الأربعاء 1 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

مصر عادت شمسك الذهب

كريم عبدالملاك
كريم عبدالملاك

حين لفظ المصريون مسار الشر والإرهاب



 

فى واحد من أهم خطاباته عام 2018 بمناسبة الذكرى الخامسة لثورة 30 يونيو، عبر الرئيس عبدالفتاح السيسى عن ذلك اليوم الخالد بتأكيده على أن الشعب المصرى العظيم قال كلمته بصوت هادر مسموع لينحنى العالم احترامًا لإرادته ويتغير وجه المنطقة ووجهتها من مسار الشر والإقصاء والإرهاب، إلى رحاب الأمن والتنمية والخير والسلام.

وهذا العام وبعد مرور  13 عامًا على ثورة 30 يونيو لم يعد النقاش حول تأثيرات الثورة داخل مصر فقط، باعتبارها نقطة تحول فارقة فى التاريخ؛ بل أصبح الحديث حول ما حققته الثورة من تأثير دولى أعاد تشكيل وجه المنطقة،  بعد ما تمكن الشعب المصرى من أن يغلق أى أبواب أمام سيناريوهات التفكك ليتغير المسار الإقليمى بالكامل، وهو ما جعل الثورة محل اهتمام باحثين وجهات دولية حول تأثيراتها على مصر والمنطقة والعالم.

 

ومثلت ثورة 30 يونيو نقطة تحول تاريخية تجاوزت حدود الدولة المصرية لتترك تأثيرا أكبر فى خريطة الشرق الأوسط ومعادلات الأمن والاستقرار الإقليمى والدولى.. ففى لحظة كانت المنطقة تعيش فيها واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا وسط انهيار مؤسسات دول وتصاعد التنظيمات الإرهابية وتنامى مشروعات الفوضى والتقسيم جاءت الثورة لتعيد رسم مسار الدولة المصرية وتحول دون سقوطها فى مصير مشابه لما شهدته دول أخرى فى الإقليم.

 

 

 

 مشروع الفوضى

قبل 30 يونيو كانت مصر تواجه تحديات غير مسبوقة تمس بنيتها السياسية والاجتماعية ومؤسساتها الوطنية، وتصاعدت حالة الاستقطاب السياسى بصورة حادة، وتزايدت المخاوف بشأن مستقبل مؤسسات الدولة وهويتها الوطنية فى ظل مشروع سياسى كان محاولة لإعادة تشكيل الدولة وفق اعتبارات أيديولوجية ضيقة، وفى 30 يونيو خرج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بتصحيح المسار واستعادة الدولة الوطنية  لتشكل  هذه اللحظة بداية مرحلة جديدة انتهت بإسقاط مشروع الجماعة الإرهابية للتمكين من السيطرة على المؤسسات ووضعت حدا لمحاولات تيارات الإسلام السياسى فى الهيمنة على مفاصل الدولة المصرية الأمر الذى انعكس بصورة مباشرة على المشهد الإقليمى بأكمله.

ما حدث فى الثورة مثَّل ضربة قوية لمشروعات كانت تستهدف إعادة رسم خرائط المنطقة على أسس طائفية وأيديولوجية، وفى الوقت الذى كانت فيه دول عربية عدة تواجه أزمات وصراعا مسلحا نجحت مصر فى الحفاظ على مؤسساتها الوطنية ووحدة أراضيها وتماسك جيشها وأجهزتها الأمنية، وأثبتت السنوات التالية أن الحفاظ على الدولة المصرية لم يكن مجرد انتصار داخلى بل كان عاملا حاسما فى حماية التوازن الإقليمى، وبينما تفككت جيوش وطنية فى بعض الدول وبرزت الميليشيات كقوى حاكمة حافظت مصر على نموذج الدولة المركزية القادرة على فرض الاستقرار وصون الأمن القومى.

 أحد أبرز التحولات التى أعقبت الثورة تمثل فى المواجهة الشاملة مع التنظيمات الإرهابية والمتطرفة التى حاولت استغلال حالة التحول السياسى لإرباك الدولة المصرية وزعزعة استقرارها، حيث خاضت مصر معركة طويلة ضد الإرهاب، خاصة فى سيناء نجحت خلالها فى تفكيك البنية التنظيمية للجماعات المتطرفة وتوجيه ضربات مؤثرة لشبكات العنف ولم تقتصر نتائج هذه المواجهة على الداخل المصرى بل امتدت إلى الإقليم بأكمله، وحينما نجحت مصر فى محاصرة الإرهاب منع ذلك تمدد التنظيمات المتطرفة إلى مناطق جديدة وأسهم فى الحد من أخطار كانت تهدد الأمن القومى العربى كما ساعد فى تقليص موجات الهجرة غير الشرعية والتسلل عبر الحدود التى ارتبطت بحالة الفوضى فى عدد من دول المنطقة.

وأعادت الثورة لمصر قدرتها على التأثير فى معادلات المنطقة بعد أن استعادت الدولة تماسكها واستقلالية قرارها السياسى، وخلال السنوات التى أعقبت 30 يونيو نجحت القاهرة فى إعادة بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية والإقليمية تقوم على الندية واحترام المصالح المتبادلة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، هذا التحول مكَّن مصر من استعادة دورها التقليدى كقوة توازن رئيسية فى الشرق الأوسط، وجعلها طرفا أساسيا فى الملفات الإقليمية الأكثر تعقيدا من ليبيا والسودان إلى القضية الفلسطينية، كما تبنت القاهرة رؤية واضحة تقوم على دعم الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة الأراضى ورفض تقسيم الدول وهى المبادئ التى انعكست على مواقفها من مختلف الأزمات الإقليمية.

 صناعة الاستقرار

بعد الثورة شهدت السياسة الخارجية المصرية تحولا نوعيا حيث اتجهت الدولة إلى تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على مختلف القوى العالمية شرقا وغربا بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز الاستقرار الإقليمى وأثمر هذا النهج عن استعادة مصر لمكانتها الدولية ونجاحها فى بناء علاقات استراتيجية مع قوى كبرى، فضلا عن تعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية والعالم العربى ومحيطها المتوسطى، ولعبت القاهرة دورا محوريا فى جهود التهدئة وتسوية النزاعات بالمنطقة الأمر الذى عزز من ثقة المجتمع الدولى فى قدرة مصر على الإسهام فى صناعة الاستقرار.

 

 

 

من أبرز مظاهر استعادة الدور الإقليمى المصرى ما يتعلق بالقضية الفلسطينية حيث رسخت القاهرة موقفا ثابتا يقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى ورفض محاولات التهجير أو فرض حلول تنتقص من حقوقه التاريخية، وخلال السنوات الأخيرة لعبت مصر دور الوسيط الرئيسى فى العديد من جهود التهدئة كما قادت تحركات سياسية ودبلوماسية وإنسانية واسعة لدعم الشعب الفلسطينى والتخفيف من معاناته، لتؤكد مصر أن السلام الحقيقى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حل عادل وشامل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو موقف عزز من مكانة مصر كطرف موثوق فى جهود تحقيق الاستقرار بالمنطقة.

 لم تقتصر آثار 30 يونيو على الجوانب السياسية والأمنية بل امتدت إلى إطلاق واحدة من أكبر عمليات البناء والتنمية فى تاريخ مصر الحديث، وبعد تثبيت أركان الدولة بدأت مرحلة تأسيس «الجمهورية الجديدة» التى قامت على رؤية شاملة تربط بين الأمن والتنمية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، وشهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية عملاقة فى مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والإسكان إلى جانب إنشاء مدن جديدة وعلى رأسها العاصمة الجديدة وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتوسيع شبكة الطرق والموانئ، كما امتدت التنمية إلى الريف المصرى عبر مبادرة «حياة كريمة» أو مبادرة القرن التى استهدفت تحسين جودة الحياة لملايين المواطنين بما يعكس توجها جديدا نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

وكانت هذه التحولات سببا فى صدور العديد من الشهادات الدولية التى اعتبرت ثورة 30 يونيو محطة مفصلية فى تاريخ مصر الحديث والمنطقة، ووصفت شخصيات سياسية وباحثون دوليون الثورة بأنها لحظة إنقاذ للدولة المصرية وأنها منعت انزلاق البلاد إلى الفوضى وحافظت على مؤسساتها الوطنية، كما اعتبر عدد من الخبراء أن الاستقرار الذى تحقق بعد 2013 مكن مصر من استعادة دورها الإقليمى والانطلاق فى تنفيذ مشروعات تنموية كبرى وتعزيز مكانتها كفاعل رئيسى فى ملفات الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، وهو ما يؤكد أهمية الثورة وأنها لم تقتصر على الداخل المصرى بل امتدت إلى محيطها العربى والإقليمى والدولى.

 تحول استراتيجى 

من جانبه أكد اللواء الدكتور رضا فرحات نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن ثورة 30 يونيو شكلت تحولا استراتيجيا غير موازين القوى فى الشرق الأوسط بصورة مباشرة وأفشل مشروعا إقليميا ودوليا كان يستهدف إعادة تشكيل المنطقة، من خلال إضعاف الدولة الوطنية وإسقاط مؤسساتها وإحلال الفوضى والتنظيمات محلها، مشددا على أن ما جرى فى مصر عام 2013 تجاوز كونه تغييرا فى المشهد السياسى الداخلى ليصبح نقطة فاصلة أعادت صياغة معادلات الأمن والاستقرار فى الإقليم بأكمله.

وأوضح فرحات فى تصريحات خاصة  لـ«صباح الخير» أن المخطط الذى استهدفت ثورة 30 يونيو إسقاطه لم يكن مرتبطا بمصر وحدها؛ بل كان جزءا من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول الوطنية وإضعاف الجيوش والمؤسسات وإشعال الصراعات الداخلية بما يخلق كيانات هشة يسهل التأثير عليها وتوجيهها،  لافتا إلى أن نجاح المصريين فى حماية دولتهم والحفاظ على مؤسساتها أسقط هذا المشروع، مشيرا إلى أن ثورة 30 يونيو وجهت ضربة حاسمة للتنظيمات المتطرفة والتيارات التى سعت إلى توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية، بعدما كانت تراهن على ترسيخ وجودها فى أكبر دولة عربية من حيث التأثير والثقل الاستراتيجى وسقوط هذا الرهان أدى إلى تراجع نفوذ تلك التنظيمات، وقلص قدرتها على التوسع.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن السنوات التى تلت الثورة أثبتت صحة هذا المسار حيث استعادت مصر قدرتها على حماية أمنها القومى وتعزيز قوة مؤسساتها وبناء اقتصاد أكثر صلابة وتنفيذ مشروعات قومية كبرى عززت من قوة الدولة الشاملة، وهو ما انعكس على مكانتها الإقليمية والدولية، كما أصبحت مصر عنصرا رئيسيا فى حفظ توازنات الشرق الأوسط، مشددا على أن ثورة 30 يونيو ستظل واحدة من أكثر الأحداث تأثيرا فى تاريخ الشرق الأوسط الحديث لأنها لم تحافظ على الدولة المصرية فحسب؛ بل أعادت رسم المشهد الإقليمى وأسقطت مشروع الفوضى الذى كان يستهدف تغيير هوية المنطقة وتقسيم دولها.

 

 

 

 

 نهاية الإرهاب

فيما قال ماهر فرغلى الباحث فى شئون الحركات الإسلامية فى تصريحات خاصة  لـ«صباح الخير»، إن ثورة 30 يونيو بالفعل غيرت وجه المنطقة، وحمت مصر والإقليم والعالم من الإرهاب، مشيرا إلى أنه عندما فشلت جماعة الإخوان الإرهابية فى السيطرة على البلاد لجأت إلى أخونة المؤسسات وتشكيل تنظيمات إرهابية واستعانت بجماعات صغيرة وتنظيمات أخرى، منها تنظيم الجهاد وحازمون وتنظيمات فى سيناء، وكانت الجماعة تزعم أن لديها  مشروعا لكنهم فشلوا فى ذلك، وروجوا لوجود جماعات إرهابية جديدة منها جماعات ألتراس رياضية، كما وظفوا عناصر شبابية منها فى العنف وارتكاب أفعال منها قطع الطرق ووقف المترو وحصار مدينة الانتاج الإعلامي.

وأضاف: عندما سقط حكم الإخوان رأينا جماعات تحمل أسلحة بالمظاهرات خرجوا بها فى الشارع بجانب قيام جماعة الإخوان بتشكيل تنظيمات إرهابية منها حسم ولواء الثورة التى ارتكبت أفعالا إرهابية مثل اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، وحادث تفجير سيارة مفخخة أمام معهد الأورام، مؤكدا أنه إذا لم تقم ثورة 30 يونيو لكان هذا يعنى استمرار حكم الجماعة ولحدثت هجرة من دول أخرى إلى سيناء ولأصبحت مصر مقرا لهذه التنظيمات وأداة لتهديد المنطقة والإقليم لكن الشعب المصرى بوعيه تصدى لهذه الجماعة وأنهى كل هذه المخططات.