الأربعاء 28 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

المغربية لطيفة لبصير لـصباح الخير:

الأبطال المثاليون لا يجذبون الجيل الجديد

فى مقطوعة موسيقية شجية تعزف على نياط  القلب، قدّمت الأديبة والدكتورة المغربية  لطيفة لبصير روايتها لليافعة «طيف سبيبة»، تلك الرواية التى بدأتُ قراءتها فى مطار الكويت الدولى وأنا فى انتظار الطائرة. التهمت نصفها قبل الصعود، بعد أن أهدتنا إياها صباح يوم المغادرة فى بهو الفندق الذى كنا نقيم فيه، عقب حضورى  ندوتها الثرية فى الرواق الثقافى ضمن معرض الكويت الدولى للكتاب فى دورته الـ48 التى انتهت مؤخراً.



  وحظيت لبصير بتكريم خاص فى إطار فعاليات المعرض،  كما كانت لها  جلسة حوارية تحت عنوان «أدب اليافعين والناشئة»، وحاورها  محمد شاكر  جراغ.  

 

 

 

حازت الندوة  إعجاب الحضور، سواء بموضوعها أو بطريقة إلقائها لمقتطفات من الرواية بأداء عذب مؤثر. كما عُرض خلالها فيلم قصير منفذ بالذكاء الاصطناعى يجسّد رسالة سبيبة للأطفال، وهو فى الأصل فصل من الرواية، لكنه قُدم بصريًا فى شكل فيديو قصير.

«طيف سبيبة» هى  الرواية الحائزة على جائزة الشيخ زايد فرع أدب الطفل والناشئة لعام 2025…

ومع أولى الصفحات عند القراءة، وجدت دموعى تنهمر حتى فقدت السيطرة على مزاجى الذى أحافظ عليه عادة أثناء السفر. طويت الرواية جانبًا وانشغلت بمشاهدة بعض الأفلام علّنى أخرج من ذلك الحزن الذى تحدثت عنه الكاتبة نفسها؛ إذ ذكرت خلال ندوتها أنها مرت بحالة اكتئاب أثناء كتابتها الرواية.

تأتى الرواية على لسان هبة، شقيقة راجى الطفل المصاب بالتوحد. ورغم أنها الأصغر، فإن وجود طفل مختلف فى أسرة تبذل جهدًا كبيرًا لرعايته قد سلبها حقها الطبيعى فى اللعب والسينما والزيارات العائلية مثل غيرها. حتى اسمها أصبح مقرونًا به؛ فلم يعد أحد يناديها باسمها، بل بـ«أخت راجى».

قدمت الكاتبة شخصية الساردة بصورة بعيدة عن المباشرة والنمطية والمثالية المصطنعة التى تزخر بها روايات اليافعين؛ إذ جعلتها إنسانة تتذمر وتملّ وتتمرد. أما سبيبة، فهى الدمية التى يصطحبها راجى معه فى كل مكان، يشدها من أذنيها، ترافقه إلى مراكز العلاج، ويتخذ منها وسيلة لتفريغ تكراراته، فهو طفل يعشق النمطية وإعادة الأفعال. حتى إن سبيبة نفسها أصبحت دمية مختلفة.

جاءت بعض فصول الرواية تحت عناوين مثل:

صديقان شاردان، راجى وسبيبة والصور، الأطفال يسخرون من راجى، ماما تشاهد أفلامًا، راجى يدخل الحمام بمفرده، سبيبة تذهب للمركز، سبيبة تحدق بعينين حمراوين. 

وعلى السطح تبدو هذه مجرد أسماء فصول، لكنها فى العمق تمثل رحلة علاج، أو بالأحرى رحلة معاناة لأسرة كاملة كان قدرها أن يكون طفلها مختلفًا. هنا الأدب قادر على أن يكون مساحة للشفاء ولفهم  مشاعر أسرة كاملة لا تدعى المثالية نجد الأم تمرض تنزوى والأب يغضب يصرخ... وأعتقد أن هذا هو مكمن الجمال ومبعثه.  

 

 

 

 

الدكتورة  لطيفة  لبصير روائية مغربية حازت على عدة جوائز بخلاف جائزة الشيخ زايد، فقد حصلت على جائزة القراءة ضمن شبكة تنمية القراءة للقراء الشباب عن مجموعتها  القصصية «يحدث فى تلك الغرفة»، كما تم اختيارها  امرأة قيادية ضمن الشراكة بين كلية الآداب بنمسيك بالدار البيضاء وجامعة كينساو الأمريكية.. هنا حوار معها.

 سألتها: 

■ كيف ترين دور أدب الناشئة فى الوطن العربي؟ وما هى مشكلات الكتابة له ومشكلات التلقي، والأفكار التى يتم طرحها عادة؟

- أدب الناشئة فى العالم العربى قدم أعمالا مهمة جدا سواء الكلاسيكية مع الرواد أو مع الأسماء الجديدة، لكن فى خضم هذه الأعمال ما زال هناك من يعتقد أنه يتوجه لناشئة لا تفقه أشياء كثيرة، وهذا غير صحيح ذلك لأن التطورات الرقمية وضعت فى أيدى اليافعين عوالم خارقة وخيالية وغرائبية أدخلتهم فى وعى آخر وعلى  مستوى آخر من التلقى. وفق هذا المعطى يجب احترام اليافعين وأفكارهم ويجب علينا أن نحدث مستويات أخرى من التلقى تؤطر أدب اليافعين بشكل مختلف ولعل الأدب العالمى فطن لهذا المستوى فأنتج أعمالا كبرى فى مستوى تلقى الناشئة فى العصر الحديث.

■ هل يجب أن يكون البطل مثاليًا فى أدب الناشئة؟ وما هو مفهومك عن القدوة التى يتمسك بها بعض الكتاب فى هذا النوع الأدبى؟

- البطل المثالى كان يغوينا ونحن أطفال، نحبه ونتعلق به مثل السندريلا والأميرة النائمة والسندباد البحري، لكن هؤلاء الأبطال لا يحققون الجاذبية للجيل الجديد. حين نرى الناشئة وهم يرغبون فى أبطال غير مثاليين يمكن أن يخطئوا ويرتكبوا جرائم، آنذاك نعرف بأن العهد المثالى قد انتهى لأننا فى عالم الآن يعرف العديد من الحروب والأزمات والأوبئة، لذا يرغب الناشئة فى أدب يشبههم كثيرا، يكون أبطاله قريبين من حياتهم اليومية، أعتقد أننا ينبغى أن نغير من مفهوم البطل النموذجى الذى سيقبله القراء بسذاجة.

■ يرى البعض أن أدب الناشئة يعانى فقرًا فى عالمنا العربي؛ هل تعتقدين أن الجوائز المخصصة له ستساهم فى خلق مكانة أفضل لهذا النوع الأدبى؟

- أختلف مع هذا الرأى  أدب الناشئة لا يعانى فقرا، هو يتقدم كثيرا وأصبحت هناك توجهات حديثة  وهو ما سيساهم فى انتشاره.  أعتقد أنه ينبغى أن يستقل كجنس أدبى ولا يكتفى بأن ينضوى تحت أجناس أخرى أصلية لأن قواعده مختلفة، فهو له قارئ ضمنى خاص يصنعه الكاتب كى يقف على الكلمة ووقعها والجملة ومدى تأثيرها، كما أنه ينبغى أن ينفتح على علماء التربية  وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، وأن يكون هناك استقطاب لكل هذه العلوم فى الإبداع، لذا أعتبره جنسا أدبيا خاصا 

ينبغى أن يحافظ على استقلاليته وقواعده.  

أعتبر أن وجود الجوائز الأدبية سيحفز على تطويره شرط ألا تكون الكتابة فقط من أجل الجائزة.

■ كيف ترين الجوائز بشكل عام؟ فهناك من يرى أنها قد تؤثر سلبًا على بعض الفنون لصالح فنون أخرى، مثلما حدث حين خصصت جوائز للرواية وظهرت روايات كثيرة بلا قيمة حقيقية؛ ما رأيك فى هذا الرأي؟

 

 

 

- نعم الجوائز الأدبية وخاصة الرواية التى أصبحت لها جوائز عالمية قد أثرت بشكل مباشر فى الاهتمام بالقصة القصيرة. هناك هجرة الأقلام من الشعر والقصة إلى الرواية بهدف الحصول على الجائزة، وهذا خلق أيضا تراكما غير جيد، إذ إن وفرة الأعمال لا تعنى الجودة أبدا والتاريخ هو مصفاة كل هذه الأعمال.

■ احكِ لنا عن دوافعك لكتابة رواية عن طيف التوحد، وما هى المشكلات التى واجهتك أثناء الكتابة؟ وكيف ساعدتك خبراتك العلمية والحياتية على فهم هذا الاضطراب النفسى والنمائى؟

- كتابتى لرواية طيف سبيبة تعود أولا بدافع الإحساس بالموضوع من خلال نماذج قريبة من وسطي، فقد كان هذا الطيف يؤرقنى إلى أن قمت ذات صباح وكتبت الصفحة الأولى خاصة أننى كنت أسمع أصوات صراخ طفلة مصابة بالتوحد لسنوات عديدة. بعد كتابة الصفحة فكرت جديا فى الاطلاع معرفيا على هذا الطيف التوحدى وبدأت أدقق فى المعرفة العلمية وأحدد طبيعته على أنه اضطراب سلوكى عصبى ينبغى اكتشافه فى السنوات الأولى كى يتم تصحيحه إذا لم يكن معقدا.  بعدها بدأت أزور المراكز الصحية وأحضر ورشات خاصة بالتوحد وأتعلم أشياء تجريبية كبرى حتى استوى الموضوع وكبر، آنذاك مررت للشق الفنى.

■ من هو جمهور أدب اليافعة؟ وعندما تكتبين لليافعة، هل يجب أن تكون اللغة بسيطة بما يكفى لإيصال الرسالة، أم لغة فنية ممتعة أيضًا؟

- هذا النص الروائي «طيف سبيبة» تم تلقيه بشكل جيد، وجمهوره الآن من السابعة إلى الثمانين من العمر وهذا سيقلدنى مسئولية أخرى بأننى سأكتب نصوصا أخرى ما دمت حققت هذا التواصل على مستوى التلقي، فالكتابة  لليافعين هى اختيار للكلمات والجمل ولكن أيضا احترام لمستوى الناشئة  لأنهم يدركون ما نكتب من خلال الأسئلة والبحث.

 

 

 

■ هل تعتقدين أن أدب الناشئة قادر على تشكيل وعى الأطفال والمراهقين بالقيم المجتمعية فى ظل جيل متهم بأنه لا يقرأ ومشغول بعوالم افتراضية؟

- نعم يمكن للعمل أن يشكل وعى الأطفال والمراهقين وهو ما  لمسته فى العديد من المؤسسات التربوية أو الجامعية، التى أصبحت تفرد للقراءة مكانًا آخر غير المكان الأكاديمى  كالقراءات الحرة والورش الأدبية مما يخلق جوًا أكثر حرية وإبداعًا وتقدم صورة أعمق للقراءة .

■ كيف تتابعين تفاعل اليافعين مع أعمالك؟ وهل تتغير طريقة الكتابة بعد معرفة ردود الفعل؟

- أتابع ردود أفعال اليافعين، وبالفعل أسئلتهم وفضولهم غير فى كتابتى   للعمل القادم،  لأن العمل الأدبى حين يكتب فى البداية ينتظر التلقى الذى من شأنه تغيير أشياء كثيرة وأنا أتعلم فى كل يوم من الناشئة وسعيدة جدا بهذا التفاعل.