الأربعاء 18 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

وجيه أباظة.. وسر الحاجة وداد!

سيرة حياة.. ناجح بـ«العافية»  فى الحقوق اختار البطالة «ربع قرن»!  



أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.

ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

لا يجب أن أنسى بعض البارزين من العائلة الأباظية مثل ثروت أباظة.

فمع أنه كان رئيسًا لاتحاد الكتاب ورئيسًا للقسم الأدبى فى «الأهرام»، وكاتبًا للمقالات والقصص والروايات، فقد لا يعرف الكثيرون أنه لم يكن يحب الدراسة فى المدارس وفى الجامعة أيضًا.. وأنه كان يكتفى بالانتقال من سنة إلى أخرى دون تفوق أو أى بروز، وتجلى ذلك بوضوح فى الجامعة فقد دخل كلية الحقوق لأنها الكلية المرموقة وقتها، لكنه كان يرسب ويعيد السنة، ولولا الدروس الخصوصية التى يسهلها له والده الأديب الدسوقى أباظة ويقوم بها أساتذة الكلية، بل وعميدها، بإلحاح من والده، لما تيسر له الحصول على الليسانس، لكنه بعد ذلك طلب من والده التوسط له للحصول على وظيفة بالواسطة، فأبى الأب، طالبًا منه أن يعتمد على نفسه!

 

 

فماذا كان من هذا الابن المدلل؟

اكتفى بحياة البطالة دون عمل، اعتمادًا على بيع الأراضى التى ورثها عن والده.. ودامت هذه البطالة - كما ذكر فى سيرته «شبه الذاتية» التى نشرها على صفحات «الأهرام» - 24 سنة!

وهو بذلك يضرب الرقم القياسى فى البطالة التى لم يعرفها أى واحد من الأباظية.

ليس هذا فقط، فهو يروى أنه عاش كل سنوات البطالة هذه فى خلافات دائمة مع زوجته عفاف ابنة عمه عزيز.

ومع ذلك فقد أتيح له خلال سنوات البطالة هذه نشر بعض المقالات والقصص هنا وهناك ومنها مقال عارض فيه تأميم قناة السويس!

ومع أنه عمل على ألا يتصادم مع نظام ثورة يوليو إلا أنه كان ضد الثورة وحاول التعبير عن ذلك رمزيًا فى بعض ما كتبه من روايات.

وكان يضيق طبعًا بإنجازات الثورة، خاصة القضاء على الإقطاع.. فهو سليل عائلة إقطاعية كبيرة، لكنها أيضًا عائلة قدّمت شخصيات وطنية وسياسية وصحفية وأدبية وفنية كبيرة.

وبانتهاء ربع قرن بطالة من عمر ثروت أباظة فى السبعينيات اقترب من الرئيس الجديد أنور السادات فعينه رئيسًا لمجلس إدارة مجلة الإذاعة والتليفزيون.. فبدأ يكتب مقالات أسبوعية فى المجلة شارك من خلالها فى حملة قام بها من يتطلعون لإرضاء الرئيس الجديد، ومن تضرروا من قانون القضاء على الإقطاع.

فكتب مقالين يشتم فيهما جمال عبدالناصر، ويتهمه بالديكتاتورية ويستخف بكل قراراته وإنجازاته الثورية.. يكتب بحرقة ربع قرن فى قلبه.. لكن ذلك أثار عليه كل من يحترمون الصدق والعدل والثورة، فما كان من السادات إلا أن أمر بعزله ونقله إلى «الأهرام».. ويبدو أنه كان ممنوعًا من الكتابة فى السياسة اكتفاء بالإشراف على القسم الأدبى.. لكن السادات كان يحتاج إلى ثروت أباظة ورشاد رشدى وأمثالهما بعد أن عارضه عدد كبير من الكتاب والمثقفين وهاجر بعضهم خارج مصر.

 

 

 

 

أكثر شخصية محبوبة 

 أعتقد أنه كان علىّ أن أبدأ حديثى عن العائلة الأباظية، بذكرياتى مع «صاحب اللمسة السحرية» الذى التقيته فى دمنهور عندما كان محافظًا للبحيرة ثم التقيته فى طنطا وكان أيضًا محافظًا لمحافظة جديدة اسمها الغربية.. إنه وجيه أباظة. 

وخلال عملى الصحفى التقيت عددًا لا بأس به من المحافظين بداية من اللواء محمود طلعت، وشعراوى جمعة وحامد محمود (السويس) ثم أحمد كامل (المنيا والإسكندرية) وممدوح سالم (أسيوط والإسكندرية) وإبراهيم شكرى (الوادى الجديد).. وهؤلاء جميعًا كنت أذهب إلى محافظاتهم وأتجول بين الناس وأستمع إلى شكاواهم، ثم أتجه للقاء المحافظ ومواجهته بهذه المشاكل، وأتلقى إجاباته. 

لم يحدث هذا مع محمود طلعت وشعراوى جمعة لأنى كنت طالبًا صغيرًا فى المدرسة الثانوية.

أما وجيه أباظة فلم أذهب إليه وأنا محرر فى «صباح الخير» لأواجهه بمشاكل الناس فى المحافظة، فقد كنت أعلم مثل كل الناس أنه أصبح يحمل لقب «المحافظ صاحب اللمسة السحرية».. بطريقته المبتكرة فى معالجة المشاكل والنهوض بالمجتمع المحلى وإنشاء المشاريع وتشجيع الشباب على النشاط الرياضى واللياقة البدنية.. ذهبت إليه لأنقل تجربته ليطلع عليها كل مسئول وكل مواطن، ذهبت لأتعرف على سر نجاح وجيه أباظة، ولا أنسى ترحيبه الشديد بى لأنى من مجلة يحبها هى «صباح الخير»!

وكعادتى عند الاستعداد لحوار صحفى مع أى شخصية، كنت أستجمع كل ما يمكن أن أعرفه عن هذه الشخصية، لأن هذه المعلومات تسهّل لى مهمتى وتساعدنى فى وضع أسئلتى.

 

 

 

كيف كنت أحصل على المعلومات؟ 

ليست هناك مصادر لهذا النوع من المعلومات، وكان الحل هو «الحاجة وداد».

ففى أكبر صالة فى الدور السابع، مقر «صباح الخير» كان هناك قسم الأرشيف وتتولاه «الحاجة وداد» وهو عبارة عن عدد لا حصر له من الأرفف الممتلئة بكمية مهولة من الدوسيهات التى تنطوى على قدر هائل من المعلومات والصور والبيانات المكتوبة بخط اليد وقصاصات الصحف والمجلات، وممنوع دخول صالة الأرشيف هذه لأى إنسان سوى «الحاجة وداد». 

وكل ما عليك أن تفعله كمحرر هو أن تسألها عما تريد، وتعود إلى مكتبك.. وبعد لحظات تفاجئك «الحاجة» حاملة دوسيها ضخمًا أو أكثر من دوسيه يضم كل ما توفّر من معلومات عن الشخص أو الموضوع الذى سألتها عنه.

معظم ما وجدته عن وجيه أباظة كان قصاصات صحف ومجلات تضم أخبارًا عنه أو أحاديث معه أو بيانات مكتوبة بخط اليد.. وأعترف بأن تأثير «الحاجة وداد» وطريقتها فى جمع المعلومات أعاد لى ذكريات الطفولة عندما كنت مكلفًا فى العاشرة من عمرى بترتيب وتجميع الكتب والصحف والمجلات فى مكتبة البيت.. أصبحت لديّ عادة تلازمنى هى تجميع القصاصات وحفظها وترتيبها كلّما أمكن طبعًا.

أعود إلى وجيه أباظة فقد وجدته رجلاً لطيف المعشر ودودًا محبًا للناس وميالاً للحركة والنشاط.. أتذكر أننى عرفت عنه الكثير بعد ذلك، ومنه أن كان ضابط طيران وكان يقود عمليات فدائية ضد الإنجليز فى منطقة قناة السويس قبل الثورة (1950 - 1952).

وقبلها كان أول طيار مصرى يلقى بالقنابل على تل أبيب فى حرب فلسطين سنة 1948 وعرف جمال عبدالناصر وقتها وانضم إلى تنظيم الضباط الأحرار السرى، وكان من فريق الصف الأول إلا أنه تنازل عن مركزه فى قيادة التنظيم تقديرًا لزميل آخر.. وعرفت أيضًا أنه تزوج من نجمتنا المحبوبة ليلى مراد.

وأقول من واقع خبرتى الشخصية إننى لم أجد محافظًا محبوبًا من جماهير المحافظة التى يتولى مسئوليتها من بين من عرفتهم من المحافظين مع احترامى لكل منهم، مثل هذا الرجل الذى كان يجوب الشوارع والقرى ويجالس الناس ويستمع إليهم ولا يعتمد على الأساليب البيروقراطية والروتينية فى التعامل مع المشاكل، يتحرك بنفسه ويفكر ويبتكر الحلول ويشرك الناس فى البحث عن الحلول وفى علاج المشاكل، فمثلاً خلال جولاته اليومية لاحظ انتشار ظاهرة التسول وكثرة المتسولين والنشالين، فماذا فعل؟

لم يلجأ إلى القبض عليهم وسجنهم.. أو مطاردتهم، لكن وجيه أباظة الذى يحب الفن والناس أنشأ فرقة البحيرة للفنون الشعبية من هؤلاء!.. وأصبحت إحدى أشهر فرق الفنون الشعبية فى مصر وقتها.

لكن لماذا قرر عدم الاعتماد على الحكومة فى تنفيذ مشروعاته؟

هو نفسه قال إن التجربة علّمته هذا الدرس، فعندما أحس بحاجة شباب البحيرة إلى ملعب - كانوا يسمونه وقتها «الساحة الشعبية» - طلب معاونة وزارة الشئون الاجتماعية (لم تكن هناك وزارة للشباب بعد) فتلقى بعد فترة مبلغ عشرة جنيهات دعمًا للمشروع!

فما كان منه سوى أن جمع بعض الأهالى والشباب والتجار وعرض عليهم المشاركة فى إنشاء «الساحة» وتمكن خلال فترة وجيزة من إنشاء عدد من ساحات النشاط الرياضى فى مختلف أنحاء المحافظة، بل تمكن من حشد الاهتمام والمال اللازم لإنشاء أول استاد رياضى فى المحافظة خلال ثمانين يومًا فقط.

وطبعًا أنشأ مركزًا للتدريب المهنى وأول وأكبر مصنع للسجاد فى البلاد.

 

 

 

وقد لقى أسلوب وجيه أباظة الرجل الباسم النشط المتواضع.. «صاحب اللمسة السحرية» إعجاب وحب مواطنى المحافظة، ولفت هذا انتباه صديقه الرئيس جمال عبدالناصر فجعله يتنقل من محافظة لأخرى ليقوم بهذا النشاط.

وقد التقيته مرة أخرى فى طنطا عندما عين محافظًا للمحافظة الجديدة «الغربية» ومارس فيها لمسته المدهشة، ثم انتقل بعدها إلى محافظة الشرقية التى ولد فيها ثم محافظة القاهرة.. وقد عرض عليه منصب الوزير فاعتذر، لأنه لا يميل للمراكز الإدارية، فهو يحب العمل مع الناس.

وفى الأسبوع المقبل نواصل.