الأربعاء 28 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

نداءات ليلية فوق غابة استوائية

عندما ظهر الفضائيون عند نهر الأمازون



 

فى عمق الليل البرازيلى، حيث يتكاثف الصمت فوق الغابة الاستوائية ولا يكسره سوى طنين الحشرات ونداءات الكائنات الليلية، تشكلت وقائع ستغدو من أكثر فصول الظواهر الجوية غير المفسرة إثارةً للجدل فى التاريخ المعاصر.

البرازيل لم تظهر بوصفها ساحة شائعات أو رؤى عابرة فيما يتعلق بالأطباق الطائرة، بل كمسرح لوقائع مباشرة، فردية وجماعية، رافقتها تقارير رسمية، وتقاطعت عندها شهادات مئات المواطنين من خلفيات مختلفة.

هناك، بين كثافة الأمازون واتساع السيرادو وحيوية المدن الساحلية، تبدلت السماء من أفق مألوف إلى مصدر قلق وفضول وتدخل مؤسسى.

 وقائع هجمات كولاريس، أو ما يسمى ليلة الأجسام الطائرة عام 1986، وحادثة فارجينيا 1996، لم تبق حبيسة الملفات العسكرية، وصلت إلى الصحافة الدولية ودراسات الباحثين، لتستقر فى الذاكرة كأسئلة مفتوحة لم تجد جوابًا نهائيًا.

 الأشعة القاتلة

لفهم حادثة كولاريس، يقتضى الأمر معرفة سياقها الجغرافى والبشرى.

تقع جزيرة كولاريس فى ولاية بارا الشمالية عند دلتا نهر الأمازون حيث تلتقى المياه العذبة بمياه المحيط الأطلسى. فى عام 1977، كان يعيش فى المنطقة نحو ألفى نسمة، معظمهم من صيادى الأسماك فى مجتمعات مغلقة تعتمد على الاقتصاد الكفافى.

فى أغسطس من ذلك العام، بدأت تقارير غريبة تصل إلى مكتب العمدة فى ساو خوسيه دو كولاريس. الصياد مانويل جواو دى أوليفيرا فيلهو، البالغ من العمر 44 عامًا، والمتزوج والمقيم فى المنزل رقم 64 بشارع كارنيرو دى ميندونسا، يتنزه صباح أحد الأيام باتجاه الشاطئ برفقة بعض رفاقه، لقضاء يوم فى صيد الأسماك.

وقبل أن يصلوا إلى قواربهم، رأوا فوق شاطئ ريو نوفو جسمًا على شكل «مظلة» ثابتًا على ارتفاع نحو 4 أمتار عن الأرض، انبعث من أسفله ضوء أبيض ساطع، لم يكن بالإمكان سماع أى صوت منه فى المكان الذى كانوا يقفون فيه. ثم تحرك الجسم بعيدًا بصمت مماثل باتجاه ماتشادينيو، وأطفأ الضوء أثناء ابتعاده.

وشاهد النجار جواو دياس كوستا، وآخر صياد اسمه جواو دا كروز سيلفا، وكلاهما من بلدة كولاريس، «الكرات المضيئة» سيئة السمعة التى كانت تثير الخوف الشديد بسبب «انقضاضاتها المنخفضة».

رجل آخر من نفس البلدة اسمه زاكارياس دوس سانتوس باراتا، شاهد الكرات المتوهجة ليلتين متتاليتين.

فى المرة الأولى، ظهر الجسم قادمًا من جهة خليج ماراجو، ثم اختفى سريعًا باتجاه داخل جزيرة كولاريس.

وفى الليلة الثانية، حلقت كرة أخرى زرقاء اللون فوق ملعب كرة القدم المحلى. 

وقال زاكارياس: «أضاءت الكرة جميع الأشجار المحيطة بالملعب، ثم اختفت باتجاه مركز المدينة».

أما سيباستياو فيرنك ميراندا فقد وصف تجربته على النحو التالى: «كنت هناك مع زوجتى، بالميرا، أمام الكنيسة على الواجهة البحرية، عندما رأينا فى حوالى الساعة الثامنة مساءً ضوءًا برتقاليًا ساطعًا للغاية قادمًا من البحر باتجاه المدينة. وبينما كان يقترب، ارتفع، ثم تحرك بسرعة، واختفى».

وتعرض كارلوس كاردوسو دى باولا المقيم فى ترافيسّا ديودورو دا فونسيكا، لمواجهة أقرب مع «الأضواء». قال: «كان الجميع نائمين. كنتُ ما زلتُ أدخن سيجارتى الأخيرة عندما دخلت فجأةً كرةٌ ناريةٌ منزلنا قرب عارضة السقف. بدأت تدور فى أرجاء الغرفة، ثم اقتربت أخيرًا من أرجوحتى. امتدت على ساقى اليمنى.. راقبتها بفضولٍ شديدٍ وهى تنتقل إلى الساق الأخرى. ثم بدأت أشعر بالضعف والنعاس. سقطت سيجارتى من يدى، واستعدتُ وعيى وأطلقتُ صرخةً. اختفت الكرة النارية بسرعةٍ واستيقظ الجميع. أعتقد أنها كانت تبحث عن وريدٍ فى جسدى لكنها لم تنجح. ومع ازدياد سطوعها، شعرتُ بنوعٍ من الحرارة تنبعث منها».

ووصف رايموندو كوستا ليتى، المعروف فى بلدة كولاريس بمهارته فى صنع وإصلاح شباك الصيد، تجربته الخاصة قال: «فى حوالى الساعة الرابعة صباحًا، ذهبت مع صديقى «بايكسينيو» للصيد من شاطئ كاجويرو. وكما أتذكر، صرخ «بايكسينيو» قائلًا: «انظر!» «ها هو ذا!» ثم انطلق هاربًا، تاركًا إياى وحيدًا على الشاطئ. 

 

 

 

كان المنظر مركبة بحجم وشكل طائرة هليكوبتر، صامتة تمامًا، وتحلق على ارتفاع شاهق. لو كان معى سلاح، لكان بإمكانى إطلاق النار عليها. شعرتُ برعب شديد عندما سلطت المركبة ضوءًا كاشفًا على الشاطئ. كان الضوء يمسح الأرض، وينير كل شيء كان مائلًا للزرقة. سهّل عليّ رؤيته لأن المركبة كانت مزودة بعدة أضواء حمراء صغيرة أسفل مقدمتها».

أضاف: «بدا أن المركبة تبحث عن شيء ما على الأرض. خشيت أن تلمسنى، ورغم حالتى البدنية المتردية، تمكنت من الركض لمسافة لا بأس بها، ثم عاد «بايكسينيو» وساعدنى. كان الجسم قد أتى من جهة البحر واتجه نحو الجزء الداخلى من الجزيرة».

ما قالته الطبيبة

ويلايد سيسيم كارفاليو، المسئولة عن الوحدة الصحية الوحيدة فى المنطقة، فى توثيق الحالات بعد تزايدها وحفظ أوراقها ابتداءً من سبتمبر 1977، وصفت فى مذكراتها المسجلة، ما يقرب من أربعين حالة ممن تعرضوا لاقتراب الأجسام الطائرة بأنهم أصيبوا بحروق غير مألوفة، لم تكن تشبه الحروق الناتجة عن النار أو الماء الساخن، كانت مشابهة للحروق الناتجة عن الكوبالت. كما لم يكن هناك ألم فى المناطق المصابة، قالت إنها غالبًا ما كانت تجد، أثناء علاج الضحايا، ثقبين صغيرين متقاربين جدًا فى منتصف الحروق تقريبًا. فيما قال الناس إن جزءًا من دمائهم قد سُحب، أو جزءًا صغيرًا منه، ولذلك أطلقوا على هذه الظاهرة اسم تشوبا تشوبا.

أمام تصاعد البلاغات، أرسلت القوات الجوية البرازيلية النقيب أورانجى هولاندا إلى المنطقة فى أكتوبر 1977. مهمته الرسمية كانت التحقيق فى الظواهر الجوية غير العادية والإبلاغ عنها فى عملية كشفتها الصحافة فيما بعد وأطلقوا عليها اسم «عملية الصحن».

كوّن هولاندا فرقة من بعض أفراد الاستخبارات مسلحين وكاميرات وأجهزة تسجيل حيث قضت تلك الفرقة أربعة أشهر، فى كولاريس والقرى الأخرى بمقابلات مع السكان.

خلال التحقيق، سجل الوكلاء أكثر من مائتى مشاهدة للأطباق الطائرة، وقال هولاندا إن فريقه التقط أكثر من خمسمائة صورة وأكثر من ثلاث ساعات من أفلام الحركة للأجسام الطائرة المجهولة.

 لماذا أوقفوا العملية؟!

فى ديسمبر 1978، توقفت عملية الصحن فجأة، ونقل النقيب هولاندا إلى منصب إدارى، وصودرت المعدات، وصنف الملف سريًا للغاية.

وفى الأعوام التالية أعيد الجدل أكثر من مرة حول تلك العملية عندما تسربت ثلاث دفعات من الوثائق أعوام 1991 و1997 و1999.

شملت هذه التسريبات أربعمائة صفحة، فيها صور لأجسام طائرة مجهولة مع معلومات تعريفية ورسومات على ظهور الصور.

بعد صمت طويل، قرر هولاندا أنه لم يعد ملتزمًا بالصمت وحكى ما شاهده قبل تقاعده حتى توقفت العملية.

وعام 2005، كانت المحطة الفاصلة أن اعترف ثلاثة جنرالات كبار فى اجتماعات مع علماء الظواهر فى المقر العسكرى فى برازيليا أن القوات الجوية كانت قلقة منذ فترة طويلة بشأن الأجسام الطائرة المجهولة، خصوصًا بعد أن أفرجت القوات الجوية البرازيلية عن ألف وتسعمائة وسبع وخمسين صفحة من وثائق كولاريس، تؤكد أن الأجسام ظهرت فعلًا بذكاء فى الحركة، وأن التأثيرات الفسيولوجية على السكان حقيقية.

النقيب هولاندا نفسه، عندما سُئل لاحقًا عن غرض الأجسام الطائرة المجهولة، أجاب باستنتاج شخصى؛ إذا كنت مكانهم ووضعت نفسى مكانهم، كنت بحاجة إلى ظهور صريح ومباشر.

 لغز آخر

 كانت حوادث كولاريس ظلت لغزًا، لم تتكشف أسراره، بالتوازى مع  لغز آخر.. جرت وقائعه فى البرازيل أيضا. بداية اللغز الثانى بدأت ليلة التاسع عشر من مايو 1986، حيث شهدت البلاد واحدة من أبرز حوادث الرصد الجوى غير المألوف فى تاريخها. 

بدأت الليلة بشكل عادى فى مراكز المراقبة، حين لاحظ المراقب سيرجيو موتا دا سيلفا فى مركز ساو خوسيه دوس كامبوس شيئًا غريبًا على شاشة الرادار.

فى حديث لاحق لصحيفة إيستاداو دى ساو باولو، وصف سيرجيو كيف ظهرت النقطة فجأة، وكانت أكبر من طائرة تجارية، لكنها تتحرك بسرعة ألف وخمسمائة عقدة، ثم توقفت فجأة وغيرت الاتجاه بزاوية تسعين درجة، وهو ما اعتبره مستحيلًا طبقًا لقوانين الفيزياء المعروفة.

 

 

 

بعد خمس وأربعين دقيقة، أصدرت القيادة الجوية أمر الإقلاع، وكان الملازم كليبر كالداس مارينيو فى كابينة قيادة طائرة ميراج عندما رأى الجسم لأول مرة، وهو ضوء أبيض ساطع لا يصدر صوتًا، يبتعد بسرعة هائلة كلما اقتربت منه، وحاول مطاردته لعشرين دقيقة لكنه كان يتفوق على طائرته فى كل مناورة.

صحيفة جورنال دو برازيل نشرت فى اليوم التالى شهادات خمسة طيارين، وقال الملازم مارينيو الذى أكد أن الجسم تجاوز سرعة الصوت بدون أن يحدث فرقعة صوتية، والكابتن أرماندو سوزا الذى شاهد تشكيلًا من سبعة أجسام تطير فى تناغم تام.

أما النقيب رودولفو سوزا فقال إنه لاحظ أن الرادار كان يظهرها ولكنها تختفى وتظهر فى أماكن مختلفة.

ما جعل هذه الليلة فريدة هو تعدد الشهود والوسائط، حيث رصدت مراكز المراقبة فى برازيليا ثلاث عشرة نقطة غير معروفة، وفى ساو باولو سبعة أجسام تتجاوز سرعة الصوت، وفى ريو دى جانيرو فقدان الاتصال مع طائرة بسبب التشويش.

الطيارون التجاريون مثل أوسكار موريرا من طائرة «فاريج» الرحلة 169 أبلغ عن جسم مضيء يرافق الطائرة لمدة عشر دقائق، بينما شاهد راكبان فى طائرة «تام» الرحلة 283 أجسامًا دائرية، ونشرت الصحيفة قائمة بمائة وسبعة وأربعين شاهدًا مدنيًا. 

وانفجرت التكهنات فى الرأى العام البرازيلى، وعقد وزير القوات الجوية أوتافيو موريرا ليما مؤتمرًا صحفيًا اضطر فيه للحديث، بدا الوزير جادًا وواقعيًا ولم يحاول التقليل من أهمية ما حدث.

قال إن الحقيقة أنه تم رصد واحد وعشرين جسمًا مختلفًا، وأن هذه الأجسام ليست طائرات مدنية أو عسكرية معروفة، وأن الأطقم الجوية التى حاولت تتبع بعض الأجسام تعاملوا مع ظاهرة مادية حقيقية.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا بعنوان البرازيل تعترف: أجسام غريبة تجتاح سماءها، كتب فيه الصحفى جون نوبل ويلفورد أن هذه أول مرة تقر فيها حكومة بمثل هذا الحجم من المشاهدات دون اللجوء إلى تفسيرات تقليدية.

التقرير الرسمى للقوات الجوية، المكون من خمسمائة صفحة، ظل سريًا لسنوات، لكن الصحفى بوب بريت حصل على نسخة مسربة ونشر ملخصًا فى كتابه، من أبرز نقاطه أن بعض الأجسام وصلت سرعتها إلى خمسة عشر ماخ، وأنها كانت تغير اتجاهها بزوايا تسعين درجة فى أقل من ثانية، وتختفى تمامًا من الرادار ثم تظهر فى موقع مختلف، وتتفاعل مع حركات الطائرات المطاردة.

وبعد عقد من الزمن تقريبًا، فى يناير 1996، جاء الحادث اللغز الثالث، عندما تحولت بلدة فارجينيا الصغيرة فى ولاية ميناس جيرايس جنوب شرق البرازيل من هدوء إلى ذعر جماعى.

تقع فارجينيا على ارتفاع حوالى ثمانمائة وثمانين مترًا فوق مستوى سطح البحر. وعلى بعد حوالى ثلاثمائة كيلومتر جنوب بيلو هوريزونتى، عاصمة الولاية.

فى منتصف التسعينيات، بلغ عدد سكان فارجينيا حوالى مائة ألف نسمة، ويعتمد الاقتصاد المحلى على الزراعة خاصة إنتاج البن، إلى جانب الأنشطة الصناعية كالتصنيع وتجهيز الأغذية.

وفى ذلك العام كان قد أفاد طيار اسمه كارلوس دى سوزا برؤية جسم بحجم حافلة مدرسية، ينبعث منه دخان أبيض أثناء تحطمه بالقرب من مزرعة خارج المدينة. وذكر لاحقًا أنه عثر على حطام فى الموقع ورائحة غريبة.

بعد أسبوع دخلت الحادثة مرحلة جديدة عندما ادعت ثلاث شابات هن ليليان فاطمة سيلفا، وفالكيريا أباريسيدا سيلفا، وكاتيا أندرادى خافيير – أنهن رأين مخلوقًا يمشى على قدمين، يبلغ طوله حوالى متر ونصف المتر، فى قطعة أرض خالية فى المنطقة نفسها. وصفنه بأنه نحيف ذو بشرة بنية دهنية، ورأس كبير بشكل غير متناسب به ثلاثة نتوءات، وعيون حمراء كبيرة بدون بؤبؤ مرئى، وأرجل طويلة ووضعية توحى بالضيق أو الخوف.

قلن إن رائحة الأمونيا القوية كانت تنبعث منه، وهو جاثم بجانب جدار منخفض فى حالة من الارتباك بحركات بطيئة وتعبير وجه حزين أو خائف.

وفى وقت لاحق من نفس اليوم، تم الإبلاغ عن مشاهدات إضافية، بما فى ذلك من قبل أم وطفليها صادفوا كائنًا مشابهًا بالقرب من منزلهم، وشوهد أفراد من الجيش وإدارة الإطفاء وهم يفتشون المنطقة ويقبضون على كائن آخر مشابه.

تصاعدت حدة الجدل وعلامات الاستفهام بعد الحادثة مع مزاعم بتدخل عسكرى، شمل إقامة حواجز طرق، ونقل الكائنات التى تم أسرها إلى مستشفيات وجامعات محلية لفحصها، فيما نقل مواطنون إلى المستشفيات مصابون بعدوى حادة، وهو ما عزاه بعض الشهود إلى ملامستهم لبكتيريا مجهولة.

 

 

 

أجرى الجيش البرازيلى تحقيقًا خلص إلى أن المشاهدات كانت عبارة عن حالات تعريف خاطئة لرجل محلى مشرد ومعاق يُعرف باسم مودينيو، دون وجود أى دليل على وجود أجسام طائرة مجهولة أو كائنات فضائية، وبرر الوجود العسكرى كجزء من تدريبات روتينية.

لكن آخرين قدموا رواية مختلفة تمامًا.

وقاد المحامى وعالم الأجسام الطائرة المجهولة البرازيلى أوبيراجارا رودريجيز تحقيقات خاصة، وأجرى مقابلات مطولة مع شهود مختلفين وتحدث مع ممرضة فى مستشفى جنوب ميناس والتى وصفت نشاطًا عسكريًا غير عادى ووصول مريض مشوه تحت حراسة مسلحة.

تعاون رودريجيز مع آخرين، ونشر ما توصل إليه فى كتاب، مؤكدًا أن ما توصل إليه من إفادات تدعم فرضية وجود كائنات فضائية ظهرت فى البرازيل وتيقنت السلطات من ظهورها، لكن السلطات ما زالت تنفى، لا أحد يعرف لماذا؟!