الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايات 60 سنة صحافة الحلقة 78

وقائع الخلاف بين «هيكل عبدالناصر» و«أنيس الرئيس»!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

أنيس والسادات
أنيس والسادات

 

ماذا يجمع بين محمد حسنين هيكل وأنيس منصور؟

للوهلة الأولى سنقول: لا شيء.. فهذا كاتب سياسى وذاك كاتب غير سياسى. 

ومع أن السؤال غريب، لكن  - مع ذلك  - تتوفر له إجابة..

 فكلاهما عمل بالصحافة وحقق شهرة.. وكلاهما تولى منصب رئيس التحرير فى أكثر من صحيفة ومجلة.. 

والأهم - وهو موضوعنا الآن - أنهما عملا، فى مراحل زمنية مختلفة عشناها وتابعناها وتأثرنا بها وتضررنا منها، فى مهمة أو وظيفة لم يكن لها اسم رسمى.. يمكن أن نطلق عليها «المساعد الصحفى للرئيس».. كانت صحف بيروت تطلق على محمد حسنين هيكل لقب «هيكل عبدالناصر» بينما اشتهر أنيس منصور فى زمن حكم أنور السادات بلقب «أنيس الرئيس».. أو «جليس الرئيس» وهو وصف غير مسجل رسميًا لما قاما به من عمل - كل على حده - فالأول: هيكل، عمل عن قرب مع الرئيس جمال عبدالناصر.

والثاني: أنيس منصور.. وقع عليه اختيار الرئيس السادات ليقوم بالدور، بعدما عرضه على هيكل لكن هيكل اشترط حسب ادعاءات البعض، أن يشاركه فى الحكم، كما كان يزعم عن مشاركته عبد الناصر.. ما أثار ضيق السادات به. 

 

هيكل وعبدالناصر
هيكل وعبدالناصر

 

وبين هيكل ومنصور شهدت مصر وقائع لا تنسى.

 لقاء «الفالوجا»

حكاية هيكل وعبد الناصر قديمة تعود إلى سنة 1948 قبل ثورة يوليو بأربع سنوات وخلال حرب فلسطين التى شارك فيها الضابط جمال عبد الناصر وقاد فرقة عسكرية لمحاربة العصابات الصهيونية ووقع وفرقته فى حصار.. قام صحفى مصرى بزيارة الفالوجا المحاصرة فالتقى بالضابط الشاب الذى أصبح فيما بعد صديقًا شخصيًا له.

وعندما قامت الثورة كان محمد حسنين هيكل رئيسًا لتحرير مجلة «آخر ساعة».. ولم يكن يعلم شيئًا عن الثورة وتنظيم الضباط الأحرار السرى بقيادة صديقه جمال عبدالناصر!..

لكنه التقاه بعد ذلك.. ولم يكن الصحفى الوحيد الذى التف حول عبد الناصر فى ذلك الوقت من بدايات حكم الضباط الأحرار.. كان هناك مصطفى وعلى أمين.. وغيرهما، فلماذا تفوق عليهما هيكل الذى كان يعمل فى صحف دار أخبار اليوم التى يملكانها؟!

  طبعًا هذه وقائع لم أحضرها وعلمت بتفاصيلها عندما بدأت عملى الصحفى بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات، كان الأخوان أمين يتعاملان مع الثورة وزعيمها كمصدر للأخبار بينما كان جمال عبد الناصر يبحث عمن يوفّر له الأخبار.. وهو ما تنبه إليه هيكل منذ البداية، ونجح فى القيام به، أما مصطفى وعلى أمين فكانت هناك بعض الشبهات تحيط بهما وبتاريخهما الصحفى ما جعل الرئيس محمد نجيب يتخذ قرارًا باعتقالهما فى أول أيام حكمه.

 

أحمد بهاء الدين
أحمد بهاء الدين

 

ونجح هيكل أيضًا فى مساعدة جمال عبدالناصر على شرح أفكاره ومشروعه الثورى بأن تولى بنفسه كتابة وصياغة كتاب «فلسفة الثورة» الذى حمل اسم جمال عبدالناصر وأفكاره.

ويتردد أن لهيكل دوراً خفياً فى إبعاد منافسيه مصطفى وعلى عن عبد الناصر. ولم يمض وقت طويل حتى رأينا عبد الناصر يشترى جريدة يومية ويسلّمها لهيكل ليقوم من خلالها بمهمة شرح فكر الزعيم وسياساته وهى «الأهرام» التى لم تكن وقتها جريدة كبرى ولا تولى السياسة اهتمامًا كبيرًا ولها موقف مختلف فى كفاح الشعب ضد الاحتلال والملك والسياسيين الفاسدين فى الأحزاب. 

 هيكل و«الأهرام»

أما قصة احتكار هيكل و«الأهرام» لأخبار الدولة المهمة وتأثير ذلك سلبًا على باقى الجرائد اليومية فهى معروفة، والاجتماعات التى كنت كصحفى شاب، أشارك فيها فى نقابة الصحفيين مطالبين بوقف هذا الاحتكار المدمر للصحافة، وقد تناولتها من قبل وقام فيها أحمد بهاء الدين وكان نقيبًا للصحفيين وقتها بجهد مشكور مخاطبًا السلطات بتيسير أخبار الرئاسة لكل الصحف ورفع الرقابة.. لكن تم تجاهل هذه المطالب.. كان ذلك فى سنة 1967. 

وتضمنت رسالة بهاء ما معناه أن الأخبار ذات الطابع القومى المهم يفترض فيها أن تكون حقًا للرأى العام كله وبالتالى لكل قراء الصحف فلا ينفرد بها قراء صحيفة دون أخرى.

 ومعروف بعد ذلك بثلاث سنوات ما وقع من خلاف بين هيكل والسادات الذى تولى رئاسة الجمهورية، بعد وفاة عبد الناصر حيث قام بعزل هيكل من «الأهرام».

 بهاء الدين يمتنع

 وحاول السادات الاستعانة بأحمد بهاء الدين ليكون بديلًا عن هيكل فى مهمة «جليس الرئيس» والمتحدث باسمه، لكن الأستاذ بهاء لم يستجب لرغبة الرئيس الجديد، وإن كان بحكم صداقة قديمة جمعتهما خلال مهام سياسية شعبية كلفهما بها عبد الناصر، تحول كاتبنا القدير إلى ناصح أمين وكاتب لخطب الرئيس السادات. 

أما أنيس منصور فقد لجأ السادات للاستعانة به منذ اشتراكه معه فى الرحلة المفاجئة إلى إسرائيل فكان يكلفه بمهام دبلوماسية للتحاور مع الإسرائيليين.

وبعدها عهد إليه بمهمة إصدار مجلة أكتوبر، بعد أن امتنع أحمد بهاء الدين عن قبول القيام بهذه المهمة.

وفوجئنا نحن الصحفيين وكذلك جموع الشعب المصرى والعربى بأن أنيس منصور الصحفى اللامع الذى أمضى سنوات طويلة فى كتابة مقالات وكتب بعنوان «اعرف عدوك» تتناول مؤامرات إسرائيل والصهيونية على الأمة العربية والتحذير من هذا العدو الخطير، يتحوّل فجأة إلى داعية عالى الصوت للتطبيع مع إسرائيل بعد الحرب الوحيدة التى انتصرت فيها مصر على إسرائيل.

ولاقت دعوة أنيس منصور للتطبيع مع إسرائيل بدعوى أن السلام يمكن – من وجهة نظره – أن يساعد فى إقامة الدولة الفلسطينية، اعتراضات عديدة لكنه أنشأ صداقات عدة مع كتاب وصحفيين إسرائيليين يلتقيهم فى مكتبه فى «الأهرام»، ويجرون معه أحاديث صحفية تشيد به، تنشر فى صحفهم.

لم يسبق لى الالتقاء بالأستاذ هيكل أو الأستاذ أنيس، لكنى أتذكر دعوة تلقيتها للاشتراك مع مجموعة صحفيين تضم مصريًا وفلسطينيين وأردنيًا للقاء هيكل خلال إحدى زياراته العديدة للندن، فوجدتنى أفضّل الاعتذار عن المشاركة، ولما سئلت، باستنكار، عن سبب اعتذارى وقال لى الزملاء إنها فرصة نادرة أن نلتقى بأحد أهم الصحفيين المصريين والعرب.. أوضحت لهم الأمر، فأنا أعتقد أن هيكل أستاذ كبير فى الصحافة وله دور مهم فى تحديثها وتطويرها لا ينكر.. لكنه فى الوقت نفسه يعتبر من وجهة نظري، من أكبر من أساءوا للصحافة المصرية خلال احتكاره لأخبار الرئاسة، وما ترتب على ذلك من تدهور شديد فى باقى الصحف إلا «الأهرام» التى ارتفع توزيعها وزادت مواردها لانفرادها بالأخبار المهمة، كما تيسر لها استيراد أحدث الأجهزة والمطابع بدون جمارك.. وهذه مسألة خطيرة، فلو قابلته لواجهته بذلك، لكنى لم أرغب فى تحويل اللقاء إلى «عكننة».

ولهذا لم أحضر.

أما أنيس منصور، فلى معه حكاية مختلفة، فبعد صدور كتابي «سعاد حسني..سندريلا تتكلم» سنة 2002 وجدت صديقًا مشتركًا هو محمود صلاح رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة» وقتها، وأخبار الحوادث بعدها، يبلغنى أن الأستاذ أنيس يريد أن يحصل منى على نسخة من الكتاب، فوعدته بأن أحضر نسخة ونذهب معًا لأقدمها له بنفسي، لكن محمود عاد ليقول لى أن الأستاذ أنيس لن يتمكن من لقائى بسبب ظروف خاصة أعتقد أنها صحية، لكنه يلح فى الحصول على الكتاب، فلم أجد مفرًا من تسليمه نسخة لأنيس منصور الذى حقق شهرة كبيرة رغم أنه فى رأيي، يفتقد أى عمق فكرى مسئول ككاتب، مع تمتعه برشاقة العبارة. 

وفى الأسبوع المقبل نواصل