الأربعاء 8 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

خطايا الأفروسنتريك الحلقة: 1

لصوص الحضارة

​تجمع المؤسسات العلمية الكبرى فى أمريكا وأوروبا على تصنيف الأفروسنتريك كحركة «تاريخ زائف» (Pseudohistory) و«علم زائف» (Pseudoscience). كما جاء فى كتاب «ليس من إفريقيا» (Not Out of Africa) للمؤرخة وعالمة الكلاسيكيات الأمريكية البارزة مارى ليفكويتز والذى يعتبر حجر الأساس فى الرد الغربى على الحركة والتى اتهمت فيه الأفروسنتريك بتحويل التعليم إلى «أداة علاج نفسى سياسي» لرفع الروح المعنوية لفئة معينة على حساب الحقيقة العلمية، ووصفته بأنه «بديل للأساطير مكان التاريخ الموثق».



 

وعندما أصدر المؤرخ البريطانى مارتن برنال كتابه «أثينا السوداء» (الذى تبنته الحركة لإثبات أن الحضارة اليونانية مسروقة من إفريقيا)، واجه هجومًا شرسًا من مجتمع المؤرخين فى جامعة كامبريدج والمؤسسات الأمريكية، صدرت مجلدات علمية كاملة مثل (Black Athena Revisited) تتهمه بتزييف الحقائق اللغوية والأثرية لأغراض أيديولوجية.

وسخر الإعلام الغربى من محاولات «سرقة الحضارة المصرية» حيث نشرت وسائل إعلام أمريكية وبريطانية كبرى مثل (Wall Street Journal) و(The Times) مقالات رأى تنتقد بشدة محاولات الحركة المستمرةلـ«سلب الهوية الثقافية للمصريين المعاصرين»، ووصفتهم بالانتقائية الفجة والافتراء على الجينات والتاريخ الموثق علميًا.

وواجه قادة ومؤسسو حركة الأفروسنتريك اتهامات وفضائح كبرى، فشخص مثل ليونارد جيفريز لاحقته «فضيحة معاداة السامية والعنصرية» حيث يعتبر من أخطر وأبرز رموز الحركة فى أمريكا (كان رئيسًا لقسم الدراسات السوداء فى كلية مدينة نيويورك).

 

 

 

 

وقصته كانت فضيحة فى التسعينيات من القرن الماضى، حيث ألقى خطابات علنية اتهم فيها «اليهود والمافيا» بالتآمر لتدمير السود فى السينما، وقسم البشر إلى «شعب الشمس» (الأفارقة اللامعون والمسالمون) و«شعب الثلج» (الأوروبيون القساة والمجردون من الإنسانية).

وكانت النتيجة أنه واجه إدانة رسمية من الحاكم والمشرعين فى نيويورك، ووصفته الصحافة الأمريكية بـ «العنصرى ومروج الكراهية»، وتم عزله من منصبه الأكاديمى بعد معارك قضائية طويلة، ليصبح رمزًا للفاشية العرقية داخل الحركة.

 

أما ​ميرفن ديموند فهو ​سياسى أمريكى من أصل إفريقى تبنى ودعم المناهج الأفروسنتريكية فى مدارس كاليفورنيا لاحقته الفضائح فى التحقيقات الفيدرالية (FBI) لسنوات بتهم تتعلق باستغلال النفوذ، وتلقى أموال مشبوهة، وتوجيه منح تعليمية لجهات تروج لأفكار عرقية متطرفة، ما جعل الدعم السياسى للحركة مرتبطًا بشبهات الفساد المالي.

 

فى حين يتهم ​البروفيسور كليفلاند هامر بالسرقة الأدبية وهو أحد الأكاديميين الذين حاولوا إدخال «العلوم الأفروسنتريكية» للمناهج. حيث تعرض لفضائح أكاديمية بعد ثبوت سرقته لمقالات علمية وتزوير مراجع تاريخية من حضارات أخرى ونسبها لإفريقيا، ما دفع جامعات أمريكية لمراجعة وتجميد بعض مساقات «الدراسات الإفريقية المركزية» لافتقارها للأمانة العلمية.

 «العنصرية المضادة»

​ينظر الخطاب السياسى والإعلامى الغربى (خاصة المحافظ والليبرالى المعتدل) إلى الأفروسنتريك باعتبارها حركة لا تختلف عن حركات «تفوق العرق الأبيض» (White Supremacy) ولكن باللون الأسود. حيث اتهم عالم الاجتماع الأمريكى البارز أورلاندو باترسون (وهو من أصل جامايكي) الحركة بأنها تروج لعنصرية عرقية خطيرة وعزل ثقافى، ووصفها بأنها «تخلق هويات وهمية تعوق اندماج السود فى المجتمع الحديث وتغذى الحقد العرقي». ويرى الإعلام الأوروبى أن الأفروسنتريك يمثل تهديدًا «للقيم الجمهورية والمعرفية». فى فرنسا، هاجمت مجلات فكرية مثل Le Figaro وMarianne التغلغل الأفروسنتريكى، واعتبرته نوعًا من «الإمبريالية الثقافية الأمريكية» التى تحاول فرض صراعات عرقية أمريكية على التاريخ الأوروبى والإفريقى والمصرى، واتهمت الحركة بممارسة «إبادة ثقافية لطمس تاريخ شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط».

 

و​فى السنوات الأخيرة، تحول الهجوم من أروقة الجامعات إلى منصات القرار السياسى والإعلام العالمى حيث شملت أزمة وثائقى كليوباترا، الذى بثته منصة (Netflix) انتقادات حادة فى الصحف البريطانية والأمريكية (مثل The Telegraph وThe Spectator)، واتهم نقاد ومؤرخون غربيون منصة نتفليكس بـ«تزييف التاريخ لأغراض أيديولوجية معاصرة»، وأدانوا إصرار الحركة على فرض ملامح عرقية معينة على شخصيات تاريخية دون أى سند أثرى.

 

 

 

 

 

وفى ولايات أمريكية عدة، تم إصدار قرارات وتشريعات تمنع إدخال كتب أفروسنتريكية معينة إلى المدارس العامة، بناءً على تقارير لجان تعليمية حكومية أكدت أن هذه المناهج «لا تقدم حقائق، بل بروباجندا سياسية وعرقية تؤدى إلى تقسيم الطلاب وزرع الكراهية».

وتشير الحصيلة العامة فى الغرب إلى أن الأفروسنتريك تُعامل فى الأوساط الرصينة كحركة سياسية عرقية متطرفة تستخدم التاريخ كأداة أيديولوجية، وتفتقر تمامًا إلى الشرعية العلمية.

 

 الدعم الصهيوني

 لا ينبع الدعم الصهيونى والتقارب مع الأفروسنتريك من محبة فى الحركة ذاتها، بل يقوم على أبعاد أيديولوجية، واستراتيجية، وسياسية تخدم المصالح الصهيونية فى المقام الأول.

و​يرى العديد من المؤرخين والباحثين السياسيين أن هناك تشابهًا هيكليًا فى الآليات الفكرية بين الصهيونية والأفروسنتريك؛ فكلاهما يحتاج إلى «إعادة صياغة التاريخ» لتبرير أهدافه وتشمل صناعة حقوق وهمية، كما اخترعت الصهيونية مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» لتبرير الاستيطان والاحتلال وإزاحة أصحاب الأرض (الفلسطينيين)، تعتمد الأفروسنتريك على فكرة أن «الحضارة المصرية والشرق أوسطية بنتها شعوب إفريقية سوداء تم طردها أو إزاحتها»، لشرعنة ادعاءاتهم فى المنطقة.

 

كذلك استغلال رواية «الشتات والمظلومية»، فتاريخيًا، حاولت الحركة الصهيونية إسقاط «النموذج اليهودى للمظلومية والشتات والعودة إلى أرض الميعاد» على التاريخ الإفريقى، ما جعل النخب الصهيونية تقدم نفسها كـ«ملهم» أو «أخ فى المعاناة» لحركات الحقوق السوداء، لتمرير مشاريعها الاستعمارية تحت غطاء التحرر.

كما يبرز ​الدعم غير المباشر (الإعلامى أو الأكاديمى فى بعض الفترات) لأطروحات الأفروسنتريك لخدمة هدف جيوسياسي صهيوني ثابت، وهو عزل مصر وتفتيت الهوية الجامعة للمنطقة عبر نزع الهوية عن مصر، فمن مصلحة الصهيونية تفكيك الروابط التاريخية والجغرافية بين مصر وعمقها العربى والشرق أوسطي من خلال دعم فكرة أن «مصر القديمة إفريقية سوداء ولا علاقة للمصريين الحاليين بها»، ليتم ضرب الهوية الوطنية والقومية لمصر، وإظهار المصريين المعاصرين كـ«غزاة أو عرق هجين» ليس له حق تاريخى فى أرضه.

وتسعى الحركة لإشغال شعوب المنطقة (خاصة فى مصر وشمال إفريقيا) بصراعات عرقية وهوياتية مع حركات الأفروسنتريك بما يوجه الرأى العام نحو معارك تاريخية وجينية بدلًا من التركيز على الصراع المركزى فى المنطقة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

و​فى الداخل الأمريكى، تستخدم الصهيونية ومنظمات الضغط مثل (AIPAC) التقارب مع التيارات الإفريقية لإضعاف التضامن التقليدى بين السود والقضية الفلسطينية.

ويظهر تيار «بنى إسرائيل العبرانيين السود» (Black Hebrew Israelites) وهى جماعات داخل حركات الأفروسنتريك تؤمن بأن الأفارقة السود هم «بنو إسرائيل الحقيقيون» المذكورون فى التوراة، وسعت الصهيونية لاستيعاب هذه الأفكار لربط الوجدان الإفريقى بـ«أرض إسرائيل» وجعلهم مدافعين عن الرواية التوراتية للاحتلال.

وتاريخيًا، كان قادة الحقوق المدنية السود (مثل مالكوم إكس وبدايات حركة الفهود السود) يدعمون فلسطين بقوة ويرون الصهيونية حركة استعمارية، لكن دعم الشخصيات الأفروسنتريكية القريبة من الرواية التوراتية كان وسيلة صهيونية لشق صفوف مجتمع السود فى أمريكا وتحويل ولائهم السياسى لصالح إسرائيل.

 

و​من المهم الإشارة إلى أن هذا الدعم ليس شيكًا على بياض، فالأفروسنتريك حليف «مؤقت ومتقلب» للصهيونية، وشهدت العلاقة صدامات كبرى مؤخرًا من خلال التنافس على المظلومية، فعندما بدأت أجنحة داخل الأفروسنتريك تطرح فكرة أن «اليهود البيض (الأشكناز) هم مجرد دجالين سرقوا الهوية اليهودية من الأفارقة السود»، اعتبرت الصهيونية هذا التوجه تهديدًا وجوديًا لشرعيتها، كما كانت الملاحقة بتهم السامية فى حالة ليونارد جيفريز (أحد رموز الأفروسنتريك)، وهجومه على النفوذ اليهودى فى أمريكا سببًا فى صدام عنيف مع المنظمات الصهيونية التى قادت حملة لعزله وتشويهه، وهو ما يؤكد أن دعم الصهيونية للأفروسنتريك يكون فقط عندما يخدم أجندتها لتفكيك تاريخ الشرق الأوسط، وتهاجمه بشراسة إذا اقترب من سرديتها الخاصة.