السبت 22 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
صحافة المايسترو صلاح حافظ!

حكايات صحفية

صحافة المايسترو صلاح حافظ!

أظن أن الكاتب الكبير الأستاذ «صلاح حافظ» مايسترو الصحافة هو الصحفى الوحيد الذى لم يكترث أو يهتم بجمع مقالاته الصحفية ونشرها فى كتاب يحفظها من النسيان، كما يفعل غالبية الصحفيين!



وطوال مشواره الصحفى، لم يصدر من هذه المقالات سوى كتابين، الأول هو «انتصار الحياة» الذى يضم مقالاته فى «روزاليوسف» قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952، وما بعدها بقليل.

والثانى كتاب «دبرنا يا وزير» الذى نشره مسلسلا فى «صباح الخير»، ثم صدر فى كتاب عن «أخبار اليوم» بعد وفاته بقليل.

 

 

 

ولعل أكثر ما أعتز به فى مشوارى الصحفي ذلك الحوار الطويل الذى أجريته معه على مدى عدة شهور ونشره بحماس ومحبة الأستاذ «لويس جريس» رئيس تحرير «صباح الخير»، ثم صدر فى كتاب بعدها بعنوان «ذكريات صلاح حافظ: الصحافة والسلطان والغضب»، وكم كانت سعادة وفرحة الأستاذ «صلاح حافظ» لا حدود لها عندما ذهبت إليه فى بيته بالهرم حاملا معى عشرين نسخة من الكتاب له، لكى يهديها لمن يحب! وعندما طلبت منه نسخة هدية بإهداء منه كتب لى هذه السطور:

«أخى العزيز رشاد..

أهديتك هذه الذكريات شفويا، يسعدنى أن أهديك إياها تحريريًا.. مع شكرك على أنك وفرت علىّ جهد الكتابة وكتبتها أكثر شبابًا مما كنت سأفعل!

مع حبى.. «صلاح حافظ»

كانت سعادتى لا توصف بهذه الكلمات من مايسترو الصحافة، وما كان منى إلا أن أخرجت من حقيبتى كتابه «انتصار الحياة» وطلبت منه أن يكتب لى إهداء آخر، ووسط ابتسامة صافية كتب يقول:

«إلى زميلى العزيز رشاد كامل

لعله لا يكرر نفس أخطائى،

مع خالص مودتى، «صلاح حافظ».

ولا تنتهى الحكايات والذكريات معه وعنه، ولعل أهمها إصدار كتاب ««صلاح حافظ مايسترو الصحافة: مقالات ومعارك لها تاريخ» فى سلسلة تراث «روزاليوسف» وكان صاحب الفضل فى إصدارها المهندس «عبدالصادق الشوربجى»، رئيس مجلس إدارة «روزاليوسف» وقتها، وضم الكتاب مختارات مهمة ورائعة من مقالات «صلاح حافظ» فى مجلتى «روزاليوسف» و«صباح الخير».

 

 

 

كل مقال كتبه «صلاح حافظ» درس مهم لكل صحفى، فهو خلاصة تجربة رائعة من العمل الصحفى، وهو دائمًا يؤكد على فكرة الانحياز للقارئ وللقارئ وحده، وأعود إلى سطور ذات دلالة قالها لى:

 

- أنا عملت تقريبا فى كل صور الصحافة، حزبية وغير حزبية، واشتغلت فى صحافة تنظيم سرى هو «حدتو» وفى صحافة مدرسة وطنية مثل «روزاليوسف» وصحافة مدرسة إخبارية مثل «أخبار اليوم»، واشتغلت فى الصحافة وأنا أنتمى إلى الاتحاد الاشتراكى العربى (التنظيم السياسى وقتها) واشتغلت وأنا أنتمى إلى التنظيم الطليعى السرى الذى أنشأه «جمال عبدالناصر» والآن أعيش تجربة الصحافة الحزبية، وكما قلت لك: شاركت فى تأسيس صحيفة الأهالى، ومع ذلك فأنا لم أنضم أو أنتمِ لحزب من الأحزاب، ليس لأنى ضد الأحزاب أو لأننى لا أجد فيها حزبا يعبر عنى ولكن بعد تجربة طويلة جدا من الكتابة السياسية والأدبية وغيرها اكتشفت أن أنسب شىء للكاتب أن يكون مستقلا!

 

كلمة الاستقلال هنا ليس معناها عدم الانتماء إلى رأى أو إلى عقيدة وإنما عدم الالتزام بتشكيل حزبى حتى يكون الكاتب فيما يكتب معبرا عما يرى أنه الحق طول الوقت، لقد اكتشفت تناقضا مزعجاً جدا حتى بالنسبة للكاتب الملتزم، فأنت عندما تكتب ويكون لك قراء فهم يثقون بك وهنا يجب أن تكون أمينا معهم ولا تقول لهم إلا الحقيقة، وعندما تنتمى إلى حزب فأنت تلتزم بمواقفه 100 ٪ والحزب فى سلوكه اليومى قد يتخذ مواقف تكتيكية فى المسألة الفلانية، ويخطئ أحيانا ويصيب أحياناً.

 

فيجد الكاتب نفسه بين فكى كماشة، فهو يعتقد أن هذا الموقف خاطئ من الحزب لكنه عضو فيه ويجب عليه الالتزام بهذا الموقف والدفاع عنه.

 

وهذا معناه أن الكاتب يجب أن يدافع عن رأى الحزب الذى هو غير مؤمن به والذى قد يكون على خطأ، وقد يعتذر الحزب عنه فى المستقبل، وهنا المشكلة فعندما تكتب مدافعاً عن رأى الحزب وأنت تعتقد أنه غير صواب فقد قمت بخيانة قارئك! وثقة هذا القارئ.

 

والكاتب المستقل فى رأيى مفيد لأنه يرى الحقيقة.

 

وعن الصحافة وأحوالها، يقول بنفس البساطة والصدق:

مقومات نجاح أى صحيفة أو مجلة هى نفس مقومات الصديق الذى تسعد به جداً عندما يزورك لأنه يلبى عندك حاجات وإنك واثق أنه مخلص ولن يكذب عليك أبداً وحتى إذا نصحك بما تكره لا تغضبه منه لأنه يحبك ويريد مصلحتك!

والصحيفة الناجحة هى التى تقوم بدور الصديق الوفي، فمثلا تطلعك على الحقائق والأخبار، وتبحث لك عن إجابات التساؤلات التى تدور لديك، والصحيفة التى تتحلى بهذه الصفات تنتشر وتنجح لأن القارئ يبحث عنها ويقرؤها باهتمام.

والصحف تنجح بقدر ما يكون سيدها الوحيد الذى تخدمه هو القارئ ولا تبحث عن رد فعل ما تكتبه عند المسئولين أو الحزب إذا كانت صحيفة حزبية أو عند أى جهة لها قوة فى المجتمع.

إن دور الصحافة كأداة تنوير وإذاعة للحقائق هو الأصل الذى يضمن نجاحها فى خدمة أى رسالة سياسية صائبة، فالسياسة الصائبة هى التى تخدم أوسع الجماهير.

ولم يحدث أبدًا أن سمعت أو قرأت سطرًا للمايستروا صلاح حافظ يشتم مسئولا أو زميلا، كان عفّ اللسان والأسلوب، ولم يتاجر أبدًا بثمانى سنوات قضاها فى السجن زمن الرئيس جمال عبدالناصر، بل يقول:

إن تجربتى فى سجن الواحات ثمانية أعوام، قرأت فيها كل ما كنت أحبه وأحتاجه، كتبت أحسن إنتاجى الأدبى فى تلك الفترة، كتبت روايتين طويلتين هما: «القطار» و«المتمردون» وكتبت مسرحيتين هما: «الخبر» و«الغلطة» ومجموعتين من القصص القصيرة».

وما أكثر المقالات التى كتبها صلاح حافظ فى أخبار اليوم وآخر ساعة ومجلة الشرقية والثقافة العربية ولا تزال حبيسة الأرشيف حتى الآن!

صلاح حافظ أسطورة صحفية لن تتكرر.