المباح والمسكوت عنه
د. عزة بدر
قراءة فى رواية «الفنار» لنعيم صبرى
نور الفنار بعيد وسط الماء، يهدى السفن والمراكب إلى طرقها ومرافئها، فهل رست حياة (كمال) على شاطئ؟ هل استطاع أن يقود قاربه وسط خضم الحياة أم انكسر الشراع؟
أسئلة يفجرها السرد بطرق فنية متنوعة، ولغة أخاذة من خلال تصوير حياة عاصفة لشاب استطاع الحصول على تعليمه الجامعى وسط ظروف اقتصادية صعبة، فوالده يعمل بوّابًا لإحدى العمارات السكنية، و«كمال» يساعده، وبالكاد استطاع أن يتم تعليمه، لكنه تثقف من خلال ما كان يزوده به سمير -ابن أحد سكان العمارة- من كُتب.
تعلق «كمال» بما لاقاه من معاملة إنسانية من «سمير» وأسرته، وأحب أخته «نادية» فى صمت، فلقد كان الفارق الطبقى يحول فيما بينهما، واستطاع نعيم صبرى أن يمنحنا رواية ماتعة، تميز السرد فيها بالبراعة على رسم الشخصيات، فقد فتح أمام «كمال» عالمًا من الخيال ليحقق فيه نفسه المهدرة، فقد عانى من قسوة سكان العمارة، وهم يأمرونه بحمل أشيائهم وتنظيفها، تصور أن ثقافته وتعليمه سيشفعان له، ويحميانه من العنف اللفظي، والنفسى، لكن لم يحدث.
فى مملكة الماء
ظل «كمال» مستمسكًا بعالم الخيال، حيث تزول الفوارق بين الأحياء، فى مملكة أخرى هى مملكة الماء، ففيها كل شيء حي، فيصوّر السارد أحلام «كمال» حيث تتوق النفس الإنسانية للانعتاق من أسر الواقع وقيوده، وتحقيق ما تصبو إليه، فيختار لغة شعرية للتعبير عن هذا العالم الداخلى لبطله فيقول:
«أنا أعشقك، قالت، من أنتِ؟ عاود التساؤل - أنا عروس البحر، أنت الذى جئت إلى مملكتي، اترك نفسك لى إذًا، إياك أن تقاومني، عانقته بحرارة فانتفض، انغمس فى مشهد عناق، والتحام جسدى عارم».
وتبادله عروس البحر الحب فى مشهد شعرى يحدث فيه الاعتراف الاجتماعى الذى يفتقر إليه «كمال»، فيتحقق فى مملكة الماء :
«سحبته من يده بخفة، واتجهت إلى مملكتها، مملكة الماء، إلى أين؟ إلى أبى أولًا ليمنحنى لك، وليباركنا، وأين هو؟ بالمحيط الأعظم الذى يليق بجلال ملك البحار والمحيطات سنمتزج معًا، سأحوّلك إلى مارد بحرى مهيب، يحسب حسابك الجميع، يقدمون لك فروض الطاعة والولاء لتهبنى أجمل ما فى عالم الأحياء البحرية من حيتان، وأسماك وعرائس، فاتنة، اترك نفسك لي، ولن تندم».
لكن الواقع بأشواكه وأظافره المسنونة يطارد «كمال» فليس الأمر هينًا ليّنًا كما فى مجتمع الأحلام، ومملكة الماء فيقول ناقمًا وثائرًا على الفارق الطبقى الذى يحول بينه وبين عروس البر «نادية»:
«هى طبيبة وأنا ليسانس آداب، فى دول العالم، الشهادتان جامعيتان، لماذا لا أستطيع أن أتقدم لأسرتها، وأطلبها للزواج؟ لكن هل هى تحبني، ربما لا تبادلنى نفس المشاعر، وارد طبعًا، لكننى غير مسموح لى حتى أن أختبر هذا الاحتمال، ليس متصورًا أن أتقرب إليها أو أن أشعرها بمشاعرى نحوها لاختبار هذه الفرضية، قضية مسلم بها أننى من طبقة أدنى، وأننى مرفوض، أنا ابن البواب، ليس من المسموح أو المتصور أن أعتبر نفسى إنسانًا طبيعيًا مساويًا لها».

ومن مشهد لآخر ينقلنا السارد إلى حياة بطله والمجتمع الذى يعيش فيه ثم إلى عالمه الداخلي، وما يضطرم فيه من مشاعر عارمة فيقول عن لسان بطله «كمال»:
أذوب خجلًا وأتمنى أن أتلاشى وأنا أدخل على الضيوف بصينية المشروبات، وأكاد أغيب عن الوعي، وأنا أمر عليهم لتوزيعها، أتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني، أحاول أن أرتدى أفضل ما عندي، وأتحاشى ملابس «سمير» التى يعطيها لي، أتجنب أن ترانى «نادية» بها فهى تعرفها طبعًا، وتعرف أن أخاها تصدق بها عليّ، ترتجف يداى أحيانًا وأجاهد ألا تقع الصينية من يدي، أو تهتز الأكواب المتراصة عليها، لحظات تمر عليّ كدهر، أستمع أحيانًا إلى ملاحظات صديقات «نادية» لها بعد مغادرتى الغرفة، من هذا يا نادية؟ يداه ترتعشان وهو يقدم المشروبات، معقول فى الثانوية العامة أو فى الجامعة؟ مسكين والله، يفور داخلى غضب، ومشاعر متباينة كالبركان، وأنا أتظاهر بالتأدب والهدوء.
ثم ينتقل بنا السارد إلى عالم بطله الداخلى، أفكاره الخاصة، معتقداته التى كوَّنها من خلال قراءاته فتكتمل بين أيدينا ملامح شخصية «كمال»، الشخصية الرئيسة فى الرواية:
«نحيا حياة العبيد، ونعلن أننا قد تخلصنا من العبودية، نتباهى بأننا ألغينا العبودية، وعصر الرقيق، ونحن غارقون فيه بجبروت، اللعنة على كل شىء».
ومن الخاص العام يناقش «كمال» بينه وبين نفسه ما يحدث فى مجتمعه من مفارقات، وما يحدث فى العالم أيضًا مرتبطًا بقضيته الأولى البحث عن العدالة والمساواة فيقول:
«وها قد انفرط الاتحاد السوفيتي، وفشلت إحدى تجارب محاولات المساواة بين الناس رغم كل عيوبها ومساوئها، كانت أحد الآمال على الأقل، لا يوجد أمل للمعدومين فى هذا العالم».
البحث عن ضوء
وكسفينة تائهة يبحر كمال فى عالمه الخاص لا يهتدى إلى شيء، ولذا يصبح رمز «الفنار» عنوان الرواية دالًا على إنسان مهزوم يبحث عن نقطة ضوء مشوقًا إلى ضوء الفنار، متطلعًا إليه، وإلى معجزة ما يصدر عنه من أصوات فيقول كمال:
«كأننى ريشة فى مهب الرياح، تطير وسط الرياح والأنواء بلا دليل أو مرشد، بلا ضوء فى نهاية النفق، أعيش ليومى بلا غد، مسلوب الإرادة الإنسانية، أريد إنسانيتي، من الذى أطالبه بها، اللعنة على هذا العالم، اللعنة على كل شىء».
وجد «كمال» فى تحقق أحلام الجسد طريقًا للهروب من انسحاقه، وشعوره بالمذلة، يجد فى «سميرة» زوجة صديقه «صلاح» جسرًا للعبور إلى تحقق رغباته الحسية فهى ترغبه وتشتاق إليه، فيندفع تجاهها متجاهلًا أى كوابح أو اعتبارات دينية أو أخلاقية.
وربما أدركت هى ضعفه أمامها، فأشبعت رغباتها، وحاجتها للأمومة لأن زوجها «صلاح» عقيم، كانت كالنمرة التى اقتنصت لتحقق أحلامها رجلًا هو كمال، ثم طردته من عالمها عندما سألها عن سر الأمومة؟ وزوجها عقيم؟
وأعلمها بشكه فى أن يكون طفلها سيف ابنه، فطردته شر طردة، لكنه عاد إليها آملًا أن ينعم برؤية، يهتف به صوت الفنار: «سيف ابنك.. سيف ابنك»، إنه الفنار الذى يرشد السفن يهديه إلى صوته الداخلي، لكن ماذا يصنع مُضيع بصوته الداخلي، يغلبه ضعفه دائمًا، صحيح أنه يذهب لرؤية الطفل «سيف» محوّمًا حول البيت الذى غادره أصحابه إلى الخارج، يغالبه الحنين لكنه يستسلم لما يشعر به من قهر وقلة حيلة فيقول:
«الفنار ما زال هناك، هل هذه الأصوات الخافتة تنبعث منه؟ أصوات غريبة بدأت تعلو، ياه، أصبحت مزعجة، لها روح جنائزية، طبول، وآلات نفخ زى مزيكة «حسب الله»، بلا سميرة، بلا صلاح، خليهم يربوا الأطفال، بلا دوشة».
الظاهر والباطن
لكن هذا الصوت الخادع الذى يقنع بغياب الطفلين اللذين يتصوّر «كمال» أنهما طفلاه، ويُعزى نفسه بأن سميرة وزوجها سيتعهدانهما بالرعاية يتناقض مع حقيقة داخلية وهى أن «كمال» يتوق للأبوة، ويتمناها، ويشتاق إلى دفء الزوجة، وكأنه اغتصب من الحياة أبوته وامرأة تشتهيه، سرق هذه الأبوة، وهذه المرأة من بيت صديقه كما كان يسرق مال أبيه، وفى لحظات ما كان يُطهّر نفسه من دنس سرقة أبيه بسداد بعض ديونه.
وفى مشهد دال، نسجه السارد فى رهافة ينام «كمال» إلى جوار طفله فيحقق أبوته لحظيًا:

«تسحّب «كمال» إلى غرفتها، ووقف لبرهة على الباب يتأملهما، وهما نائمان، اقترب ببطء من الفراش، وتوجه ناحية «سيف»، وقف يراقبه لبرهة، و«سميرة» مستغرقة فى النوم، ثم تمدد بحذر إلى جوار «سيف» من الناحية المقابلة لسميرة بحيث يتوسطها الولد، انتبهت «سميرة» للحركة ففتحت عينيها مستطلعة لتفاجأ بكمال يتمدد إلى جوار «سيف»، ارتبكت وسألته:
• إيه إللى جابك هنا؟، عاوز إيه؟
تمتم بصوت متوسل مرتجف:
•ولا حاجة ممكن أنام جنبكما؟
تنهدت سميرة بأسى، ولم ترد، حاولت النوم، عاندها لبعض الوقت، بعد مدة لاحظت أن «كمال» قد انتظمت أنفاسه، وراح فى النوم، وهو يحيط سيف بذراعه محتضنًا، ارتسمت ابتسامة على شفتيها، ودمعة تتسرب خلسة من بين جفنيها، مسحت الدموع بكفها، واسترخت ملامحها، وهى تراقبهما، ثم راحت بعدها تدريجياً فى نوم عميق».
ما سكت عنه السارد من تفاصيل بعض الشخصيات له دلالة عميقة، ما موقف «صلاح» عندما شكّ فى حمل زوجته الثاني، الذى ترافق مع فترة غيابه، وحضور صديقه «كمال»، بكاء الزوجة «سميرة» الحارق لما تغيّر من أحوال «صلاح»، ما من خبر فى الرواية عن ذلك سوى رحيل «صلاح» بأسرته: الزوجة والطفلين إلى بلد آخر.
ربما أدرك «صلاح» ما حدث، أو شكّ فى أبوته للطفلة الثانية، وربما الطفل الأول «سيف»، لكنه تعلق بهذه الأبوة التى وهبها له القدر فى مأساة أو تراجيديا حقيقية، فتمسك بالأبوة التى ربما لم يكن يستطيع أن يحققها فى ظروف عادية كما يتصور.
وربما فكر فى مصير الطفلين، وأمهما، ووجد أن الانتقام لذكورته لا يساوى ما امتلأت به نفسه من أحاسيس الأبوة، ودفء المرأة، والأسرة.
فالصمت هنا بلاغة من السارد لأنه ترك لنا أبوابًا لتأويل الشخصية وخاصة «صلاح» والبحث عن دوافعه وصراعه بين الذكورة والغفران.
مواجهة عنيفة
المساحة التى تتحرك فيها شخصية «سميرة» عميقة، وواسعة، ولها أبعادها المأساوية أيضًا، وأسئلتها التى لا تنتهي، فهل أرادت أن تحقق أمومتها فاغتصبتها اغتصابًا من حادث لقائها بكمال، لقد كانت أكثر وعيًا وتحكمًا منه رغم ترددها بين الممانعة والاستسلام لصوت الحس والشهوة، إنها كامرأة تريد البيت، والاستقرار، تريد الأطفال، وتريد لهم أبًا، فتواجه أسئلة «كمال» بعنف، عندما دخل حجرة الطفل «سيف»:
• ماذا تفعل هنا؟
- استدار منتبهًا ونظر إليها برجاء: سيف ابنى يا سميرة.
• إلى ماذا تريد أن تصل؟ هل أنت على استعداد لتحمل مسئوليته، وتربيته؟
- صمت مأخوذًا، أعادت سؤالها بتحدٍ:
• قل لى بصراحة، هل أنت مستعد لتحمل مسئوليته كأب مسئول؟
عندما استمر فى صمته سحبته من ذراعه إلى خارج الغرفة، وهى تقول: لا تخرب البيت علينا، سيف ابن صلاح يا كمال، اتركنا فى حالنا أرجوك.
مُشردٌ فى الأرض
تنتهى الرواية بمصير مؤلم، فقد تحول «كمال» بعد شعوره بالخوف من انتقام «صلاح» أو انتقام «سميرة» إلى إنسان مذعور، يخشى حجرته، ويتنقل من مدينة إلى أخرى، ومن فندق إلى آخر يطارده الخوف، يحوِّم أحيانًا حول بيت «صلاح» و«سميرة» وأحيانًا حول البيت القديم.
العمارة التى كان يعمل فيها أبوه، وكان يساعده، يتأمل الأمكنة يفكر فى «نادية» التى أحبها وأصبحت طبيبة وسافرت مع زوجها إلى الخارج، يفكر فى «سميرة» التى أخذت طفليه!! وسافرت مع زوجها «صلاح»، يشعر بالوحدة والضياع، وبأنه يعيش بلا أحد، بلا رفيق، بلا ابن، بلا رفيقة، وينتهى المشهد الأخير فى الرواية ليجسد مصير الشخصية الرئيسية فى القصة فيقول السارد: لم يعد مرة ثانية إلى تلك الغرفة التى لا يحمل لها ذكريات طيبة، سار هائمًا على وجهه.. ابتعد، فى آخر النهار يحط الرحال فى أى مكان، حديقة مهجورة، بجوار سور مدرسة أو أرض فضاء، ينام حتى الصباح، ثم يعاود الترحال.
«الفنار» رواية تصوّر حيوات نماذج إنسانية، وما يعتمل بداخلها من مشاعر، واضطرابات وما كان فى حيواتها من مفارقات ومواقف، من لحظات قوة، وضعف شكلت جوهر الشخصيات التى تنبض بالحياة، وتحاول التمسك بأحلامها، والدفاع عنها حتى النهاية فى واقع مأزوم يستلب منها الأمان، والشعور بالإنسانية، والعدالة.



