روايات الأرض المباركة 2
ألغاز مكة المكرمة التى أثارت فضول أوروبا
عمرو محمد الغزالى
رحلات أبهرت الغرب وخالفت الأساطير الرائجة!
لطالما مثلت مكة المكرمة فى الوجدان الغربى لغزًا عصيًا على الحل، مدينة محاطة بأسوار من القداسة والسرية لا يمكن اختراقها. بالنسبة لأوروبا فى العصور الوسطى وعصر النهضة، كانت مكة هى المدينة المحرمة التى لا تطؤها أقدام غير المسلمين، هذا الأمر ولَّد فضولًا معرفيًا وجغرافيًا هائلًا، تداخلت فيه الرغبة فى الاستكشاف مع أهداف السياسة والتجارة والدين. فكانت دافعا محركا لعشرات المغامرين والرحَّالة الذين قرروا خوض غمار واحدة من أخطر التجارب الإنسانية؛ التسلل إلى قلب العالم الإسلامى متنكرين فى زى الحجاج.
فى القرن السادس عشر وما تلاه، كانت القوى الأوروبية فى حالة صعود وتوسع، الدولة العثمانية تمثل القوة العظمى المنافسة. مكة كانت المركز الروحى والسياسى لهذا العالم الشاسع.
السيطرة على المعلومات المتعلقة بمكة تعنى فهم ديناميكيات القوة فى الشرق.
فضول حول الحجر الأسود وبئر زمزم وعمارة المسجد الحرام.
خلف هذا الستار العلمى، كانت هناك أهداف سياسية واستخباراتية. القوى الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا كانت بحاجة إلى معرفة طرق القوافل، مدى ولاء القبائل، فهم الروح الجماعية التى تجمع المسلمين فى هذا الموسم العظيم
تبدأ القصة الحقيقية مع لودوفيكو دى فارتيما، مغامر إيطالى من بولونيا، قرر فى عام 1503 أن يكون أول أوروبى يصف مكة والمدينة من الداخل.
لم يكن فارتيما مستشرقًا بالمعنى الأكاديمى الحديث، كان مغامرًا بالفطرة يدفعه عطش لا يرتوى لرؤية العالم.
توجه فارتيما إلى دمشق، قضى وقتًا فى تعلم اللغة العربية وأساسيات الدين الإسلامى.
تنكر فى زى أحد المماليك، أطلق على نفسه اسم يونس. بفضل ذكائه وقدرته على التكيف، استطاع الانضمام إلى قافلة الحج الشامية الضخمة.
عند وصوله المدينة المنورة، كان أول من قدم وصفًا دقيقًا للمسجد النبوى وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، مصححًا الكثير من الأساطير التى كانت رائجة فى أوروبا حول القبر المعلق بمغناطيس.
فى مكة، انبهر بعظمة المسجد الحرام.
وصف الكعبة بدقة، تحدث عن الطواف والسعى، التجارة المزدهرة فى أسواق مكة.
روايته التى نشرت لاحقًا فى إيطاليا كانت بمثابة الصدمة المعرفية لأوروبا.
أما قصة جوزيف بيتس فتختلف.
بدأت بمأساة انتهت برحلة استكشافية فريدة.
بيتس بحار إنجليزى شاب وقع فى الأسر لدى القراصنة الجزائريين أواخر القرن السابع عشر.

بيع كعبد فى سوق النخاسة، انتهى به المطاف فى ملكية قائد عسكرى جزائرى.
أعلن بيتس إسلامه، ورافق سيده فى رحلة الحج عام 1680.
أصبح بيتس أول إنجليزى يزور مكة ويقدم وصفًا تفصيليًا لها باللغة الإنجليزية.
يميز رواية بيتس أنها كتبت من منظور شخص عاش داخل المجتمع المسلم كفرد منه.
وصف مشاعر الحجاج عند رؤية الكعبة لأول مرة، والبكاء والخشوع الذى ساد المكان.
قدم تفاصيل دقيقة عن عمارة المسجد الحرام، الحجر الأسود، جبل عرفات.
عاد لاحقًا إلى إنجلترا وإلى دينه الأصلى، مذكراته ظلت مرجعًا أساسيًا لفهم الحج فى القرن السابع عشر، اتسمت بالصدق فى الوصف والابتعاد عن المبالغات الخيالية التى كانت تسم كتابات الرحالة الآخرين.
بيتس أول أوروبى يتحدث عن قوافل الحج ــ الأربعة ــ ومكانة أمير الحج، والظواهر التى تميز كل قافلة والطرق التى تسلكها.
أربع قوافل كبرى للحج تصل إلى مكة من أنحاء العالم الإسلامي.
قافلة المغرب تنطلق من فاس ومراكش، ويجتمع فيها حجاج بلاد المغرب، ثم يواصلون طريقهم عبر مصر نحو الحجاز.
وأمير الحج يأمر بالتوقف فى المدن لإتاحة الفرصة لانضمام المزيد من الحجاج، فيستقبله الناس باحتفاء كبير، تتقدمه الأعلام والطبول، فيما تتزاحم النساء فوق الأسطح لمشاهدة الموكب والزغاريد تملأ المكان.
القافلة الثانية من مصر وصفها الرحالة باسم «ميسير» وفق نطق المغاربة، وتميزت بقوة حراستها وتنظيمها الدقيق، لذلك عُدت أكثر القوافل أمنًا وراحة، كما كانت تحمل كسوة الكعبة معها إلى مكة.
الثالثة فى الشام، وتضم حجاج الأناضول وبلاد الترك وكنعان وما حولها، وكانت تصل إلى الحجاز دون المرور بمصر.
أما الرابعة فهى القادمة من جزر الهند الشرقية، وتحمل بضائع نفيسة يقبل الحجاج على شرائها فى مكة.
هذه القوافل تتقارب فى موعد الوصول قبل عيد الأضحى بأيام قليلة.
وعند دخول مكة، يقود المطوف الحجاج إلى المسجد الحرام عبر باب السلام.
مع بداية القرن التاسع عشر، اتخذت الرحلات الاستشراقية طابعًا أكثر تنظيمًا وسياسية. دومينجو باديا، إسبانى مثقف، قدم نفسه للعالم باسم على باى العباسى، مدعيًا أنه أمير عربى من سلالة العباسيين نشأ فى أوروبا.
كان باديا يمتلك تمويلًا ضخمًا ودعمًا سياسيًا، يعتقد أنه كان يعمل لصالح فرنسا النابليونية.
وصل إلى مكة عام 1807 فى موكب مهيب، يحمل معه الهدايا والأدوات العلمية.
بسبب شخصيته القوية وثقافته الواسعة، استطاع كسب ثقة شريف مكة، وشارك فى غسل الكعبة المشرفة.
رواية على باى العباسى من أدق الروايات كما يقولون.
قام بقياس أبعاد المسجد الحرام بدقة رياضية، رسم خرائط تفصيلية، وصف الأوضاع السياسية فى الحجاز فى فترة مضطربة، تحدث عن صعود الحركات الإصلاحية فى نجد وتأثيرها على الحجاز.
ملاحظاته تتجاوز الوصف الدينى إلى التحليل السياسى والاجتماعى، جعلت تقاريره ذات قيمة هائلة للقوى الأوروبية التى كانت تراقب المنطقة باهتمام.
أما السويسرى جون لويس بوركهارت، المعروف بالشيخ إبراهيم، فكان واحدًا من أعظم المستشرقين الذين زاروا مكة.
بوركهارت عالم متمكن قضى سنوات فى حلب يدرس اللغة العربية والفقه الإسلامى حتى أصبح يفتى فى المسائل الدينية.
وصل إلى مكة 1815، وقت أن كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى.
ما يميز بوركهارت قدرته الفائقة على الملاحظة والتحليل. لم يكتفِ بوصف المناسك، إنما غاص فى تفاصيل الحياة اليومية.
وصف أسواقهم، طعامهم، عاداتهم فى الزواج والطلاق، لهجاتهم المحلية.
كتابه «رحلات فى شبه الجزيرة العربية» موسوعة حقيقية عن الحجاز الوحدة فى أبهرت الأوروبيين .
وصف بوركهارت الكعبة والمسجد الحرام بوصف فنى ومعمارى دقيق، تحدث عن بئر زمزم وتاريخها. قدم صورة إنسانية عميقة للحجاج، واصفًا تنوع أعراقهم ولغاتهم وتوحدهم فى العبادة.
أما الاستثنائى فكان السير ريتشارد فرانسيس بيرتون الذى أتقن أكثر من 29 لغة ولهجة، وهو جندى ومستكشف وعالم فى الأنثروبولوجيا.
فى 1853، قرر القيام برحلته الشهيرة إلى مكة والمدينة، متنكرًا فى زى طبيب أفغانى يدعى عبدالله، رحل من القاهرة إلى السويس ثم إلى ينبع فالمدينة المنورة وأخيرًا مكة.
رحلة بيرتون قمة فى الإتقان الدرامى، كان يعرف أدق تفاصيل السلوك الإسلامى، من الوضوء إلى الجلوس والتحدث.
تميز كتابه بأسلوب أدبى رفيع ووصف حسى مذهل.
وقال إن دخوله الحرم المكى ورؤيته للكعبة مهيبة هزت كيانه.
قدم تفاصيل دقيقة عن الخلوة فى المسجد الحرام، حياة البدو فى الطريق، الصراعات القبلية.
رغم عبقريته، كتاباته لم تخل من النظرة الاستعلائية الاستعمارية أحيانًا.
استطاع نقل روح المكان وتفاصيل الزمان بدقة لم يسبقه إليها أحد، جعل كتابه كلاسيكية لا غنى عنها فى أدب الرحلات.
وفى أواخر القرن التاسع عشر، ظهر المستشرق الهولندى كريستيان سنوك هيروجرونيه.
كان سنوك أكاديميًا رفيع المستوى أرسلته الحكومة الهولندية فى مهمة محددة: فهم الإسلام فى مكة للسيطرة على الثورات فى مستعمراتها فى إندونيسيا.
أقام سنوك فى مكة لمدة ستة أشهر، باسم عبدالغفار.
بسبب علمه الواسع استطاع الاندماج فى أوساط العلماء فى مكة، قدم وصفًا اجتماعيًا وسياسيًا لمكة لا يضاهى.

تحدث عن الجاليات المختلفة، خاصة الجالية الجاوية، حلل الروابط التى تجمعهم ببلدانهم. تميزت رحلة سنوك بأنها كانت مدعومة بالتصوير الفوتوغرافى لأول مرة، والتقط صورًا نادرة للحجاج وللمسجد الحرام وللحياة اليومية فى مكة.
رغم أن أهدافه كانت سياسية واستعمارية واضحة، فإن المادة العلمية والاجتماعية التى قدمها تظل من أهم المصادرلما يجرى فى مكة نهاية العصر العثمانى.
كانت هناك موجات متتالية من الرحالة الذين جاءوا من خلفيات متنوعة، كل منهم أضاف لبنة جديدة فى صرح المعرفة الغربية عن الحجاز.
جورج أوجست فالين، المستشرق الفنلندى المعروف باسم عبدالولى، نموذج فريد للمستشرق الذى ذاب فى الثقافة التى يدرسها. وصل مكة 1845، بعد أن قضى وقتًا طويلًا فى حائل وشمال الجزيرة العربية.
كان يحوز أذنًا موسيقية مكنته من رصد الفروق الدقيقة بين لهجات القبائل العربية.
وصف الحج بأنه المؤتمر اللغوى الأكبر فى العالم، حيث تلتقى لغات الأرض فى بقعة واحدة.
وصف مكة والمدينة بعين الخبير الاجتماعى، متحدثًا عن كرم أهل الحجاز وعن بساطة العيش التى تتناقض مع عظمة المكان الروحية.
وفى1862، وصل البريطانى هيرمان بكنيل إلى مكة متنكرًا فى زى حاج هندى.
كان طبيبًا ما منحه ميزة إضافية فى مراقبة الحالة الصحية للحجاج.
وصف بكنيل المسجد الحرام وصفًا معماريًا دقيقًا، شبهه فى بعض جوانبه بالقصور الملكية فى أوروبا فى الضخامة والاتساع، مؤكدا أن الروح التى تسكن المسجد الحرام لا يمكن مقارنتها.
تحدث عن ماء زمزم من منظور علمى، واصفًا طعمه وخصائصه، وكيف يتسابق الحجاج للحصول عليه.
قدم وصفًا حيًا لأسواق مكة فى موسم الحج، متحدثًا عن البضائع التى تأتى من الهند والصين وأفريقيا، لتجعل مكة فى نظره سوق العالم التى لا تنام.
أما آرثر وافل، الضابط البريطانى الذى خدم فى جنوب أفريقيا، فقرر القيام برحلته إلى مكة عام 1908.
كان يمتلك روح المغامر الحديث، تنكر فى زى حاج أفريقى. يميز رواية وافل تركيزه على الجانب الإنسانى للحجاج البسطاء.
عندما نقرأ وصف هؤلاء الرحالة لمناسك الحج، نجد خيطًا مشتركًا يجمع بينهم ؛ الانبهار بالوحدة فى التنوع.
وصفوا الإحرام بأنه تجريد للإنسان من مكانته الاجتماعية، ليتساوى الملك والفقير.
تحدثوا عن الطواف كحركة كونية دائرية لا تتوقف، واصفين المشهد كأنه بحر من البشر يموج حول مركز ثابت. الوقوف بعرفة كان بالنسبة لهم المشهد الأكثر تأثيرًا، تجتمع ملايين النفوس فى صعيد واحد، يرفعون أصواتهم بالدعاء فى لحظة تجلٍ روحى لا مثيل لها فى أى دين آخر.
غيرت هذه الرحلات نظرة الغرب للإسلام بشكل جذرى وبدلًا من صورة العدو، بدأت تظهر صورة لمجتمع معقد، يمتلك نظامًا قيميًا وروحيًا عميقًا، وقدرة هائلة على التنظيم والوحدة.
ساهمت هذه الكتابات فى نشوء الاستشراق الأكاديمى، حيث بدأ العلماء الغربيون يدرسون النصوص الإسلامية فى سياقها الثقافى والاجتماعى الذى نقله هؤلاء.
أثرت هذه الروايات على الأدب العالمى، نجد أصداء وصف مكة فى روايات وقصائد لشعراء وكتاب عالميين لم يزوروها استلهامًا من كتابات بيرتون وبوركهارت.
من مجموع هذه الرحلات، يمكننا استخلاص صورة سوسيولوجية عميقة لمكة المكرمة عبر القرون.
فهى لم تكن مجرد مدينة، بل مختبر بشرى فريد.
لاحظ المستشرقون التناقض الظاهرى بين التراتبية الاجتماعية الصارمة التى كانت تسود العالم، والمساواة المطلقة التى يفرضها الحج. فى مكة، كان يمكن رؤية أمير هندى يجلس بجانب فقير أفريقى على مائدة واحدة فى الحرم.
هذا المشهد صدم العقلية الأوروبية فى ظل أنظمة طبقية معقدة.
لم يفت المستشرقون ملاحظة أن الحج هو أكبر تظاهرة اقتصادية فى العالم القديم.
مكة فى موسم الحج تتحول إلى معرض دولى مفتوح. تحدثوا عن العملات المختلفة التى تتداول فى الأسواق، كيف كان الصيارفة المكيون يمتلكون مهارة فائقة فى تحويل العملات من كل بقاع الأرض. وصفوا تجارة البخور والعطور والأقمشة والسبح والسجاد.
والرحلة إلى مكة كانت تمثل صراعًا مع الطبيعة والظروف الصحية. كثير من طرق الحج كانت محفوفة بالمخاطر، من وعورة المسالك الجبلية إلى ندرة المياه فى الفيافى القاحلة.
تحدث الرحالة الأجانب بإسهاب عن الأوبئة، خاصة الكوليرا والطاعون.
والاستشراق لم يكن حكرًا على أوروبا الغربية، كان لروسيا القيصرية اهتمام كبير بمكة، نظرًا لوجود ملايين المسلمين تحت حكمها. عبدالعزيز دولتشين، ضابط روسى من أصل تاتارى، قام برحلة رسمية بصفة حاج إلى مكة فى نهاية القرن التاسع عشر. تقريره عن الرحلة من أهم الوثائق التاريخية.
قدم هؤلاء الرحالة، الذين جاءوا من قلب روسيا وآسيا الوسطى، وصفًا يركز على الروابط العرقية والدينية وتحدثوا عن التكايا، وأنها تمثل وطنًا صغيرًا لهم فى الغربة.
رحالة هنود وجاويون قدموا وصفًا للحج يركز على الجانب التجارى والثقافى، مكة كانت تمثل مركزًا لتصدير الثقافة الإسلامية إلى بلدانهم.
من الجوانب المثيرة للاهتمام فى مذكرات المستشرقين الصراع النفسى الذى كانوا يعيشونه. كان الخوف من كشف أمر تنكرهم ضغطًا نفسيًا هائلًا.
وصف بيرتون كيف كان يراقب كل حركة يقوم بها، كيف كان يتدرب على نبرة الصوت لتبدو طبيعية.
هذا التوتر الدائم خلق نوعًا من الحساسية المفرطة تجاه المحيط، جعل ملاحظاتهم دقيقة جدًا لأن حياتهم كانت تعتمد على هذه الدقة. وكثيرا ما كان الانبهار بالمكان يطغى على الهدف من الرحلة.



