الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

جداريات العودة من الحجاز "1"

قراءة فى تسجيلات شعبية لرحلة الرجوع من الحج



فى حياة الشعوب لحظات تتجاوز معناها المباشر، فتتحول من حدث عابر إلى علامة فى الذاكرة الجمعية التی تبحث لها عن لغة تعبر بها الجماعة عن علاقتها بالمقدس والزمن والوجود.

ورحلة الحج فى المجتمعات العربية إحدى تلك اللحظات الفارقة.

 

رحلة تبدأ بخطوة فردية استجابة لنداء العقيدة، ثم تنتهى إلى تجربة اجتماعية واسعة تتداخل فيها الروح بالثقافة، والوجدان الفردى بالذاكرة الجماعية لتسجل على جدران البيوت عند العودة إلى الحارات والأزقة.

هذا الامتزاج بين المقدس واليومى هو الذى ولد جداريات الحج فى القرى شمالًا وجنوبًا فى مصر، حيث تظهر انعكاسات رحلة الحج على الحوائط كل بطريقته احتفالًا واحتفاء.

 

 

 

منح ذلك الفن الشعبى الجدار صوتًا، وحوّل واجهات البيوت إلى سردية بصرية تحفظ حكاية الشوق إلى البيت الحرام، وتخلّد لحظة العودة كعلامة دائمة فى ذاكرة المجتمع.

فى بعض قرى مصر، خاصة فى الصعيد، يلفت النظر منزل تعلو واجهته صورة للكعبة المشرفة، أو رسومات لطائرة وجمل ومآذن وقباب تتجاور مع عبارات الدعاء والتهنئة.

والمشهد فى ظاهره بسيط، غير أن التأمل فيه يكشف طبقات أعمق من الدلالة؛ فهذه الرسوم لا تنتمى إلى الزينة المعمارية وحدها، لكنها تقف عند تقاطع دقيق بين الفن والتاريخ والعقيدة والحياة اليومية، ويتحول الجدار من عنصر بنائى صامت إلى وثيقة اجتماعية وذاكرة جمعية تحفظ ما تخشاه الجماعة من الضياع والنسيان.

وجَداريات الحج من الظواهر التى يصعب إخضاعها لمعيار جمالى خالص، لأنها تتجاوز حدود اللون والخط والتكوين إلى وظيفة قوامها التوثيق والاحتفاء فى آنٍ واحد.

فالحاج يعود من رحلته محمّلًا بتجربة روحية كثيفة، فيما يستقبل المجتمع هذه العودة باعتبارها حدثًا يستحق أن يُخلَّد بعلامة بصرية ثابتة، فتأتى الجدارية لتمنح اللحظة امتدادها فى الزمن، وتحوّلها إلى حضور مرئى مشترك يبقى فى الذاكرة كما يبقى فى العين، شاهدًا على رحلة لا تنتهى بانتهائها.

هذا التقليد الشعبى يمتد بجذوره إلى عمق التاريخ المصرى.

فقد عرف المصرى القديم منذ فجر الحضارة معنى أن تتحول الصورة إلى لغة للتسجيل والحفظ. فجدران المعابد والمقابر المصرية القديمة لم تكن سطحًا للزخرفة، بل فضاءً سرديًا كاملًا يدوّن الحياة والعقيدة والطقوس، ويجعل من اللون والحجر وسيلة لمقاومة الفناء، قبل أن تتبلور الكتابة ذاتها فى شكلها اللغوى المعروف.

ومع تعاقب الأزمنة ودخول الإسلام إلى مصر، لم تنقطع هذه الصلة بين الإنسان والجدار بوصفه مساحة للحكى البصرى، وإنما تبدلت الموضوعات وتغيرت الرموز.

انتقلت الصورة من تسجيل رحلة الإنسان إلى العالم الآخر فى التصور القديم، إلى تسجيل رحلته فى اتجاه البيت الحرام فى العقيدة الإسلامية، وبقيت الفكرة الجوهرية ثابتة: الجدار شاهد على التجربة الإنسانية الكبرى وذاكرتها الممتدة.

 

 

 

وفى مراحلها الأولى، جاءت الجداريات فى صورة بسيطة، اقتصرت على عبارات دينية ودعوات مأثورة تُكتب فوق واجهات البيوت، مثل «حج مبرور وسعى مشكور»، أو آيات قرآنية تستقبل العائد من رحلته المباركة.

غير أن الزمن سرعان ما فتح المجال للخيال الشعبى، فبدأت الكلمات تتحول إلى صور، والصور إلى مشاهد بصرية متكاملة، تروى الرحلة فى امتدادها الإنسانى والروحى، من الانطلاق إلى العودة، ومن الشوق إلى الاكتمال.

مركز العالم

الكعبة المشرفة تحتل دائمًا مركز هذا العالم البصرى، وكأنها نقطة ارتكاز تتجمع حولها بقية العناصر فى الجدارية. حضورها فى القلب يعكس مركزيتها فى الوجدان الإسلامى، غير أن الفنان الشعبى يتعامل معها بحس تلقائى، بعيدًا عن صرامة المنظور الأكاديمى أو دقة النسب الهندسية، إذ لا ينشغل بإعادة إنتاج المكان كما تراه العين أو تلتقطه العدسة، بقدر ما ينشغل باستدعاء هيبته وقدسيته كما تستقر فى المخيلة الشعبية، بما تحمله من رهبة وشوق ومعنى.

وإلى جوار الكعبة يظهر المسجد النبوى وقبته الخضراء، إشارة إلى المدينة المنورة كامتداد روحى لرحلة الحج، حيث لا تنفصل الزيارتان فى الوعى الشعبى، بل تتجاوران داخل فضاء بصرى واحد، كأن الفنان يختصر المسافات الجغرافية لصالح وحدة الشعور الدينى وتماسك التجربة الروحية.

أما وسائل النقل فتحتل مساحة دلالية لافتة، لأنها علامات على تحولات الزمن ذاته.

فالجمل فى الجداريات القديمة يستحضر زمن القوافل ومشقة الطريق وطول الرحلة، ثم تأتى البواخر لتعلن مرحلة أخرى من الاتصال بالعالم، قبل أن تحل الطائرات لتختصر المسافات وتعيد تشكيل معنى السفر نفسه.

وهكذا يتحول الجدار إلى سجل بصرى غير مباشر لتاريخ الرحلة، وإلى مرآة تعكس تطور المجتمع وتبدل تقنياته وأنماط عيشه.

وتكتمل اللغة الرمزية بحضور عناصر أخرى لا تقل دلالة؛ فالحمام يعلو المشهد بوصفه علامة سلام وصفاء روحى، والخراف تحيل إلى الأضاحى ومناسك منى، بينما يستدعى النخيل صورة الحجاز فى الوعى الجمعى بما تحمله من دفء الصحراء وبركتها.

وفى قلب هذا كله يظل الخط العربى عنصرًا حاكمًا يمنح الجدارية روحها الداخلية، حيث لا تنفصل الكلمة عن الصورة، بل تتداخل معها لتصنع نصًا بصريًا متكاملًا، تمتزج فيه الآيات والأدعية وعبارات التهنئة، تجعل من الجدار مساحة للمعنى بقدر ما هو مساحة للرؤية.

وراء هذه الأعمال يقف الفنان الفطرى أغلب الأوقات.

 

 

 

ذلك الذى خرج من قلب البيئة الشعبية دون أن يعبر قاعات التعليم الأكاديمى أو يتكئ على مناهج الفن المنظم، لكنه حمل فى يديه ما هو أسبق من المدرسة وأعمق من القاعدة؛ ذاكرة المكان، وإيقاع الناس، وصدق اللحظة الأولى حين يلتقى الإنسان بالعالم دون وسيط.

وفى قرى الصعيد يُعرف باسم «النقاش»، الاسم الذى لا يصف مهنة بقدر ما يصف حالة، تتداخل فيها الحرفة بالموهبة، ويتجاور الفعل اليدوى مع الوجدان الجمعى، فيصبح الرسم امتدادًا لما تعرفه الجماعة لا ما يراه الفرد وحده.

ومن بين الأسماء التى التصقت بهذا العالم يبرز الفنان عيد على يس، الشهير بـ«عيد السلواوي»، الذى أمضى سنوات ممتدة فى رسم جداريات الحج فى صعيد مصر، كأنما كان يدوّن سيرتها على الجدران لا بوصفه فنانًا فقط، بل بوصفه شاهدًا على زمن يتشكل ويعيد تشكيل نفسه.

تجربته تكشف أن هذا الفن لا يقوم على المدرسة بقدر ما يقوم على التوارث، ولا على القاعدة بقدر ما يستند إلى ما يشبه الذاكرة الحية التى تنتقل من جيل إلى جيل، ومن عين ترى إلى يد تُنجز دون تردد.

وفى هذا العالم تبدو الأدوات امتدادًا للطبيعة.. فرشاة تُصنع من جريد النخل، وألوان تُستخرج من الجير وأكسيد الحديد والكركم وزهرة الغسيل ودخان الأخشاب، وكأن الأرض نفسها تدخل فى فعل التشكيل، وكأن اللوحة لا تُرسم فقط، بل تُولد من عناصرها الأولى.

وهذه البساطة ليست فقرًا فى الوسيط، بل كثافة فى المعنى، إذ لا يبحث هذا الفن عن الإبهار بقدر ما يبحث عن الصدق حين يتحول الشعور إلى أثر مرئى، وحين تخرج الفكرة من داخل الجماعة لتستقر على سطح الجدار دون حواجز أو زينة زائدة.

وحول الجدارية تتشكل طقوس لا تقل أهمية عن الرسم ذاته، فالحج فى الوعى الشعبى حدث اجتماعي يعيد ترتيب العلاقات قبل أن يعيد ترتيب المكان.

 

 

 

 

تبدأ الرحلة من تصفية الخلافات وطلب السماح، كأن الإنسان لا يغادر الجغرافيا قبل أن يغادر ثقلها الداخلى، ثم تُهيأ البيوت وتُطلى الجدران انتظارًا للحظة تتحول فيها الواجهة إلى معنى.

وفى لحظة الرسم يتحول المشهد إلى ما يشبه الاحتفال المفتوح؛ الجيران يقتربون من الجدار، الأطفال يتابعون حركة اللون كأنها ولادة مستمرة، والأصوات تتداخل بين الدعاء والدهشة، فيغدو الجدار مركزًا مؤقتًا للحياة، ويغدو النقّاش وسيطًا بين الذاكرة الجماعية وما تريد أن تحفظه من نفسها.

تفاصيل الرحلة

حين يعود الحاج تكتمل الدائرة، ويتحول الحدث إلى تثبيت لمعناه؛ ولائم تُقام، وذبائح تُقدَّم، وهدايا قادمة من مكة والمدينة تُوزَّع كأنها امتداد للمكان المقدس فى قلب القرية. ماء زمزم والتمر والسبح والسجاد تتحول من أشياء إلى إشارات، من مادة إلى بركة، ومن هدية إلى أثر روحى يعيد وصل ما انقطع بين الأرض والمقدس، بين البعيد وما صار قريبًا بالذاكرة. 

الجدارية فى هذه اللحظة تؤدى وظيفة اجتماعية واضحة، إذ تتحول من مجرد أثر زخرفى على سطح الجدار إلى إعلان مرئى عن إتمام الفريضة، وإلى علامة فارقة تشير إلى انتقال الحاج داخل بنيته الاجتماعية من موقع إلى آخر. فلقب «الحاج» يحمل دلالة أخلاقية ودينية واجتماعية تتجسد فى نظرة المجتمع لصاحبه، وتنعكس فى حضور الجدارية ذاتها بوصفها وثيقة اعتراف جماعى بهذا التحول الرمزى.

ورغم أن مصر تمثل المجال الأكثر كثافة وحضورًا لهذه الظاهرة، فإن جذورها تمتد إلى فضاءات عربية متعددة. ففى السودان والنوبة تشكلت تقاليد زخرفية جدارية مرتبطة بالبيت والهوية، وفى فلسطين وبعض مناطق الشام ظهرت صيغ مبسطة من الاحتفاء البصرى بعودة الحجاج، بينما احتفظ المغرب العربى بوسائط زخرفية أخرى توثق ذاكرة الرحلة الطويلة نحو الحجاز. ورغم اختلاف الشكل والتقنية، يبقى الجوهر واحدًا؛ الحاجة إلى تثبيت التجربة الدينية فى صورة مادية قابلة للبقاء داخل الذاكرة الجماعية.

غير أن هذا الفن الشعبى يواجه اليوم تحديات متراكبة ومعقدة. فالتوسع العمرانى أدى إلى اختفاء كثير من البيوت التقليدية التى كانت تحتضن هذه الجداريات، لتحل محلها مبانٍ حديثة بطابع هندسى مغلق لا يمنح الجدار مساحته القديمة بوصفه فضاءً للسرد البصرى. ومع تغير أنماط الحياة وتراجع البنية الاجتماعية التقليدية، بدأت بعض الطقوس المرتبطة بالحج تفقد حضورها الكثيف الذى كانت عليه فى السابق.

جداريات الحج ، شهادة على قدرة الإنسان على تحويل التجربة الروحية إلى أثر مرئى، وعلى أن الفن الشعبى، فى كثير من الأحيان، يمتلك قدرة على التقاط وجدان الناس وتكثيفه بما يفوق أحيانًا الفنون الرسمية. فالجدار الذى يبدو صامتًا فى ظاهره، يتحول فى هذه التجربة إلى ذاكرة حيّة، تحفظ ألوان الشوق وأصداء الدعاء وفرحة العودة، وحين يتآكل بعضه بفعل الزمن، تبقى فكرته صامدة؛ أن الإنسان، كلما واجه لحظة تتجاوز يومه العادى، بحث عن جدار يترك عليه أثر تلك اللحظة، كى لا تضيع تمامًا فى عتمة النسيان.