الفيضان ينبع من داخلنا إلى النيل
صباح الخير
كتب: سليمان شفيق
بالفعل، النيل ليس نهرًا يجرى بين شاطئين بالوادى، بل فى الحشا المصرى، وهو ما عبّر عنه الشيخ سيد درويش فى النشيد الوطنى من تأليف يونس القاضى: «بلادى... مصر يا أم البلاد / أنتى غايتى والمراد/ وعلى كل العباد / كم لنيلك من أيادى».
فالنيل شاهدَ حُزن إيزيس وفاضَ بدموعها، وشاهد دموع المصريين الأقباط الذين انتقلوا من الشهيد الفرعونى أوزوريس إله الخير- الذى قُتل على يد إله الشر ست- إلى الشهيد المصرى القبطى الذى قُتل على يد الطاغية دقلديانوس، وحتى النيروز، لتنتقل الاحتفالات بلون النيل وطعم الدموع من جيل إلى جيل.
فيضان النيل، وفاء النيل، المعروف لدى الأقباط باسم «أصبع الشهيد»، أو «رأس السنة القبطية» 15 أغسطس ويستمر أسبوعين، ارتبط الفيضان فى مصر القديمة بدموع الإلهة إيزيس وهى تبكى على زوجها أوزوريس الذى قتله إله الشر ست، وتوارث المصريون الأقباط الذكرى وحولوها إلى ما يُسمى «عيد الشهيد».
أعياد النيل أعياد دينية
ووفق ما كتب الدكتور القس داود مكرم- الباحث فى التراث القبطى- فى محاضرته «النيل فى التراث الشعبى القبطى» التى نظمها مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية، «نيل مصر ارتبط بالليتورجيا (الخدمة الطقسية الكنسية) حيث كان المصريون القدماء يحتفلون بسبعة أعياد للنيل، وبدخول المسيحية لمصر تحولت أعياد النيل إلى أعياد دينية، أشهرها عيد الملاك وعيد النيروز وعيد الصليب، لذلك يمكن أن نقول إن الأقباط « نَصَّروا النيل».
فصول السنة وصلوات النهر
ويمضى القس داود: المصريون قسّموا شهورالسنة لثلاثة أقسام مرتبطة بالنيل، هى: الفيضان والزرع، والحصاد، والتقويم القبطى اتخذ التقسيم نفسه وارتبط بصلوات وطلبات معينة يصليها الكاهن فى صلاة القداس الإلهى، ففى موسم الفيضان الذى يبدأ من 12 بؤونة إلى 9 بابه يصلى الكاهن قائلاً «تفضل يا رب مياه النهر فى هذه السنة باركها».
والموسم الثانى هو فصل الزرع أو البذر ويبدأ من 10 بابه حتى 10 طوبة ويصلى الكاهن خلال تلك الفترة قائلاً «تفضل يا رب الزروع والعشب ونبات الحقل فى هذه السنة باركها».
والفصل الثالث «موسم الحصاد» من 11 طوبة - 11 بؤونة يطلب خلاله الكاهن ويقول «تفضل يارب أهوية السماء وثمرات الأرض فى هذه السنة باركها».
وتابع القس داود مكرم، الحاصل على دكتوراه فى الموالد القبطية، بأن عيد الفيضان صار عيدًا لرئيس الملائكة ميخائيل بصفته المَلاك الواقف أمام عرش الله يشفع ويطلب من أجل بركة مياه النيل، وكانت تقام احتفالات كبيرة فى هذا العيد يحضرها حاكم البلاد والبطريرك القبطى الذى يذهب إلى النيل ليلقى فيه الصليب ويتسابق الشباب لالتقاط الصليب وإعادته للأب البطريرك، وصار كل يوم 12 فى الشهر القبطى هو عيد للملاك ميخائيل. وأضاف: إن مظاهر الاحتفال ببعض الأعياد الكنسية فى مصر قد ارتبطت بالنيل، ثم انحسرت هذه الاحتفالات وصارت تقام داخل الكنائس فيما يُسمى بالمغطس واللقان.
وكما يضيف الباحث عبدالمجيد عبدالعزيز فى «البشاير»: كان للأقباط العديد من الأعياد والمناسبات، التى يحتفلون بها كل عام، بعضها يرجع لأصول دينية مسيحية، وبعضها توارثوه من المصريين القدامى، إلا أن كثيرًا من هذه الأعياد بطل الاحتفال به مع مرور الوقت.
عيد الشهيد
وكانت مناسبة ما يعرف بـ«عيد الشهيد» أحد هذه الأعياد التى تم وقف الاحتفال بها فى زمن المماليك، حيث اختلط الاحتفال بهذا العيد بممارسات صاخبة رأى فيها أمراء المماليك سببًا كافيًا لمنعه.
ويوافق عيد الشهيد، الثامن من شهر «بشنس»، وهو الشهر التاسع من التقويم المصرى القديم، حيث يشهد بداية موسم الحصاد كل عام، ويوافق 16 من شهر مايو بالشهور الميلادية.
وحول ذلك يقول المؤرخ تقى الدين المقريزى فى كتابه «السلوك لمعرفة دول الملوك»،(إن الأقباط كان لديهم «تابوت» فيه إصبع ينسبونه لأحد شهدائهم، وكانوا يعتقدون أن النيل لا يفيض إلا إذا ألقى فيه هذا التابوت، وكان يتم إلقاء التابوت كل عام فى يوم الاحتفال بعيد الشهيد، حيث يتجمع فيه الأقباط من مختلف مناطق مصر، ويتوجهون إلى شاطئ النيل أمام شبرا للاحتفال وحضور إلقاء التابوت، ويشاركهم الكثيرون من أهل القاهرة من مسلمين وأقباط)..
ونتيجة لذلك، أمر الأمير بيبرس الجاشنكير، الذى كان بمثابة رئيس الوزراء فى سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فى عام 702 هجريّا، بإبطال ذلك العيد، ومنع رمى التابوت فى النيل، وأمر والى القاهرة بتنفيذ ذلك ومنع الناس من التجمع فى يوم الثامن من باشنس.
توت بداية السنة واكتمال الفيضان
وللنيل دلالات أخرى، حيث كان الفلاح المصرى القديم يتبع التقويم القبطى المعروف الآن فى زراعته، ولأهمية الزراعة عند قدماء المصريين اختاروا أول توت كبداية للسنة المصرية؛ لأنه يوافق اكتمال موسم فيضان النيل، وهو الموسم الذى يعم فيه الخير والبرَكة على الجميع وتزداد فيه خصوبة الأرض وتتضاعف المحاصيل.
حتى فى أقسى عصور اضطهاد الأقباط عصر الإمبراطور دقلديانوس، احتفظ المصريون بمواقيت وشهور السنين التى يعتمد الفلاح عليها فى الزراعة، مع تغييره وتصفيره لجعله السنة الأولى لحكم دقلديانوس = 282 ميلادية = 1 قبطية = 4525 توتية (فرعونية)، ومن هنا ارتبط النيروز بعيد الشهداء عند الأقباط المصريين، وهى ترتبط دائمًا بفيضان النيل، حيث يزورون الشهداء.
ويذكر المقريزى عن الاحتفالات بعيد النيروز أنه في «عصر الفاطميين كانت الدولة الفاطمية تحتفل بالعيد رسميّا، ويخرج المصريون «مسلمين وأقباطا» يحتفلون على ضفاف النيل وفى الحدائق ويذكرون الشهداء»، الذين نتمنى أن توضع لهم تماثيل فى محافظات مصر وفى ميادينها ليعرف الأجيال كم قدم آباؤهم وأجدادهم من تضحيات من أجل هذا الوطن، الذى اختلطت على ترابه دماء المصريين دون تفرقة، وهم الذين لا بُدّ أن يعرفوا أن الواقف فى ميدان التحرير المعروف بميدان الشهيد عبدالمنعم رياض، أن الشهيد كان يقود أبناء وطنه من المسلمين والأقباط دون تفرقة، وهم الذين سقطوا شهداءً بتقديم أرواحهم، فكان لمصر العبور والانتصار. •



