الأربعاء 11 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
«صباح الخير» فى ميدان التحرير

«صباح الخير» فى ميدان التحرير

فى صباى كنت من المدمنين على قراءة كل ما يصل من الصحف والمجلات العربية، فى ذلك الزمان كنت مغرمًا بمجلة صباح الخير المصرية، أتابع بشغف ما يرسمه صلاح جاهين فى زاويته «نادى العراة» وضحكات حجازى وبهجت ورجائى والليثى كتيبة من الضاحكين ومعهم كتيبة من الكتاب يقودهم إحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين أصغر رئيس تحرير، ومعه مصطفى محمود يحرر زاوية بعنوان «قلوب حائرة»، ويكتب عن أينشتاين والنسبية، ومحمود السعدنى ومفيد فوزى وحواراته التى لا يجيدها غيره وكيف يخبره نجيب محفوظ «لماذا لم يتزوج»…



 

 

 وعدد المرات التى بكى فيها صاحب الثلاثية، وكانت ثلاثة فقط، وهى يوم وفاة الزعيم سعد زغلول، ويوم وفاة والده، ويوم اكتشف أن المنفلوطى مات منذ سنوات، فقد كان مغرمًا به يحفظ كل كتبه، وحين قرر أن يتعرف عليه أخبروه أنه مات منذ زمان، وجاذبية صدقى وأحمد عباس صالح وزاويته التى يكتب فيها عن المسرح، حيث عثرت فى هذه الزاوية على كاتب أسمع باسمه للمرة الأولى وهو الكاتب المسرحى الألمانى بتر فايس والذى قرأت له فيما بعد رائعته «مارا صاد» عن الثورة الفرنسية ومسرحيته تروتسكى فى المنفى ومسرحية حديث عن فيتنام، وأدهشنى فى مسرحيته عن الشاعر الألمانى هولدرلين الذى قضى ثلاثين سنة كاملة فى مستشفى الأمراض العقلية. 

ولم يتم الاعتراف والاهتمام به إلا فى القرن العشرين، بعدما نشر عنه الفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر دراسة بعنوان «هولدرلين وماهية الشعر» والذى قرأته بعد سنوات بترجمة عبقرى من طراز خاص اسمه عبدالغفار مكاوى الذى خصص كتابًا خاصًا عن هولدرلين نشر ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربى، وهى السلسلة التى نشر فيها فيلسوف مصر الكبير فؤاد زكريا كتابه المهم عن نيتشه، وكانت أولى حلقات هذه السلسلة وأمتعها، وقد حالفنى حظى وأسعدنى أننى سأتعرف فيما بعد على أحمد عباس صالح بلحمه ودمه، عندما استقر فى العراق بعد زيارة السادات إلى إسرائيل، وقد عمل أستاذًا فى أكاديمية الفنون الجميلة، والروائى فتحى غانم وسلسلة رواياته التى لا تنسى وكان أبرزها آنذاك رواية «الرجل الذى فقد ظله» وهى الرواية التى حامت الشبهات حولها بأنها تصور بدايات محمد حسنين هيكل من خلال شخصية الصحفى يوسف اليوسفى الذى صعد على أكتاف أستاذه محمد ناجى، ويقول فتحى غانم إنه تلقى مكالمة ذات يوم من الصحفى الكبير محمد التابعى وهو الذى له الفضل فى اكتشاف هيكل يقول له: «محمد بيقول يقصد هيكل إنك كاتب عننا رواية، فأجابه فتحى غانم بالنفى مكتفيًا بقوله: «دا خيال مش أكتر».

 

 

 

وكامل الزهيرى صاحب الأسلوب الذى لا يجارى وزاويته «من ثقب الباب» التى قرأت فيها للمرة الأولى اسم سان سيمون، ولطفى الخولى وعبدالرحمن الشرقاوى وصلاح حافظ الذى ترجم مذكرات شارلى شابلن، ورؤوف توفيق الذى حَببَ لى عالم السينما بمقال أسبوعى كان بعنوان «من مقاعد المتفرجين»، وقد جُمعت هذه المقالات فيما بعد بكتب لا تزال هى أجمل ما قرأته عن الفن السابع: «سينما الزمن الصعب» و«السينما عندما تقول لا» وسينما الحقيقة «وسينما المشاعر الجميلة». وأحمد بهاء الدين يزور مكتبات الكبار ومن خلاله تعرفت على مكتبة توفيق الحكيم وطه حسين ولويس عوض الذى كنت أتابع مقالاته فى صحيفة الأهرام وكانت سلسلة مقالات عن شكسبير والتى جمعها فيما بعد فى كتاب بعنوان «البحث عن شكسبير»، حيث يخبرنا لويس عوض أن جريدة الأهرام أوفدته لمتابعة الاحتفالات فى بريطانيا بمناسبة مولد شكسبير، وقد كانت محطته الأولى فى الرحلة مدينة باريس التى ستساعده الصدفة ليشاهد مسرحية تعرض للمرة الأولى بعنوان «الدرس» ليوجين يونسكو وهو الكاتب الذى فى طليعة كتاب اللامعقول، وأتذكر حينها بدأت فى البحث عن هذا الكاتب الذى شوقتنى كلمات لويس عوض للتعرف على أعماله، حيث عثرت فى سلسلة المسرح العالمى التى كانت تصدر فى القاهرة على مجموعة مسرحياته بعنوان «مسرحيات طليعية» لا أتذكر اسم المترجم الآن، لكنى حتى هذه اللحظة أحفظ فقرات من المقدمة التى كتبتها الدكتورة سامية سعيد وهى أستاذة الأدب الفرنسى وواحدة من ألمع المترجمين، ترجمة بالتعاون مع الشاعر فؤاد حداد ديوان أراغون الشهير «الزا وعيون الزا»، كما ترجمت عددًا من مسرحيات ألبير كامو، وسحرنى فى المجلة باب أسبوعى يكتبه صحفى شاب «آنذاك» اسمه علاء الديب وعنوان الزاوية «عصير الكتب» وفيه يقدم للقراء عرضًا جميلاً ومشوقًا لكتب صدرت حديثًا.. كانت هذه الزاوية دليلى لاقتناء الكتب الجديدة، فعن طريق «عصير الكتب» قرأت أندريه مالرو وعشقت عبدالحكيم قاسم وتابعت أحدث ما ينشره نجيب محفوظ وسمعت باسم إبراهيم أصلان لأول مرة، ورحت أبحث عن كتب معين بسيسو، وأسأل أصحاب المكتبات عن أعمال سليمان فياض وصنع الله إبراهيم، وجمال الغيطانى وبهاء طاهر، ويحسب لعلاء الديب أنه كتب عن أول ديوان أصدره شاعر مصر ومناضلها أحمد فؤاد نجم. بعد ذلك عرفت أن علاء الديب يكتب القصة القصيرة والرواية وترجم لصموئيل بيكيت وهنرى ميللر، وكتب سيناريو الفيلم الشهير «المومياء» وعثرت بعد سنوات على رواياته «زهرة الليمون، وأطفال بلا دموع، وقمر على المستنقع، وعيون البنفسج»، بعدها عثرت على كتابه الممتع «وقفة قبل المنحدر من أوراق مثقف مصرى».

 

 

 

صباح اليوم وأنا أتجول فى ميدان التحرير وسط القاهرة، لمحت غلاف مجلة صباح الخير عند أحد بائعى الصحف، تلقفتها فورًا، ولم أنتظر طويلًا جلست فى وسط الميدان أسترجع سنوات مضت وذكريات جميلة مع مجلة رفعت شعار «القلوب الشابة والعقول المتحررة».

 الصورة التقطها العزيز على حميد.