تعديلات تشريعية للحماية الاجتماعية
إبراهيم جاب الله
تطوير التأمين الصحى الشامل وزيادة الأجور.. وإصلاحات ضريبية لتحفيز الاستثمار
فى وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمى موجات متلاحقة من الأزمات والحروب الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وصولًا إلى موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، تواصل الدولة المصرية تنفيذ رؤية متكاملة تستهدف تحقيق التوازن بين مواصلة الإصلاح الاقتصادى وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية بما يضمن الحفاظ على الاستقرار المالى للدولة، بالتوازى مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وذلك عبر إقرار حزمة حماية اجتماعية جديدة تطبق من أول شهر يوليو الجارى.
وخلال الأيام الماضية شهد مجلس النواب مناقشات موسعة انتهت بالموافقة على عدد من مشروعات القوانين المهمة التى تمثل ركيزة جديدة فى هذا المسار حيث شملت تعديلات قانون التأمين الصحى الشامل وإقرار حزمة جديدة لتحسين دخول العاملين بالدولة، إلى جانب تعديلات على قانون الضريبة على الدخل تستهدف تشجيع الاستثمار وتوفير بيئة اقتصادية أكثر جذبًا لرؤوس الأموال، وتعكس هذه التشريعات توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة متكاملة تجمع بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالى بحيث لا تكون الحماية الاجتماعية مجرد إجراءات مؤقتة وإنما سياسة مستدامة تعتمد على تنمية الموارد وتحقيق كفاءة الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادى.

ويأتى فى مقدمة هذه الخطوات تعديل بعض أحكام قانون التأمين الصحى الشامل الذى يستهدف توفير مصادر تمويل مستقرة للمنظومة الصحية باعتبارها أحد أهم المشروعات القومية التى تنفذها الدولة خلال السنوات الأخيرة، حيث يقضى التعديل باعتبار حصيلة المساهمة التكافلية إيرادًا ضريبيًا تتولى مصلحة الضرائب المصرية فحصه وربطه وتحصيله مع التزام الخزانة العامة بتحويل قيمته بالكامل وبصفة تلقائية إلى الهيئة العامة للتأمين الصحى الشامل بما يضمن انتظام التمويل واستمرار تقديم الخدمات الصحية دون تأثر بالتقلبات المالية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة لأنها تعزز الاستدامة المالية للمنظومة وتوفر ضمانات لاستمرار تقديم الخدمة الصحية بجودة مناسبة خاصة مع التوسع التدريجى فى تطبيق نظام التأمين الصحى الشامل فى المحافظات المختلفة، خاصة مع تأكيد الحكومة خلال جلسات مجلس النواب على سداد مستحقات التأمين الصحى بانتظام دون تأخير.
وخلال المناقشات البرلمانية أكد عدد من النواب أهمية وضع ضمانات قانونية تحافظ على أموال التأمين الصحى الشامل باعتبارها أموالًا مخصصة دستوريًا لهذا الغرض، وهو ما يعكس حرص السلطة التشريعية على توفير أعلى درجات الحماية للموارد المخصصة للرعاية الصحية، وأمام التخوفات البرلمانية حول موارد التأمين الصحى، طمأن وزير المالية أحمد كجوك النواب خلال الجلسات العامة، مؤكدا أن التعديلات لا تمس حقوق هيئة التأمين الصحى الشامل؛ بل تزيد من مواردها وأن وزارة المالية ستقوم بتحويل الحصيلة تلقائيا ودون أى استقطاعات بما يضمن استقرار التمويل واستمرار تنفيذ المشروع القومى وفقا للخطة الموضوعة.
العلاوة وتحسين الأجور
وبالتوازى مع تطوير منظومة الرعاية الصحية أقر مجلس النواب حزمة مالية جديدة تستهدف تحسين دخول العاملين بالدولة تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بمواصلة توسيع مظلة الحماية الاجتماعية ومساندة المواطنين فى مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتضمنت الحزمة منح علاوة دورية للعاملين المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 12% من الأجر الوظيفى بحد أدنى 150 جنيهًا شهريًا، وعلاوة خاصة للعاملين غير المخاطبين بالقانون بنسبة 15% من الأجر الأساسى بالإضافة إلى زيادة الحافز الإضافى بقيمة 750 جنيهًا شهريًا اعتبارًا من أول يوليو الجارى.
كما شملت الحزمة العاملين بشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام مع ضمان حد أدنى لإجمالى الدخل الشهرى وفقا للضوابط التى أقرها القانون بما يوسع نطاق الاستفادة ويعزز العدالة بين مختلف الفئات الوظيفية، ورغم وجود مطالبات نيابية بزيادة قيمة العلاوات وربطها بمعدلات التضخم فإن المناقشات أكدت أن الدولة تسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة بين تحسين مستوى المعيشة والحفاظ على الاستقرار المالى وعدم تحميل الموازنة العامة أعباء تتجاوز قدرتها خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية.
ولا تنفصل إجراءات الحماية الاجتماعية عن جهود الإصلاح الاقتصادى التى تنفذها الحكومة، حيث وافق مجلس النواب أيضًا على تعديلات بقانون الضريبة على الدخل التى تضمنت عددًا من الحوافز والتيسيرات التى تستهدف دعم الاستثمار وتشجيع الشركات على التوسع وتبسيط الإجراءات الضريبية بما يسهم فى زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، وخلال المناقشات تحت القبة، أكد النواب أن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يعتمد فقط على زيادة الإنفاق وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الاقتصاد على النمو وجذب الاستثمارات وتوسيع القاعدة الإنتاجية بما ينعكس فى النهاية على زيادة الإيرادات العامة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
تشريعات الحماية الاجتماعية
وأشار عدد من النواب إلى أهمية تطوير البيئة التشريعية للاستثمار وإعادة صياغة القوانين الاقتصادية بما يتوافق مع المتغيرات العالمية ويشجع الشركات المحلية والعالمية على ضخ استثمارات جديدة داخل السوق المصرية خاصة فى قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمى، كما تم التأكيد على أهمية دمج الاقتصاد غير الرسمى باعتباره أحد أهم مصادر توسيع القاعدة الضريبية وتحقيق العدالة بين جميع الممولين دون فرض أعباء إضافية على المستثمر الملتزم.
ويعكس هذا التوجه فلسفة اقتصادية تقوم على زيادة الإيرادات من خلال توسيع النشاط الاقتصادى وليس فقط عبر فرض أعباء جديدة بما يدعم استدامة المالية العامة ويعزز قدرة الدولة على تمويل برامج الحماية الاجتماعية، كما تعكس التحركات الحكومية والبرلمانية الأخيرة تأكيدًا على أن الحماية الاجتماعية لم تعد تقتصر على الدعم النقدى أو زيادة الأجور؛ وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل الرعاية الصحية وتحسين الدخول والإصلاح الضريبى وتشجيع الاستثمار وتوفير فرص العمل وغيرها.
هذه التوجهات ظهرت خلال مناقشات النواب للتشريعات الجديدة التى تعزز الحماية الاجتماعية مع توفير ضمانات لاستدامة التمويل، وشدد النائب مصطفى بكرى على ضرورة النص صراحة على حماية أموال التأمين الصحى الشامل لأنها أموال مخصصة دستوريًا لهذا الغرض ويجب أن تظل بعيدة عن أى استخدامات أخرى بما يضمن استمرار المنظومة فى أداء رسالتها، بينما اعتبر النائب محمد أبوالعينين أن الإصلاحات الضريبية الأخيرة تعكس تحولًا فى فلسفة الإدارة الاقتصادية من الاعتماد على زيادة الأعباء إلى تنمية الإيرادات عبر جذب الاستثمارات، مؤكدًا أن الاقتصاد القوى هو الضامن الحقيقى لاستمرار برامج الحماية الاجتماعية، كما دعا إلى صياغة تشريعات أكثر تحفيزا للاستثمار فى التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الرقمى.
وأكد النائب عاطف مغاورى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، أن نجاح برامج الحماية الاجتماعية يرتبط أيضا بتحقيق العدالة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمى وضمان توجيه الموارد إلى مستحقيها، وأن الإصلاح الاقتصادى لا يكتمل إلا إذا انعكس بصورة مباشرة على تحسين مستوى معيشة المواطنين.

موارد للتأمين الصحى
من جهته أكد النائب محمد عبد الله زين الدين وكيل لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب أن تعديل قانون الضريبة على الدخل لا يتعلق بفرض أى أعباء جديدة سواء على المواطن أو على المستثمر، مشيرا إلى أن تعديل القانون يأتى استكمالا لحزمة التشريعيات الضريبية التى تستهدف تيسير الإجراءات على الممولين وأن التسهيلات تؤكد أننا أمام عهد جديد بين الدولة والمستثمر للتخفيف عن كاهل الممولين، وفى الوقت نفسه زيادة الحصيلة الضريبية.
وأوضح فى تصريحات له أن التعديل هدفه فى الأساس تحديث الأحكام المنظمة للديون المعدومة والتصرفات العقارية والأوراق المالية المقيدة وغير المقيدة بالبورصة ومنح مزايا ضريبية جديدة للشركات القابضة والشركات الأم، وإلغاء بعض النظم التى لم تعد تتوافق مع التطورات الاقتصادية والتشريعية بما يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوق الخزانة العامة وتحفيز النمو الاقتصادى وجذب الاستثمارات، كما أكد أن منح المشروع إعفاء كاملًا بنسبة 100% لتوزيعات الأرباح التى تحصل عليها الشركات القابضة أو الشركات الأم من الشركات التابعة بدلا من 90% خطوة فى منتهى الأهمية لجذب الاستثمارات ولزيادة الثقة فى السوق المصرية.
وحول تعديل قانون التأمين الصحى الشامل، أكد أن التعديل يستهدف تحقيق استدامة الموارد المالية لمشروع التأمين الصحى الشامل فى الوقت الذى تتوسع الدولة فى تطبيقه فى عدد من المحافظات، كما لفت إلى أن إقرار العلاوة الدورية والمنحة الخاصة ضرورة لازمة فى ظل ارتفاع معدلات التضخم وتأتى حرصًا من الدولة على تمكين المواطنين من توفير الإمكانيات اللازمة لتوفير احتياجاتهم اليومية وتحقيق الحياة الكريمة لهم، موضحًا أن توجيهات الرئيس السيسى دائمًا واضحة فى هذا الشأن وهو العمل على تخفيف الأعباء عن المواطنين وإقرار العلاوة واحدة من بين الجهود التى تقوم بها الدولة من أجل دعم المواطنين وزيادة قدراتهم الشرائية، كما طالب بتشديد الرقابة على الأسعار وتفعيل دور الأجهزة الرقابية.



