الأربعاء 8 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

السما أمان

 



«الدفاع الجوى».. عيون الوطن التى لا تنام

 

(حماة السماء.. وحائط الصد المنيع)..هم رجال قوات الدفاع الجوي، القوة الرابعة فى القوات المسلحة المصرية. يَحمون الحَاضرَ والمُستقبلَ، رمز الصمودِ، وعيونُ الوطنِ التى لا تنام.

وفى يوم 30 يونيو من كل عام يحتفلون بعيدهم السنوي، ذكرى ذلك اليوم الذى حطم فيه حائط الصواريخ المصرى الفانتوم الإسرائيلية، وكسر «اليد الطولى» لسلاح الطيران الإسرائيلى. احتفلنا معهم، واحتفينا بهم فى العيد السادس والخمسين، والتقينا الفريق ياسر الطودى قائد قوات الدفاع الجوي، وحدثنا عن نشأة السلاح، ودوره الفارق فى نصر أكتوبر 1973. فضلًا عن الثورة التكنولوجية التى شهدتها أسلحة الدفاع الجوى فى الآونة الأخيرة، وماترتب عليها من تحديث مستمر لتقنيات أنظمة الدفاع الجوى المصرى لتتماشى مع التطورات المتلاحقة فى تكنولوجيا وسائل وأسلحة الهجوم الجوى من خلال امتلاك أحدث الأنظمة والرادارات والمسيرات ومجابهة الحروب السيبرانية.

 

فى البداية أكد الفريق ياسر الطودى قائد قوات الدفاع الجوى أن أبطالِ سلاح الدِفاعِ الجَوى هم حُماةِ السماءِ، كانوا ومازالوا حائطَ الصدِ المنيعِ، الذى يَحمى الحَاضرَ والمُستقبلَ، فهم رمز الصمودِ، وعيونُ الوطنِ التى لا تنام، وأن حَائطَ الصواريخِ الذى بناهُ الآباء، سيظلُ قويًا مُتجددا، يُطوره الأبناءُ بأحدثِ أنظمةِ التسليحِ، وأنَ أجواءَ الوطنِ مُصانةُ ومحميةٌ برجالٍ فى أعلى درجاتِ الاستعدادِ..إرادتُهُم لا تَلين، لتبقى سماؤنا عَصيةً على كلِ طامعٍ.

وعن اختيار يوم 30 يونيو ليكون عيدًا لقوات الدفاع الجوي، أكد أنه فى هذا اليوم حدثت مُعجزةٍ عَسكريةٍ، سَطرهَا رجالُ الدفاعِ الجوى، حيثُ انطلقت الصواريخُ فى الثَلاثينَ من يُونيو عام 1970، لتُفاجئَ أحَدثَ طائرات العدوِ، التى تهاوت أمَامَ حائطِ الصواريخِ الذى بَناهُ رجالٌ أوفياءَ، أثبتوا للعالمِ أجمع أن السيطرةَ على المجالِ الجوى عقيدةُ راسخةٌ، وضمانةُ لنصرٍ مُبين.

 ميلاد القوة الرابعة

كشف الفريق ياسر الطودى أن نشأة الدفاع الجوى ترجع إلى عام 1937 بتشكيل وحدات من (المدفعية م ط - الأنوار الكاشفة)، واشتركت فى الحرب العالمية الثانية وحربى (1948، 1956) بمهمة توفير الدفاع الجوى عن المدن الرئيسية. وكان أبرز معاركها فى يونيو عام 1941 بمدينة الإسكندرية، حيث تمكنت من صد هجمة جوية مركزة لدول المحور بقوة (100) طائرة، وهذه كانت أول شهادة نجاح لسلاح الدفاع الجوى المصرى.

بعد ذلك، أظهرت حرب عام 1956 ضرورة تدبير أنظمة صواريخ من الاتحاد السوفيتى نتيجة قلة إمكانيات المدفعية، مقارنة بإمكانيات الطائرات فوصلت كتائب صواريخ (سام - 2) عام 1961 بأعداد محدودة، وشاركت فى حرب 1967 والتى كان أبرز دروسها المستفادة أهمية إنشاء قوات الدفاع الجوى كقوة مستقلة قائمة بذاتها، وصدر القرار الجمهورى رقم (199) فى 14 فبراير عام 1968 مُعلنًا مولد القوة الرابعة.

 

 
 
 
 

 

 

 بطولات نصر 73

 

وقال الفريق ياسر الطودى إن قوات الدفاع الجوى قامت بدور محورى خلال حرب أكتوبر المجيدة، نتيجة الخبرة اللى اكتسبها مقاتلوها من حرب الاستنزاف، وانضمت أنظمة دجو جديدة لها القدرة على مجابهة العدائيات الجوية المتفوقة كمًا ونوعًا فى ذلك الوقت. 

واعتبارًا من الساعة الواحدة والنصف ظهرًا يوم 6 أكتوبر، صدرت الأوامر بتواجد القادة فى مراكز القيادة على كافة المستويات، وفتح المظاريف التى تحتوى على بيانات الضربة الجوية المركزة الأولى لقواتنا بهدف تأمين طائراتنا فى رحلة الذهاب والعودة، وتم رفع أوضاع الاستعداد القتالى للمعدات، واعتبارًا من الساعة الثانية وخمس دقائق عبرت طائراتنا قناة السويس فى طريقها إلى أهدافها.

وفى تمام الساعة الثانية وعشرين دقيقة بدأت الموجات الأولى لجنود المشاة فى العبور، ونجحت قوات الدفاع الجوى فى تأمين موجات العبور. وفى تمام الساعة الثانية وأربعين دقيقة رصدت محطات الرادار طائرات العدو وهى تقترب، وانطلقت الصواريخ وتهاوت الطائرات المعادية وتحطمت منذ الساعات الأولى للمعركة أسطورة التفوق الجوى الإسرائيلى بتدمير أكثر من (25) طائرة بالإضافة إلى إصابة أعداد أخرى وأسر عدد من الطيارين.

ونتيجة لذلك، أصدر قائد القوات الجوية الإسرائيلية اعتبارًا من الساعة الخامسة مساءً أوامره للطيارين بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة أقل من (15) كم. ونجحت قوات الدفاع الجوى فى توفير التغطية بالصواريخ لتجميعات الجيوش الميدانية، ونفذنا انتقالات شرقًا بما يتماشى مع تقدم القوات البرية لتعميق التغطية بالصواريخ.

واعتبارًا من صباح يوم 7 أكتوبر بدأ العدو الجوى فى مهاجمة الأهداف الحيوية بكل من شمال ووسط الدلتا والبحر الأحمر، وتمكنت تجميعات الدفاع الجوى من صد تلك الهجمات، وفى يوم 8 أكتوبر سطرنا صفحة جديدة فى تاريخ الدفاع الجوى بعد أن استهدف العدو مدينة بورسعيد بهجمة جوية مركزة بقوة (50) طائرة، ونجحت وسائل الدفاع الجوى فى التصدى لها، رغم وجود خسائر وأعطال فى كتائب الصواريخ.

وفقد العدو الجوى خلال الثلاثة أيام الأولى من الحرب ما يقرب من ثلث طائراته، وأكفأ طياريه الذى كان يتباهى بهم. وفى رابع أيام القتال أعلن المسئولون فى إسرائيل أنهم عاجزون عن اختراق شبكة الصواريخ المصرية.

واعتبارًا من صباح يوم 11 أكتوبر أعاد العدو الهجوم على مدينة بورسعيد بقوة (66) طائرة كانت تطير مطمئنة على ارتفاعات عالية، حيث اعتقد العدو أنه نجح فى إسكات وسائل الدفاع الجوى بالمنطقة، وصدرت الأوامر بعدم الإشعاع على الطائرات وبدخولها منطقة الاشتباك أطلقت كتائب النيران عشرات الصواريخ وتساقطت الطائرات وسط هتاف شعب بورسعيد.

وبذلك نجحت قوات الدفاع الجوى خلال الحرب فى تكبيد العدو خسائر بلغت (326) طائرة، وأسر (22) طيارًا لتنتهى الحرب بنصر عسكرى... وفرض خيار التفاوض ثم نصرسياسى، ودبلوماسى باسترداد سيناء وتعميرها.

 

ثورة تكنولوجية

وأكد الفريق ياسر الطودي أن الفترة الأخيرة شهدت ثورة جديدة فى الشئون العسكرية، وتحولًا كبيرًا فى إدارة العمليات العسكرية خلال الصراعات الحديثة، حدث تحول جذرى فى طبيعة الحروب، وانتهى زمن المعارك بأعداد كبيرة من القوات، وتغيرت موازين القوى نتيجة التطور التكنولوجى والاستخدام الموسع للذكاء الاصطناعى فى الحروب ومنها: العمليات النفسية (نشر الدعايا / التضليل / التأثير على الرأى العام)، تحليل البيانات / توجيه الأسلحة والمسيرات / دعم عملية اتخاذ القرار، الهجمات السيبرانية، إدارة اللوجيستيات، وتطوير أنظمة الدفاع الجوى.

الأمر الذى غير أنماط الصراعات من الحروب التقليدية إلى حروب ذكية، ومنح الجيوش تفوقًا غير مسبوق فى القدرات القتالية، وأصبح ميزان الردع بين أطراف الصراع معقدًا للغاية. 

وعليه فإن هذه الثورة كان لها انعكاس فى تطور التهديدات الجوية، ومن أبرز التهديدات الحالية، الأسلحة بعيدة المدى والتى لها القدرة على تدمير أهدافها من مسافات هائلة حيث لم تعد المسافات الجغرافية تشكل حصنًا منيعًا ضد التهديدات المحتملة، الأمر الذى أدى إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة والأمن القومى. 

 

وهناك الصواريخ الباليستية والفرط صوتية: الصواريخ الباليستية التقليدية هى أسلحة متقدمة تجمع بين السرعة العالية، وتعدد طرق التوجيه تسير فى مسار مقوس ويمكن التنبؤ به.

وفى الآونة الأخيرة حدث تطور هائل للصواريخ الباليستية من خلال إطلاقها من الطائرات من مسافات كبيرة خارج مدايات الدفاع الجوى، فضلًا عن استخدام مركبات انزلاقية فرط صوتية (HGVs)... تنفصل عن الصاروخ وتنزلق نحو الهدف بسرعة تزيد على خمسة أضعاف سرعة الصوت وتتميز بالقدرة على المناورة.

 

واستخدام مركبات متعددة الرؤوس الحربية (MIRVs) وتستهدف مواقع مختلفة ويصعب التنبؤ بنقطة السقوط، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعى التى مكنتها من تعديل المسار تلقائيًا استجابةً لتهديدات الدفاع الجوى... والتعرف على الأهداف وتصنيفها وتحديد أولويات الاشتباك معها ودعم عملية اتخاذ القرار، وتوجيه الرؤوس الحربية المتعددة نحو أهدافها المنفصلة.

 

 

 

وأكد الفريق الطودى أن هذا التطور يعتبر تحديًا كبيرًا لأنظمة الدفاع الجوى الحالية التى تم تصميمها لاعتراض الصواريخ الباليستية ذات المسارات المتوقعة بتكلفة مرتفعة جدًا وجعل مستقبل الحروب مكلفًا جدًا وأكثر خطورة وتأثيرًا.

بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة فى الحروب الحديثة والتى أثبتت قدرتها على تغيير التوازنات وتحقيق أهداف الحرب بأقل تكلفة وكفاءة عالية، نتيجة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعى بالمسيرات مكنها من تنفيذ مهامها بشكل مستقل (استطلاع / تحليل بيانات/ اتخاذ القرارات/ الهجوم بشكل منفرد أو بنظام الأسراب).

وأضاف أن الحـروب الســيبرانية أصبحت باستخدام تقنيات الحواسب والإنترنت لشن هجمات إلكترونية ضد البنية التحتية والتى أصبحت ميـدانًا جديـدًا للصـراعات تـدور فـى العـالم الرقمـى وسلاحًا مستقلًا يحدد مسار الحروب فى عالم؛ أصبح فيه التفوق التقنى مرادفًا للسيادة السياسية والعسكرية، ما منح فاعلين أصغر قدرة أكبر لممارسة دور مهم عبر الفضاء السيبرانى؛ الأمر الذى يؤثر فى نظريات الردع الاستراتيجى.

 تحديث السلاح

وعلى ذلك، يضيف الفريق ياسر الطودى أن كل ماسبق يفرض علينا ضرورة التحديث المستمر لتقنيات أنظمة الدفاع الجوى لتتماشى مع التطورات المتلاحقة فى تكنولوجيا وسائل وأسلحة الهجوم الجوى من خلال: امتلاك أنظمة رادار حديثة فى مجموعات متكاملة لها القدرة على اكتشاف كافة العدائيات الجوية الحديثة مع دعمها بشبكات استشعار فضائية لاكتشاف وتتبع الصـواريخ الباليسـتية والفـرط صـوتية، والاعتماد على أنظمة دفاع جوى متعددة الطبقات تتميـز بخفة الحركة وسـرعة رد الفعـل وقدرات قتالية نوعية مع تزويدها بتطبيقات الذكاء الاصطناعى لتكون قادرة على اتخاذ قرارات سريعة فى بيئة شديدة التعقيد لمجابهة عدائيات متعددة ومتنوعة.

وأيضًا استخدام أنظمـة غير تقليدية لمجابهة المسـيرات بتكلفة منخفضة تُراعى البعد الاقتصادى وتعتمد علـى تكنولوجيـا الليـزر والطاقـة الموجهـة عالية القدرة ووسائل الإعاقة الإلكترونية بالإضافة إلى المسيرات التصادمية و«منظومات المدفعية م ط الحديثة» والتى تعمل بالذخائر الذكية.

وتطبيق أعلى معايير الأمان بمراكز القيادة والسيطرة، وتنظيم برامج تدريبيـة مكثفـة لأطقم القتال ورفع الوعى بمخاطر الحروب السيبرانية وتبادل الخبرات والتقنيات مع القطاع الخاص، والدول الشقيقة، والصديقة.

إلى جانب تطوير أساليب التعاون مع القوات (الجوية، البحرية) وعناصر الحرب الإلكترونية لوضع العدو الجوى تحت الضغط المستمر، وخداع الأنظمة التى تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعى نظرًا لاعتمادها بصورة أساسية على ما يصلها من بيانات يمكن تضليلها.

 البحث العلمي

وأشار الفريق الطودى إلى أن مركز البحوث الفنية والتطوير للدفاع الجوى هو المحرك الرئيسى لمنظومة التحديث والتطوير لأنظمة الدفاع الجوى والذى يضم كوكبة من الضباط المتميزين الحاصلين على درجة (الماجستير، الدكتوراة) داخل وخارج مصر، وقد اعتمدنا استراتيجية متكاملة للمحافظة على أنظمة ومعدات الدفاع الجوى الحالية وتوطين التكنولوجيا والتصنيع العسكرى من خلال: إيجاد حلول لإطالة الأعمار ورفع الكفاءة وحل المشكلات الفنية وتوفير البدائل لقطع غيار أنظمة الدفاع الجوى.

وتطوير العمل البحثى بالاستفادة من الإمكانيات العلمية المتوفرة فى المراكز البحثية للقوات المسلحة والجهات المعنية بهدف امتلاك تكنولوجيا تصنيع دفاع جوى، والتصنيع المشترك لأنظمة ومعدات الدفاع الجوى بالتعاون مع الشركات العالمية والاستفادة من القاعدة الصناعية بكل من وزارة الإنتاج الحربى، الهيئة العربية للتصنيع، واتحاد الصناعات المصرية للوصول إلى عمق تصنيع بنسبة 100% تدريجيًا. فاستطعنا تصنيع رادار، مراكز قيادة وسيطرة، أنظمة تعارف مؤمنة، طائرات هدفية، وأنظمة مجابهة الطائرات الموجهة بدون طيار.

وفى نهاية حديثه فى الذكرى الـ56 لعيد الدفاع الجوى طمأن الفريق ياسر الطودى - قائد قوات الدفاع الجوى الشعب المصرى على سماء وطنه، مؤكدًا أن أبناءهم من رجال الدفاعِ الجوى، مسلحونَ بالعلم والإيمان، وأحدث نُظمِ التسليح، وفى أعلى درجاتِ الاستعداد القتالى على مَدارِ السَاعة، ومُستعدون للتَصدى لأى عدائيات بكُلِ حَسمٍ وقُوة.