وليد طوغان
لماذا يكره السلفيون الإبداع؟! "2 "
من أين جاء هؤلاء بوكالة من الله لحراسة الدين؟!
حديث أزمة فيلم برشامة والتيار السلفى..مستمر.
وأزمة العقل السلفى مع «برشامة» ليست موقفًا من فيلم.. بقدر ما هى مواجهة مع الإبداع. الصدام بين العقل السلفى وبين مجتمعات حديثة تنشد التجديد وتسعد بالإبداع فى الدنيا وفى الدين.. أساس.
لَكنْ السلفيون يضيقون الدنيا كما يضيقون الدين.
كما لو أنهم احتكروا الإسلام وملكوا مفاتيحه، فهم يتبرعون بالتفسير ثم يدمنون التبرير وفى النهاية يعلنون الوصاية.
يفسر العقل السلفى الأحداث والحوادث على كيفه هو وهواه، ليعود ويبرر المسلك تبريره هو، ويسعى للمواجهة كما يريد هو.. ثم يعلن الوصاية.
من الذى منح هؤلاء حق الوصاية على الدين وعلى الدنيا؟
لا أحد.
ثم إن ليس لله سبحانه وكلاء على الدين فى الدنيا.
لذلك فإن الصدام مستمر ودائم ولن يتوقف ولن ينتهى بين التيار السلفى وبين المجتمعات الحديثة.
-1-
أكبر أسباب الصدام بين العقل السلفى ومجتمعاتنا هو يقين السلفيين باحتكار الحقيقة.
احتكار الحقيقة الدنيوية.. كما الحقيقة الدينية.
وهم ضد الإبداع فى الدنيا كما أنهم ضد الإبداع فى الدين.
الإبداع فى الدين هو الاجتهاد.
وباب الاجتهاد فى الإسلام واسع مفتوح؛ لكنْ السلفيون أغلقوه، وضيقوا الطريق إليه، ووضعوا فى مساره الحواجز والعراقيل، وأضافوا محظورات ما أنزل الله بها من سلطان.
أبرز سمات العقل السلفى ميله إلى التقليد.
فالعقل السلفى ضيق الفكر محدود الرؤية.. لذلك لا يمكن له التماشى مع المجتمعات فى عصور مرنة.. تريد التجديد فى الأحكام وفى المعاملات.. تمامًا كما تنشد الإبداع فى الفنون.. وتسعى للجمال.
تنشد مجتمعاتنا السير للأمام.. بينما السلفيون رجعوا بالدين للخلف، ثم علَّبوه، أرادوا منا أن نسلم لهم بأنهم الأولى بالسلف الصالح وأنهم القائمون على ما كان يقوم عليه السلف الصالح.. رغم أن السلف الصالح لم يأمروا بهذا.. ولا أقروا على هذا.. وأنهم -رضوان الله عليهم- لم يكونوا ليرضوا لو عرفوا.
-2-
ما الذى قدمه هؤلاء كى يدعوا أنهم الأولى بإقامة الدين وأن على المسلمين لهم فريضة الارتضاء بهم وكلاء لله؟ لا شىء.
كل ما فعلته تلك الجماعات وهذه التيارات أنهم ولوا الدين شطرهم هم، وناحيتهم وحدهم.
فهل السلفيون هم وحدهم أحباب الله؟
الإجابة: طبعا لا.
السؤال الأهم: هل يجوز أن يكون السلفيون وحدهم أهل الله؟
الإجابة: برضه لا.
السؤال: هل قدم السلفيون للإسلام جديدًا؟
الإجابة: لم يحدث.
لذلك.. كانت كل محاولاتهم للانخراط فى المجتمعات الحديثة فاشلة.. مهما قالوا ومهما ادعوا.
خطاب أهل السلف جامد.. بينما خطاب مجتمعات العلم والاجتهاد تنشد الاتساع.. وتسعى للحرية.
فلا الدين فيها حكرا على أحد ولا الإسلام قائما فيها بأحد.
بعضهم يرى أن المغالاة فى العقل السلفى تحدث فى العقيدة مثلما أحدث الهراطقة والوضاعون .
فإذا كان هؤلاء قد خاضوا فى الإسلام تجريحًا وذمًا، فإن العقل السلفى على الجانب الآخر جمَّد الدين، وأراد أن يدخله ثلاجات التاريخ لتفسده المواد الحافظة، مع أن الله سبحانه أنزله لصلاح المجتمعات لا لفسادها.
السلفية دعوة للعودة بالدين إلى الوراء.
وقوام الفكر السلفى لا يخرج عن كونه مراحل مستمرة من محاولات مستميتة لمحاكاة عصور الإسلام الأولى بعصورنا رغم تغيُّر الظروف ورغم اختلاف البلاد وتلون العباد.
لذلك فالسلفيون ليسوا أهل الله كما يقولون.
لماذا؟
لأنهم تراثيون... مقلدون.. والإسلام تقدمى، نزلت شريعته لتضع المستقبل أمام أعينها وأعيننا .

-3-
السلفية فى الاصطلاح هى: «الدعوة لإنزال حكم عصور السلف على الواقع بما فيها وما فيه» .
والهدف هنا شديد الالتباس.
فلا يمكن إنزال أحكام قديمة لعصور قديمة على عصور حديثة بصرف النظر عما يمكن أن تقتضيه المقارنة بين اختلاف ظروف العصر ومتطلباته.
الأجيال من جيل الصحابة حتى تابعى التابعين هم المقصودون بالسلف، أما من جاء بعدهم من أجيال فهم الخلف.
مكمن الأزمة هنا ومحل الخطورة فى إصرار العقل السلفى على توقف الإسلام عند عصور المسلمين الأوائل.. وتوقف الزمن عند زمن الأوائل.. وتوقف العصر عند عصور الأوائل.
هل يجوز هذا؟
هل هو منطق؟
طبعا لا.. لَكنْ السلفيون فعلوا ذلك فى الدنيا وفى الدين.
غالى العقل السلفى فى الاعتقاد بتوقيف الاجتهاد ووقوفه على ما مضى وعند من مضى، مع أن الإسلام دين الله ليس دين السلف، ومع أن السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ليسوا هم الإسلام.
كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- بشرًا يخطئون ويصيبون، وكل ما تركه السلف تراث.. والتراث ليس مقدسًا.
المقدس هو الذى نزل من عند الله تنفيذًا لمقاصد الله، بينما التراث هو كل ما أحدثه الأولون فى محاولاتهم لفهم مقاصد الله مما نزل.
سلوك الخليفة أبوبكر -رضوان الله عليه- فى واقعة ما أو تفسيره لحكم قرآنى ما.. هو انعكاس لفهمه -رضى الله عنه- للدين.
لكن الإسلام متجدد.. يجوز للمسلم فيه الاجتهاد كما اجتهد أبوبكر.. ويجوز للمسلم فيه أن يجتهد خلاف ما اجتهد أبوبكر إذا اختلف الزمن وتباينت الظروف.
الإقرار بأن مسالك السلف هى وحدها الدين أو المرادف للدين، يعنى تحويل الإسلام إلى تراث والإسلام ليس كذلك. اجتهادات السلف الصالح تراث وميراث، لأنها من عند بشر فى فهم كتاب الله الذى نزل من عند الله.
اجتهاد البشر تراث.. لكن كتاب الله ليس كذلك.
فهم السلف الصالح -رضوان الله عليهم- الدين على ما أنزله الله، وفطنوا إلى مرونته وقدرته على استيعاب الخلاف والاختلاف، عكس ما فهمه الشيخ محمد حسان أو الشيخ ياسر برهامى.
ثم إن السلف أنفسهم لم يكونوا سلفيين.
ففى خلافة أبوبكر وقع خلاف شديد بينه وبين عمر بن الخطاب -رضى الله عنهما- بعدما جهز الأول جيشًا للخروج إلى ما سمى بحروب الصدقة.
رفض ابن الخطاب الحرب.. وفى كتب التراث تناقلوا جملته المشهورة وقتها: «والله.. إن لم تكن فتنة لمنعته» أراد عمر منع أبى بكر.. لولا الفتنة.
السبب إصرار أبى بكر على الاقتداء بالرسول فى كل ما فعله صلى الله عليه وسلم فى حياته، وقرر الخروج لحرب قبائل امتنعت عن دفع أموال كانوا يدفعونها للنبى، فى حين رأى عمر أن ما كان للنبى فى حياته لا يمكن أن يكون لأحد غيره بعد وفاته.
أبوبكر فى الأزمة كان سلفيًا، بينما كان عمر تقدميًا حرًا ورأى أن خروج المسلمين لحرب قبائل تدين بالإسلام لا يجوز.
تمامًا كما رأى أن ما كانت تلك القبائل تؤديه من أموال للنبى مقصورة على حقوق النبى وحده بنص الآية الكريمة: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم».