الأربعاء 8 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أهم صحفى فى مصر

إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس

10 أسماء مرشحة للقب.. من يفوز؟!  



 

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.

ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

من وقت لآخر أتلقى من بعض الأصدقاء وقراء هذه الحكايات، أسئلة تستلفت اهتمامى وأشعر بأنها مهمة لمن يتابع، وللأجيال الجديدة من الصحفيين والقراء، مثل سؤال:

من فى تقديرك يستحق أن يحتل مكانة «أهم صحفى فى العصر الحديث»؟

السؤال وضعنى فى حال إعادة نظر.

فلم يسبق لى أن انشغلت بهذا النوع من الترتيب، فهناك أكثر من 10 شخصيات صحفية بارزة فى تاريخنا الحديث والمعاصر.. ولكل منهم دور قام به وجهد بذله فى هذه المهنة الرفيعة خدمة للوطن والأجيال وخدمة لـ«صاحبة الجلالة» والارتقاء بها.

 

 

 

 

ويمكننى رصدهم من بين من عاصرتهم، من منتصف ستينيات القرن العشرين: وأذكر الأسماء دون ترتيب زمنى أو أبجدى: جمال كامل، فكرى أباظة، هيكل، مصطفى وعلى أمين، صلاح حافظ، محمد زكى عبدالقادر، حسن فؤاد، أحمد بهاء الدين، إحسان عبدالقدوس.

ويمكننى أن أضيف أننى عرفت ستة منهم شخصيًا وعملت مع اثنين، ولم ألتق بأربعة.

  لكن كيف نضع الترتيب؟

 لابد من معايير.. ما هى؟

لو حددناها أولًا: الموهبة - الوطنية وعدم التحزّب - التطوير- تغيير المجتمع - رعاية المواهب - الدعوة للحرية - النهوض بأحوال المرأة - إفساح المجال لمختلف الاتجاهات الفكرية الوطنية - مواجهة الفساد وكشفه وتحمّل العواقب ومنها الاعتقال - ومساندة الضعفاء والطبقة الشعبية وهى الأغلبية.

هناك بالتأكيد معايير أخرى.. مثل استشراف المستقبل، والثبات على المبدأ.. وغيرها.

 استغرقنى البحث فترة طويلة وقمت بتطبيق هذه المعايير على الشخصيات الصحفية العشرة.

وكان عليّ أن أراجع تاريخ كل منها وأستوفى معلوماتى عنها، وأرصد منجز كل منها.. وأتخلى عن عواطفى الشخصية وذكرياتى مع من تيسّر لى التواصل والعمل معهم.

 وأصبح لديّ ملف كامل يضم كل ما توصلت إليه فى محاولتى الإجابة على سؤال: 

من هو أهم صحفى عاصرته؟

من الذى فاز باللقب؟

وسأكتفى هنا بإعلان ما توصلت إليه.. وأعتقد أن كثيرين سوف يتفقون مع إجابتى، بأن أهم صحفى عرفناه فى عصرنا هو الأستاذ إحسان عبدالقدوس.  وحتى لا يختلف معى البعض فى هذا التقدير، سأشرح لماذا توصّلت إلى تفضيل إحسان؟

 لأننى طبقت المعايير على الجميع فكان رصيده الأكبر، فى الشجاعة كان مضرب المثل ويكفى أن نتذكر مقاله المطالب بطرد المندوب السامى السفير البريطانى فى عز أيام الاحتلال.

 

 

 

 

كان إحسان فى السادسة والعشرين وكان الرجل قد أمضى 12 عامًا ممثلًا للاحتلال فى مصر ولم يحدث طوال هذه السنوات أن تجرأ أحد السياسيين أو الصحفيين على الاعتراض على وجوده وعدوانه على كرامة البلاد حتى أنه حرّك الدبابات إلى قصر عابدين مقر الملك فاروق لعزل حكومة الوفد الوطنية وحقق له الملك ما أراد.

  لكن كاتبًا صحفيًا شجاعًا واحدًا كتب - فى عدد «روز اليوسف» بتاريخ 9 أغسطس 1945- مقالًا يطالب فيه بطرد هذا الرجل «اللورد كيلرن» بعنوان «الرجل الذى يجب أن يذهب».

وجاء مقال الصحفى الشاب إحسان عبدالقدوس ليصدم الجميع: الملك واللورد والحكومة برئاسة محمود فهمى النقراشى الذى أصدر قرارًا بسجن كاتبنا الشاب، ودافعت عنه والدته فاطمة اليوسف وأيدته فى موقفه.

 ليس هذا فقط بل إنها عينته رئيسًا لتحرير مجلة «روز اليوسف» بعد الإفراج عنه، تقديرًا لشجاعته.. واعترافًا بمهنيته ووطنيته. 

وشارك إحسان عبدالقدوس بالرأى فى كل الثورات التى تقوم فى مصر بما فيها ثورة يوليو التى يعتبر واحدًا من أهم من مهدوا لها.

واستطاع بالحرية التى يؤمن بها أن يثير قضايا سياسية مهمة أشهرها قضية الأسلحة الفاسدة التى زعزعت النظام الملكى والسياسى.

 وأثارت كتاباته ومواقفه المتاعب العديدة فقبض عليه ودخل السجن ثلاث مرات، واستدعى للنيابة للتحقيق معه عشرات المرات، وجرت محاولات لاغتياله أربع مرات.

وكان كل رئيس يدُخله السجن أو يحاول اغتياله، يعتذر له فيما بعد، لأنهم كانوا يعرفون أنه ليس فى خدمة أحد، ولا يعبّر عن رأى أحد، لكنه دائمًا كاتب حر فى رأيه.  أكبر منبر

أتاح إحسان من خلال مجلات «روز اليوسف» و«صباح الخير» و«الكتاب الذهبى» أكبر منبر للتعبير الديمقراطى الحر يتسع لمختلف تيارات الفكر.

وكان الضباط الأحرار قبيل الثورة كما كان الماركسيون والوطنيون من شتى الاتجاهات يتخذون من دار «روز اليوسف» خلال إدارته لها، دارًا لهم.

وكانت هذه تجربة فريدة فى تاريخ الصحافة لم يسبق لها مثيل ولم تتكرر حتى الآن. فقد أصبحت مختلف التيارات الفكرية السياسية والأدبية والفنية تلتقى وتعبر عن نفسها بحرية على صفحات المجلة. 

الريادة حققها إحسان فى الصحافة عمومًا وصحافة الرأى على وجه الخصوص..

فعندما تولى رئاسة تحرير مجلة «روزاليوسف» وجد نفسه يعيد صياغة كل المواد والأخبار بحيث تبدو فى صيغة قصة أو حكاية تجمع بين العنصر الصحفى والعنصر الأدبى الذى أضفاه عليها، فجعلها مواد مقروءة وجذابة يتطلع إليها جمهور متزايد من القراء الذين ضاقوا بمقالات وخطب ومعلقات مطولة تفرض عليهم وجهات نظر متحزبة وتنطوى على إملاء الرأى بدلًا من المشاركة فى الرأى.

وقد كادت صحافة الرأى قبل إحسان عبدالقدوس تتلاشى وتفقد القراء، خاصة بعد الزلزال الذى أحدثه ظهور صحافة لا تهتم بالرأى.. صحافة خبر.

تميز رئيس التحرير الشاب إحسان، بتشكيل فريق «روزاليوسف» العامل معه من شباب مثله، أصحاب أساليب.

فعهد بصفحات الرأى لكاتب أديب هو سامى داوود، واختار كاتبًا إسلاميًا صاحب أسلوب جذاب هو خالد محمد خالد.

ومن الكتاب الملتزمين بالمنهج العقلانى اختار أحمد بهاء الدين لأسلوبه المشرق.

وسلم باب الأدب لشاب أديب هو فتحى غانم.

وكانت المجموعة تعمل كما لو كانت جماعة من طلبة الجامعة تجمعها الوطنية والروح الثورية وكان إحسان يتصرف كواحد منهم وليس رئيسًا لهم، ولم يسبق فى تاريخ الصحافة المصرية أن تحمّل الشباب مسئوليات أكبر من سنهم كما حدث فى «روز اليوسف» وقتها.

وحدث كل هذا وحقق النجاح على الرغم من أن إحسان لم يكن يقصد.. كل ما فى رأسه هو الأدب والفن والحرية وحب الوطن.

 التمهيد للثورة وانتقادها

وملمح آخر من ملامح تميز إحسان وتفوقه حتى احتل المركز الأول كأهم صحفى معاصر، هو أنه وقد شارك فى التمهيد لثورة يوليو لم يتوان عن نقد بعض تصرفات قياداتها.

ففى 22 مارس 1954 كتب مقالًا تحت عنوان «الجمعية السرية التى تحكم مصر» وقصد بها مجلس قيادة الثورة، موجهًا انتقادات حادة لأسلوب عمل قادة الثورة. فليس معنى أن أبرز أعضاء المجلس أصدقاء له أن يتخلى عن دوره فى تقويم عملهم.

ومعروف طبعًا أنه اعتقل فى سجن انفرادى لمدة 3 أشهر عقابًا له على هذا المقال.. ومع ذلك فقد انفتح المجلس بعد المقال وأصبح علنيًا!

 

 

 

تبقى حكاية أخيرة عن كيفية مشاركة «روز اليوسف» فى التحضير للثورة ليس بالمقالات فقط ولكن بالمادة الصحفية التى نشرتها المجلة قبل الثورة وهيأت الناس لها وذلك من خلال باب صحفى طريف بعنوان «أين يذهب الناس» كان أكثر مادة تجتذب قراء المجلة وهو عبارة عن حكايات عن أساليب حياة الطبقة الأرستقراطية الباهظة ماليًا وأخلاقيًا والمثيرة لشعور أبناء الشعب لما يتم خلالها من مظاهر مبتذله وإنفاق أموال بلا نهاية بينما يعيش المواطن محرومًا من الأساسيات.

وهو ما أشعل روح الثورة على هذه الأوضاع، وكان يحرر هذا الباب محرر شاب اسمه صلاح حافظ.

وفى الأسبوع المقبل نواصل