وليد طوغان
لا تختبروا صبرًا مصريًا
فى المنطقة دروب كثيرة.. وخطوب أكثر.
الأزمات جمة على نقاط مشتعلة على الخريطة.
تزيد الحرائق كل يوم.. لا تتناقص، بينما تظل مصر وحدها على الخريطة الدولة الناجية.
للنجاة أسباب تبدأ من حكمة فى التعاطى وروية فى القرار ورُشد فى القوة.
تعتمد مصر صبرًا استراتيجيًا كأساس فى التعامل مع خطوب الإقليم.
تتمسك مصر بسياسات رفيعة على جميع المحاور.
ويظل هناك من يعمل على اختبار الصبر المصرى مع كل خطب.
سبق أن كرر عبدالفتاح السيسى التحذير من اختبار الصبر المصرى.
صحيح الصبر المصرى استراتيجى.. لكنْ لمصر «عين حمراء» أيضًا عند المقتضى.
رسمت مصر، بالتوازى مع سياسة الصبر، خطوطًا حمراء على الخريطة.
سبق أن رفعت مصر اليد ملوحة بأقصى قدرات القوة غربًا فى ليبيا، وشرقًا على حدودها، وفى الجنوب عند أطرافها الاستراتيجية.
فرضت مصر خطوطًا حمراء فى الشمال أيضًا، وقتما اعتملت معارك الاقتصاد فى المتوسط بتوهمات فى الثروة أنهتها مصر بالتحركات الأسرع وبالعين الحمراء.
حادث دمياط محاولة جديدة فى سلاسل محاولات اختبار الصبر المصرى. لكن هذه دولة تتعاطى مع قراراتها بهدوء الأباطرة.
-1-
رغم تحذيرات مصرية متتالية ومتعددة ما زال هناك من يلعب بالنار.
كما لو أن اللهو على خريطة الإقليم آمن، وكما لو النيران لو تمادت سهل احتواؤها أو إطفاء حرائقها.
حذر رئيس الدولة المصرية من أن تفاقم الأوضاع وانفجار الثنايا سيطول الجميع، لأن لا أحد بعيدًا حتى ولو هو بعيد بالجغرافيا.
لا تغير مصر ثوابتها ولا يتغير حديثها.
تتكلم الدولة المصرية من منطلقات أكثر حصافة، وأعمق رؤية.
والموقف المصرى من بداية الحرب الدائرة الآن كان أكثر من جلى.
رفضت القاهرة التصعيد ودخلت وسيطًا نزيهًا لرأب الصدع انطلاقًا من يقين بأن الحروب من ذلك النوع ليست صفرية.
وبيقين أنه فى تلك النوعية من المعارك، لن يكون هناك فائز أو خاسر.
الجميع خاسرون.. والجميع إما متحمل لأوزار آخرين، وإما حامل صليب شخصى بمزيد من أسى.. ومزيد من تداعيات.
مع الوساطة، انحازت الدولة المصرية للأمن القومى العربى عمومًا وأمن الخليج خصوصًا وضد الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية.
لم تتوقف التحركات ولا الاتصالات ولا خطوط الدبلوماسية المكوكية، رغم محاولات التشويه، واعتياد التطاول، وبعض من نبرات حاولت التشكيك.
على كل لم يكن الدور المصرى أبدًا رد فعل.
لذلك استمرت القاهرة فى تعاطيها مع الأزمة، رغم محاولات دفعها لمعارك لا طائل منها، ومحاولات جرها إلى خطوب لا يمكن حسبان نتائجها ولا تداعياتها.
محاولات الدفع بمصر إلى المحيط الملتهب مفهومة ومعروف أهدافها ومعلوم أبعادها.
كلُ توقنه القاهرة.. وتفطن إليه.
يكفى أنه بعد ساعات من اندلاع المعارك «الأمريكية - الإيرانية»، تبين للأطراف كلها أنها ليست نزهة كما تصور بعضهم، وأن المسألة ليست مجرد مناسبة لاستعراض السلاح على شاشات التلفزيون وفى مقاطع الفيلرز فى نشرات الأخبار.
بالشواهد والأدلة تتحقق الرؤية المصرية يومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة.
أضافت النبوءات المصرية مزيدًا من زخم واضح على الأحداث، وكلما زاد الرصيد المصرى فى دفع المعادلات إلى الهدوء، تنامت محاولات الزج بالدولة المصرية إلى أتون هاوية حفرها البعض بالجرائم وزكاها آخرون بالغرور.

-2-
حادث دمياط واقعة فى سلسلة.
التفاصيل مختلفة لكن المنطلقات واحدة.
فى السنوات الماضية، أجهضت مصر بالقرار الرشيد محاولات الدفع إلى لهيب المعارك المسلحة فى الغرب وفى الشرق.. وإرهاصات فى الجنوب.
ثبات الدولة المصرية على مخططات الشيطان فى الشرق مثال.
على الحدود خلال الحرب فى غزة، تمالكت الدولة المصرية نفسها بعزيمة وإيمان، لتجهض وتتصدى لأكبر محاولة لإتمام مخطط للتهجير منذ بدأت القضية الفلسطينية.
مارست الأطراف على الجانب الآخر أقصى محاولات الاستفزاز وصلت إلى الخروق الواضحة للاتفاقات الموقعة.
عملت أطراف على الجانب الآخر، باللعب على محور إحداث الوقيعة بين القاهرة والأشقاء فى غزة.
اقتربت الاعتداءات سنتيمترات من الحدود الفاصلة، وتمادت فى المراوحة من أعلى لأسفل فى أحداث غير مسبوقة، احتواها كلها صبر مصرى من حديد، وفطنة رشيدة من فولاذ.
انتهت الأمور إلى ما أرادته القاهرة، ورسمته، ودفعت فى الوصول إليه.
اتفاق شرم الشيخ شاهد نصر، والاتفاق الذى تتبلور ملامحه مع حماس فيما يتعلق بالمرحلة الثانية فى غزة شاهد انتصار.
فى الغرب على الأراضى الليبية سبق أن مارست الدولة المصرية رايات السياسة إلى أقصى مدى وإلى أبعد المراحل إلى حين اقتضى الأمر رفع راية حمراء.
مرة أخرى، لم يحدث أن تعاملت الدولة المصرية من منطلق رد الفعل.. أو الفعل على الفعل.
تستهدف السياسة المصرية الحفاظ على استقرار منطقة، يعبث بها آخرون، وينثر بعضهم على جراحها ملحًا خشنًا، ويبقر آخرون بطنها بالمنجل بحثًا عن أمن مُدعى!
تعلم القاهرة يقينًا أنها صمام الأمان الأوحد والضامن الوحيد.. لزحزحة قطع الشطرنج من الانحراف نحو أعماق البراكين.
توقن القاهرة، بحكم ما فرضه التاريخ وأوجبته الجغرافيا، أن ثباتها هو الباب الأوسع للأمن، والبوابة الكبرى للاستقرار.
حتى مع الحرائق التى يزيد آخرون من صب مزيد من زيت على نارها. وحتى مع عبث صبيانى يأتى من أقصى الغرب، أو من خطوط التماس فى الشرق، فإن رشد دولة مصرية لا تعدم وسائل القوة هو الضامن الأكبر لعدم انفجار برميل الخام، الذى تتعالى نيران منه لتحجب ضوء الشمس عن الجميع.. شرقًا وغربًا.. وشمالًا وجنوبًا.
تتحرك مصر انطلاقًا من رؤى استباقية اختبرها الزمن، واختبرتها الأحداث ودللت عليها الشواهد.
تعزز مصر مكانتها كل ساعة فاعلًا رئيسيًا ومحوريًا فى معادلات الاستقرار الإقليمى. لدى القاهرة إدراك عميق لطبيعة اللحظة الراهنة، رغم محاولات متكررة لاختبار صبرها.
يظل حادث دمياط بعد استبيان كواليسه موضوعًا أمام قيادة رشيدة، قادرة على التعاطى معه وفق تقديرات خاصة تلملم بها القاهرة كل الخيوط، وتحسب معها كل الأرقام وتعود بروية معهودة للرسومات البيانية، وجذور التشابكات المعقدة فى مسار الصراع.
خطايا هؤلاء فى اختبار صبر القاهرة.. لا تُغتَفر، لكن ثبات القاهرة لا يُقهَر.
يكيدون كيدًا.. ونمهلهم رويدًا.