وليد طوغان
مقر حماية الدولة
دولة تحميها قدرة السلاح.. ورغبات السلام
ليس من رأى كمن سمع.. ولا كمن تابع على الشاشات.
افتتاح هائل ضخم.. يليق بالمكان والمكانة والأهداف والرسائل.
زى رئيس الدولة المصرية فى حفل الافتتاح له أكثر من دلالة.. بأكثر من إشارة.
الإشارات واضحة.. والرسائل ممهورة بعلم الوصول.
افتتح قائد مصر.. مركز حماية مصر.
القيادة الاستراتيجية.. يعنى المعنى فى المسمى.
والهدف تمكين الدولة من حماية نفسها، وإدارة أزماتها، مهما كانت الأزمات، وسط تحديات لا تنتهى، وخطوب تتحرك، وتتعالى، وتتنامى فى عصر التغيرات السريعة.. والتحولات الكبرى.
كان القرار الأول بعد 2011، تحصين وجود الدولة المصرية ودعم قدراتها.. وضمان حقها فى السيطرة على التراب.
القرار كان ضمان الهيمنة على الحدود، إلى جانب منظومات متكاملة لتحسين جودة الحياة، وإعادة تأسيس البنى التحتية.. وإجراءات عدة على مستويات أخرى.. فى عهد جديد وجمهورية جديدة.
الافتتاح التاريخى لمقر قيادة الدولة الاستراتيجى هو تدشين لبداية مرحلة جديدة، استحكمت فيها قدرة الدولة وسطوتها، واكتملت إمكانياتها الضامنة لاستمرار منظومة الأمن مع الاستقرار.. والتنمية.

لا تنمية ممكنة.. بلا أمن كامل متكامل.
ولا استقرار حقيقيًا دون قدرة فاعلة على مجابهة الظروف بقوة وحكمة.
لا تسعى الدول الحديثة لضمان قدرة القوة العسكرية وحدها.
إنما يترامى مفهوم الدولة القادرة فى عصور التكنولوجيا على مساحات واسعة، تضاف فيها إلى جانب القدرة العسكرية، القدرة على الإدارة الكاملة لكافة المؤسسات وصولًا للقرار السليم فى توقيت مناسب بالقدر المكافئ للحدث بما يليه أو ينتج عنه من أبعاد وتداعيات.
يضمن مقر القيادة الاستراتيجية كل ما سبق.
وفى مقدمة رسائل الافتتاح، رسالة جامعة مانعة بأن هذه الدولة قادرة على حماية قدراتها بقوة السلاح وأعلى قدر من الكفاءة القتالية.. جنبًا إلى جنب مع رغبات جامحة فى السلام.. فإذا جنحوا له.. جنحنا.
-1-
التوجيهات الرئاسية فيما يتعلق بالإعلام والاقتصاد والاجتماع والسياسة، إشارة واضحة إلى أن مقر القيادة الاستراتيجية ليس مقتصرًا على إدارة العمليات العسكرية، بقدر ما سوف يشكل مركزًا عامًا لإدارة مختلف الملفات، برؤية شاملة للتعامل مع كل التحديات الوطنية على مختلف الأصعدة.
جدد قائد الدولة المصرية التأكيد على الثوابت والاتجاهات السائرة فيها دولة بحجم مصر.. بقدرة مصر.. وثقل مصر دوليًا وعالميًا.
تنوعت الرسائل بين مفردات الردع ورغبات السلام، والتأكيد على استمرار سياسات التنمية.
لماذا اعتبر الخبراء افتتاح «الأوكتاجون» نقلة نوعية وتاريخية فى «فقه الدولة المصرية»؟
الأسباب متعددة أبرزها الانتقال من المركزية التقليدية فى الإدارة إلى مرحلة متقدمة من الفكر المؤسسى المتكامل.
مركز القيادة الاستراتيجى ليس فقط مقرات جديدة لمؤسسات الدفاع عن الأرض، لكن منظومة وطنية لحماية الأمن القومى الذى تتداخل عناصر معادلاته ما بين سياسة واقتصاد واجتماع.. وقدرة جيش.
«الأوكتاجون» صرح ضخم غير مسبوق الفاعلية، يمنح الدولة قدرات فوق العادية لرصد التحديات، وتحليلها ومواجهتها والتعامل معها فى التوقيت المناسب بالقرار السليم.
يمنح «الأوكتاجون» الدولة أيضًا قدرات فوق اعتيادية لرصد التحديات قبل حدوثها، واستباق السيناريوهات، ببدايات مبكرة فى مواجهة التهديدات. قال عبدالفتاح السيسى إن أهل الشر لن يتوقفوا.
هذا صحيح؛ لكن مصر قادرة على مواجهة إرهاب، ليس وحده قضية الدولة المصرية.
تواجه الدولة فى إقليم متزايد الصراعات والطموحات والأهواء معارك مختلفة ألوانها.
فى الحروب الحديثة، تشكل التكنولوجيا وضمانات أمنها عاملًا أساسيًا من سبل الصراعات وتلعب أيضًا الدور المحورى فى القدرة على حسمها.
ومن مقر القيادة الاستراتيجية دشنت مصر مرحلة جديدة من التحول الرقمى والحوكمة الذكية فى شئون الدفاع كما فى شئون تغيير جودة حياة المواطن. ضف إلى ذلك ملاحظة على قدرها من الأهمية.
فى تصميم الأوكتاجون ثمانى الأضلاع.. بدا جليًا، فى الخلفية، الدمج الواضح بين موروثات العمارة الإسلامية.. مع أساليب العمارة الحديثة . هى إشارة ضمن إشارات إلى عمق التاريخ.. وعبقرية الجغرافيا.

-2-
تطور التفكير الاستراتيجى على مراحل مختلفة عبر التاريخ الإنسانى.. حتى ظهر مصطلح القيادة الاستراتيجية بنظريات مستحدثة.
الخمسون عامًا الماضية.. تسابقت الدول الحديثة الكبرى، فى إدخال التحديثات على المصطلح، ودُشِّنت فيه الدراسات، لتتحول أساليب الدولة فى حماية أمنها القومى من خلال مصطلح الاستراتيجية بأبعاده المختلفة واحدًا من أهم وأعلى أسرار المؤسسات.
مع تقدم النظريات فى علوم الاستراتيجيات، تباينت إمكانيات الدول فى الوصول إلى تقديرات مثالية وقرارات سريعة فى مواجهة أعلى درجات التهديد.
مصطلح الاستراتيجية منحوت من كلمة «استراتيجوس» اليونانية، وكان يعنى فى بداية التعارف على المصطلح «فن الحرب وإدارة المعارك».
يستهدف الفكر الاستراتيجى ببساطة، قدرة الدولة بتكامل مؤسساتها على تحليل الفرص والتهديدات سواء فى الحرب أو فى السلم.
بعد التحديث استهدف المصطلح إدارة التنمية، بطرق مبتكرة، تمامًا كما استهدف تدابير الدفاع بأساليب شديدة التعقيد، تبدأ بوضع استراتيجيات مبتكرة وفعالة.
ويعمل التفكير الاستراتيجى كمنظومة على الاستعانة بكل مصادر المعلومات، لتدخل دوائر التحليل والتأكد قبل إدارة تلك المعلومات.. وصولًا لأفضل القرارات.
مرت نظريات التفكير الاستراتيجى بأربع محطات تاريخية.
تركز المصطلح فى بداياته على تحليل العدو، وتوزيع الموارد العسكرية، والعمل على استهداف الخصم بخداعه وصولًا إلى النصر بأقل الخسائر.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ القادة فى الدول الكبرى يدركون إمكانية تطبيق الاستراتيجيات فى بيئة الأعمال المختلفة، لتمكين الدولة من إدارة مواردها فى مواجهة منافسات السياسة والاقتصاد والاجتماع.. الشديدة والمتغيرة.
هنا تحول المفهوم من قصره على إنزال الهزيمة الكبرى بالأعداء، إلى استخدام آلياته فى إحداث قيمة تنافسية للدولة ورفع كفاءتها بالكامل ورسم خطط مستقبلية مناسبة فى السياسة وفى الاقتصاد إلى جانب قدرات فائقة فى الدفاع.
ستينيات القرن الماضى كانت مرحلة مفصلية انتقل بها المصطلح من الفقه العسكرى.. ليشمل فقه إدارة الدولة كلها.
وفى السبعينيات، انفصل مفهوم «القيادة الاستراتيجية» من مفهوم الإدارة التقليدية ليصبح منظومة شاملة ترتكز على التنبؤ بالمستقبل، وصياغة رؤى شاملة للدول بدلًا من مجرد متابعة عملياتها اليومية.
بدأت الدراسات من الولايات المتحدة، وتصارعت أمريكا مع روسيا فترة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتى، وبعد انهياره على ابتكار أفضل أنماط الاستراتيجيات.. إلى أن لحقت دول أخرى.. بأرض المعركة المستمرة للآن.
الاستراتيجيات هى خطط طويلة الأجل.. توجب عليها الظروف كثيرًا من الأحيان «تكتيكات» بقرارات آنية.. وفق المقتضى والظرف.
وتختلف الاستراتيجية عن الإدارة الاعتيادية.
ففى حين تهتم الإدارة العادية بقطاع وحيد أو عدة قطاعات مجتمعة فى واحد من أساليب الإدارة البسيطة، تستهدف الإدارة الاستراتيجية الأفراد فى الدول من الداخل، وكل المؤسسات، كما تستهدف التكامل التطبيقى، واضعة فى الاعتبار الأنواء الخارجية فى إطار التطورات الإقليمية، والتداعيات الدولية والعالمية.
تهدف الإدارة الاستراتيجية على نطاق مركب، استشراف الأحداث قبل وقوعها، وتعمل على تخزين القرارات انتظارًا لما قد يحدث من تغيرات.
تتداول الإدارة الاستراتيجية المعلومات الكاملة بين المؤسسات الصلبة متكاملة، فى بيئة محكمة آمنة.. وعصية على الاختراق.
تتنقل الدولة المصرية بسرعة فى خطوات واثقة وسريعة.. بمزيد من القدرة على حماية المقدرات.. وبمزيد من الخطوات نحو التنمية والبناء.
افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية.. دلالة على نهضة متكاملة.. بالقدرة واليد الممدودة بالسلام.
لم يعد فى مقدور أحد تهديد الدولة المصرية.. لأن أحدًا لن يستطيع ذلك.
أكد قائد الدولة المصرية من الكيان العسكرى على هذا.
والرسالة وحدها.. تكفى.



