم» وليس للنشر!
وفى الأسبوع المقبل نواصل



