حكايات الملبوس!
سامح إدوار سعد الله
هل صنع المصرى القديم من «الغيب» ميزان عدل؟!
جاء هانز ألكسندر فينكلر الألمانى عالم الأنثروبولوجيا من ألمانيا إلى قنا، فى مركز قفط، بالتحديد فى كيمان ونجع الحجيرى. وأصدر هذا المستشرق وعالم الأنثروبولوجيا دراسته الميدانية «الملبوس: دراسة فى الأرواح والمس فى صعيد مصر».
لم يكن يقدم مجرد رصد كلاسيكى للفولكلور الشعبى التقليدى، بقدر ما هو خوض فى غمار تجربة حياة تجمع فى شكل مسلٍّ لقصص العفاريت التى شغلت تفكيرنا منذ كنا أطفالًا.
وهل هى حقيقة أم خيال، وأنواعها وكيفية ظهورها؟
وضعنا هذا الألمانى أمام وثيقة سيكولوجية وتحليلية بالغة التعقيد، تزيح الستار عن عالم «المعتقد الشعبى الموازي»، وكيف يعيد المجتمع الريفى صياغة مفهوم الغيب ليتحول من مجرد «خرافة» إلى «سلطة مطلقة» تحكم تفاصيل الحياة اليومية.
تنطلق الدراسة من فرضية دقيقة حول «نفاذية الجسد البشري» فى الوجدان الشعبى فى ثلاثينيات القرن العشرين، أى الفترة بين الحربين العالميتين، 1933 بالضبط قبيل الحرب العالمية الثانية.
فالجسد فى هذه البيئة لا يُنظر إليه ككيان بيولوجى صامت يحتاج إلى الطعام والشراب والتنفس لاستمرار عملية الحياة والنمو، بل هو وعاء مخترق وقناة اتصال مفتوحة بين العالمين، عالم الأرض والسماء.
وهو نقطة التقاء بين الحاضر والغائب، وهو أيضًا البوابة أو النافذة التى تطل منها الأرواح السابحة فى البرزخ خلف عالم الغيبيات.
وللجسد بوابات فيزيائية محددة؛ مثل يافوخ الرأس، والمسام، والفم أثناء التثاؤب (ولذلك توضع اليد على الفم منقذةً له من الاختراق).
هذه اللغة أو الإشارات الجسدية تبلغ ذروتها عند لحظات الصدمة النفسية الحادة لحظة المس، وتتمثل فى عدة مظاهر مثل الحزن العميق أو الخوف المفاجئ «الخضّة»، وهى اللحظة التى تتراجع فيها الدفاعات الروحية للإنسان، ليحل محله وعى وأصوات مجهولة عميقة وغريبة.
هنا يقدم لنا الباحث خريطة الكيانات الغيبية، حيث ترتجف الأجساد وتقشعر الأبدان وندخل فى ممرات متعددة الأفرع والاتجاهات، نفسية وسيكولوجية فى الرعب والخوف، فى عوالم خفية تبهرنا وتجذبنا إلى عالمها المريب.
يفند فينكلر العالم غير المرئى فى الصعيد إلى فئات ذات وظائف اجتماعية ونفسية دقيقة، تعكس كيفية تعامل الوعى الجمعى مع الكوارث والأزمات.
هو مثلًا يذكر العفاريت، وهو الكائن الناشئ عن الموت العنيف؛ والمقصود به البشر الذين ماتوا جراء حادث قتل أو الغرق أو الخنق أو سفك الدماء، سواء بإطلاق الرصاص أو دهسًا تحت عجلات المركبات أو القطارات.
يوثق الباحث معتقدًا يرى أن دم المقتول أو ضحية الحوادث لا يجف، بل ينبت منه «العفريت»!
وكما سمعنا صغارًا فى القرية أن العفريت يشرب دم المقتول، وتخرج روحه بعد أربعين يومًا من القتل.
ويتجلى هذا الكيان (الروح) فى عدة صور؛ مثل ماشية أو أرانب تطول أقدامها أو تثقل، أو كلب، وربما قطة بدون ذيل.
ولكن يختصرها ويذكرها الباحث كقطعة قماش بيضاء تتمدد فى الفراغ لتخنق الضحية، مصدرًا أصواتًا مثل (تو تو تو تو) أو جلجلة ككسر الفخار.
يحلل فينكلر هذا المعتقد بوصفه آلية مجتمعية للتعامل مع صدمة الموت الفجائى، حيث يبقى المقتول حاضرًا فى الوجدان حتى يُؤخذ بثأره، ويكون طرده بالنطق بالبسملة أو استخدام الحديد (مثل السكين) لأن الأرواح تخافها، وتطرد أيضًا روح العفريت بالتهديد المباشر ومعايرته بقاتله.
ويذكر فينكلر الجن والسفليين ويذكر على لسان أهل القرية أنهم مخلوقات مستقلة تسكن باطن الأرض، ويستمدون قوتهم من «غش وتدليس البشر».
فإذا سرق إنسان، يتدخلون ويسرقون أضعافًا، ما يمثل فكرة العقاب والعدالة الغيبية.
ويظهرون أحيانًا كمخلوقات ترتدى طراطير ذات حواف نحيفة، وتكبح قوتهم الأمانة، والتقوى، وتلاوة الفاتحة والبسملة.
ويعتمد أهالى القرى الزار للتطهير أو التطهر من لبس الجن أو طرد العفريت..
لذلك ينتقل بنا فينكلر فى الفصليْن الرابع والخامس إلى أرواح الزار؛ وهى كيانات ذات أصل أجنبى (من البرابرة) بدأت تسكن «بنات العرب» (النساء المحليات) بعد مجيء الأوروبيين.
وهى تهاجم النساء المصابات بالهموم، أو اللواتى يطلن التحديق فى المرآة بإعجاب وتبرج، مسببةً أعراضًا جسدية كضعف البصر وآلام المفاصل.
وتتطلب تهدئتها إقامة الزار (صخب، طبول، ذبائح) لتلبية طلبات العفريت فيهدأ المريض.
«عبد الراضي»
تتحول الدراسة من التنظير إلى التجربة الميدانية من خلال قصة الفلاح «عبد الراضي» (من نجع الحجيري)، حيث يصف لنا قصة حياته بالتفصيل؛ عمله فى الإسماعيلية، ثم زواجه من فاطمة وإنجابه فى سن العشرين، ثم عندما وصل الثلاثين مسّه الجن بعد خناقة مع عمه بخيت.
كان عبدالراضى نموذجًا للإنسان الهامشى، الفقير والمعدم، وبعد تعرضه لأزمة نفسية وجسدية حادة (تجربة خوف وعزلة)، بدأت تظهر عليه أعراض غريبة من صرع وتشنجات، والتحدث بأصوات غريبة، وقالوا إن عفريت عمه الذى توفى لبسه، ليطلب لنفسه التكريم المقبول، وبناء مقام له، وزرع شجرة جميز أمام مقامه.هنا يظهر الذكاء السيكولوجى للمجتمع؛ إذ لم يُوصَم «عبدالراضى» بالجنون، بل «ملبوس» من جن قاضٍ وروح قوية تدعى (الشيخ أو السلطان) ويذكر لنا الباحث أن السلاطين من هذا النوع الذى يلبس الإنسان كثيرة.
وشائع فى القرية أن «عبدالراضى» الذى لبسه الجن يعلم ما لا يعلمه أحد، لذلك فقد تحول ديوانه إلى محكمة عرفية يفد إليها فلاحو قفط والقرى المجاورة لكشف السرقات، والجرائم، وفصل الخصومات.
يقدم فينكلر هنا تحليلًا عبقريًا لـ«سيكولوجية المس».
فاللبس لم يكن مجرد اضطراب، بل كان آلية دفاعية غير واعية لرفع المسئولية النفسية والاجتماعية، أتاحت لفلاح هامشى امتلاك سلطة مطلقة وإصدار أحكام نافذة يُجبر السارق بموجبها على رد الحقوق رعبًا من انتقام الجن.
ذكر لنا المؤلف أكثر من قصة؛ كظلم الجد لحفيده اليتيم الذى لم يهتم برعايته، فتأتى روح الابن المتوفى لتستقر فى جسده بعد أن تصيب الظالم بعلّة، ما يحافظ على قداسة النظام الروحى الذى نسجه المجتمع حول شخصية الملبوس.

الصيدلية الشعبية
يُفرد الكتاب مساحة واسعة للوسائل العملية التى ابتكرها المجتمع الصعيدى كـ «صيدلية شعبية» وأدوات ردع جنائية تعتمد على الضغط النفسى والوعيد الغيبى.
وهنا يذكر الباحث أول ما يذكر استخدام بذور الكراوية السوداء كأداة لإبطال السحر والحسد عبر خلطها بالسمن البلدى ومسح جسم الطفل المصاب.
وتجلى معتقد غريب فى علاج التهاب العين الناتج عن «ريحة عرق» رجل بواسطة شمع الأذن، فى حين كان العنبر الخام العلاج النوعى لحالات المس الشديدة التى تسبب عجزًا عن المشى أو تلوّيًا فى العنق، بالإضافة إلى الأحجبة الرقمية التى تدمج الأرقام بحروف مكتوبة بالألوان على أوراق مطوية.
ويذكر الباحث كيف أن القيمة الحقيقية لكتاب هانز ألكسندر فينكلر تكمن فى تجاوزه للنظرة الاستشراقية الكلاسيكية القائمة على السخرية؛ فهو يتعامل مع هذه الظواهر كبنية فكرية متكاملة ومنطقية لأصحابها، ورابطًا عبقريًا بين النفسى والاجتماعي.
فى ظل صعوبة إجراءات التقاضى الرسمى وغياب الرعاية المتطورة فى تلك الحقبة، صاغ الوجدان الشعبى للمصرى زمان نظامه الخاص ليصبح الغيب وقتها فى صعيد مصر شريكًا يوميًا، يصنع منه البسطاء ميزانًا حاسمًا للعدل، وبلسمًا للروح يحميهم من مخاوف الكون وعواصف الحياة.



