كيف تعافت أميرة «ديزنى» من صدماتها ؟!
هايدى فاروق
«رابونزل لا تجيد تصفيف شعرها» حيث الألم قدر إنسانى.. والحكى باب الشفاء!
من الوهلة الأولى تبدو مجموعة «رابونزل لا تجيد تصفيف شعرها» للقاصة والروائية دينا الحمامى عملًا لافتًا، بدءًا من عنوانها الذى يستدعى شخصية رابونزل، وهى شخصية خيالية شهيرة من التراث الشعبى الألمانى، أعاد تدوينها الأخوان جريم، ونُشرت لأول مرة عام 1812. كما أنها إحدى أشهر أميرات ديزنى؛ تلك الفتاة التى بدت فرادتها يومًا أداةً لتحررها عندما استخدمت هبتها الربانية فى كسر قيود الوصاية.
فهل تعافت رابونزل تمامًا؟ وهل تناست الاستغلال والقمع والعزلة والحبس؟
يبدو أن القاصة دينا الحمامى لها رأى آخر، يتجلى فى هذا العنوان الذى يفتح أبوابًا واسعة للتأويل، وفضاءً متسعًا من الحكى عن الصدمات الأولى، والتعافى منها، وكيف تغدو أحلام الطفولة المبتورة عبئًا نفسيًا وخوفًا متجذرًا يصعب تجاوزه.
فى المفتتح تهدى الحمامى مجموعتها إلى أولئك الذين فقدوا أرواحهم ويعيشون على ذمة موتٍ مؤجل، وهى إهداءة تكشف منذ البداية عن المناخ العام الذى تتحرك فيه القصص، حيث يحضر الألم بوصفه قدرًا إنسانيًا ملازمًا للشخصيات.
وتضم المجموعة عشر قصص، اختارت الكاتبة لكل منها عناوين غير تقليدية وذات دلالات لافتة، مثل: «طائر كناريا يهبط على صدرى»، و«أربع زيارات ولا حاجة إلى خامسة»، و«عين واحدة لا تكفى»، و«محقن من العسل فى مؤخرة العالم». ومن خلال هذه القصص تنجح الحمامى فى التعبير عن الجسد، لا بوصفه كيانًا ماديًا فحسب، بل باعتباره ساحة للألم والمرض والإغواء معًا.
فعندما اختارت الكاتبة الألم، لم تختره صدفة، بل جاء بوصفه اللبنة الأولى للمعاناة الإنسانية؛ فالمجموعة مثقلة بالأمراض العضوية والنفسية على حد سواء، وأبطالها يقفون على الحافة الفاصلة بين الحياة والموت، فى منطقة برزخية موحشة؛ إذ لا يزال أصحابها يتنفسون، لكن أنفاسهم مشبعة برائحة الدواء والمسكنات، وحلوقهم تعانى مرارة الدواء، فيما يثقل حضورهم بظلال الموت.
تتكرر فى القصص صور طاولات الغُسل، وجلسات العلاج الكيماوى، واصفرار العيون، وشحوب الوجوه، واعتلال الكبد والكلى، إلى جانب المتلازمات النفسية وأشكال الإيذاء البدنى المختلفة.
ومع ذلك لا تنطفئ شهوة الحياة بسهولة، حتى فى أكثر اللحظات قتامة.
نساء دينا الحمامى مقاتلات فى أحلك الظروف؛ تسرى فى عروقهن المواد الحارقة والأدوية الثقيلة، لكن الرغبة لا تغادرهن، والشوق لا يفارقهن، وتظل الشهوة متقدة بوصفها امتدادًا عميقًا للحياة ذاتها. إنها الحرب الصامتة التى تخوضها النساء بعيدًا عن الأعين.
تعانى شخصيات الحمامى النسائية الفقد والخيانة والغدر والجهل، كما حُرمت الكثير منهن من حنان الأب وسند الزوج. وفى المقابل، تبدو بعض الأمكنة البعيدة أكثر دفئًا وإنسانية من أوطانٍ يفترض أنها موطن الشمس والحضارة، لكنها تتداعى تحت وطأة الأنانية والطمع.
توقفتُ مليًّا عند قصة بعنوان «كما يليق ببراد شاى»، التى أراها من أكثر قصص المجموعة تميزًا. يتخذ السرد فيها من براد الشاى راويًا للأحداث، وهو اختيار ذكى يمنح النص فرادته. فالبراد، الذى لم يعد فى حياتنا اليومية سوى قطعة هامشية مهملة، يتحول إلى عين تراقب العالم من مكانها الثابت.
ومن خلال هذا الراوى غير التقليدى ترصد الكاتبة تحولات اجتماعية وإنسانية عديدة؛ فالشقة المقابلة لصرح طبى متخصص تستقبل عائلة أفريقية وأخرى لبنانية، حيث يُختبر الألم والفقد على أجساد النساء. ويتحول البراد تدريجيًا من أداة مهملة إلى وسيط للألم واللذة معًا.. قبل أن تأتى النهاية المفاجئة حين يجد نفسه حاضرًا على طاولة الغسل.
كما تتخذ العيون موقع الراوى فى قصة «عين واحدة لا تكفى»، وهو ما يعكس ميل الكاتبة إلى توظيف زوايا سردية غير مألوفة تمنح النصوص خصوصيتها. فى إطار كتابة تجريبية لا تتخلى عن الحكاية بل تسبر أغوارها وتمتع القارئ.

وتوظف الحمامى بعض المفردات والتعبيرات الدارجة توظيفًا دلاليًا يعطى النصح حيوية، ففى قصة «بالله عليكِ لتبتعدى» تصف البطلة نفسها قائلة: «كنت مراهقة بجسد امرأة شديدة النضوج وعقل عصافيرى»، وهى عبارة تكشف بوضوح حالة التناقض بين النضج الجسدى وضحالة الخبرة الحياتية، وكذلك تدمج الكاتبة الحوار العامى داخل النسيج السردى بطريقة تمنح الشخصيات ديناميكية.
وفى قصة أخرى يأتى على لسان بطلة مريضة بالسرطان وصفها لمحاولات الطبيب علاجها بقولها: «أخبرنى الطبيب أنه سيلاعبنى كل الألعاب».
ثم تتابع موضحة أن العلاج الكيماوى والعلاج الإشعاعى واحتمال زراعة النخاع والخلايا الجذعية كانت «ألعابه المفضلة مع مرضاه».
أما قصة «روح ما بعدها روح» فتنقل القارئ إلى نوع آخر من المعاناة؛ معاناة المرض النفسى وآثاره على الأسرة بأكملها. تصبح الأم عبئًا على من حولها بسبب خوفها المرضى على ابنتها، بعد أن فقدت سبعة أبناء ذكور خلال عامين من الولادة.
هنا تتجسد اللعنة التى تخيم على البيت كله، ويبرز دور الأب بوصفه حاملًا لمشعل الأمان؛ صامتًا، حنونًا، يؤدى دوره فى تراجيديا إنسانية تقترب فى مأساتها من التراجيديات الإغريقية.
ومن ثم يتضح أن الحمامى لم تنشغل بالألم النسائى وحده، بل اتسع اهتمامها ليشمل الألم الإنسانى بأبعاده المختلفة.
وفى القصة التى تحمل المجموعة عنوانها، تكشف الحمامى عن متلازمة رابونزل، وهى اضطراب نفسى يدفع المصاب إلى شد الشعر وابتلاعه.
تقول الساردة :
«أنا ابنة شرعية للألم! لم يفلتنى يومًا. حفظنى فى كنفه، وأسقانى من عصارته حتى أنبتنى صبارة مكتملة النماء تحفظ له الجميل، وترد له الوجيعة بالصبر الجميل».
وعلى غلاف المجموعة الصادرة عن دار ريشة للنشر، تتصدر كلمات للروائى محمد إسماعيل يشير فيها إلى أن دينا الحمامى «فاضت من أثر العابرين» لتستكشف وجوهًا أخرى للمرض، فتنتزع المرض من عرشه بوصفه رمزًا للألم الخالص، وتجعله رفيقًا للحياة اليومية، يجالس الناس على الموائد ويصاحبهم إلى الأفراح.
ويضيف أن القصص كُتبت بلغة رفيعة عن النجاة والسخرية السوداء، لأناس وأشياء عزفوا من آلامهم ألحانًا راقصوا بها الموت، حتى اختاروا مصائرهم بأيديهم.
أما الغلاف، الذى جاء بريشة الفنانة حورية الجمل، فهو عمل بصرى ممتع يجسد الهشاشة والضعف الإنساني.
وتبدو الأسلاك الشائكة فى الخلفية وقد حلقت فوقها الطيور نحو فضاء أرحب، فى إشارة مكثفة إلى جدلية الألم والنجاة التى تشكل جوهر هذه المجموعة القصصية.



