الأربعاء 10 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
لماذا يكره السلفيون الإبداع؟

لماذا يكره السلفيون الإبداع؟

قراءة فى أفكار «تيار» على هامش أزمة «برشامة»



أزمة التيار السلفى مع «برشامة» ليست موقفًا من فيلم.. بقدر ما هى مواجهة مع الإبداع. 

هل يكره السلفيون الإبداع؟ 

الإجابة: طبعًا.. والأسباب كثيرة.

هم ضد الإبداع فى الدنيا كما أنهم ضد الإبداع فى الدين.

الإبداع فى الدين هو الاجتهاد.

وباب الاجتهاد فى الإسلام واسع مفتوح، لكنْ السلفيون أغلقوه، وضيَّقوا الممر إليه، ووضعوا فى طريقه الحواجز والعراقيل وأضافوا إليه المحظورات ووصموه بالموبقات.. لأنهم مقلدون.

 

أبرز سمات العقل السلفى ميله إلى التقليد. 

والتقليد ضد الإبداع.. سواء فى الفنون.. أو فى علوم الدين. 

والتقليد أغلب الأحيان هو آفة الفكر الإسلامى فى عصور تغيرت أحوالها، وبالتالى كان لا بُد أن تتغير فيها طرق الفقه فى الاستنباط، مجاراة للعصر، واحتكامًا للزمن. 

الإسلام ليس دينًا سلفيًا. 

لأن الإسلام تقدمى، نزل للعالمين، لم ينزل لعصر معين، ولا أوقف رسالته على زمن بذاته. 

بينما العقل السلفى جامد صلب، لا يستوعب النظرة التقدمية الإسلامية، لأنه يوقف الدين على زمن الأقدمين، ويريد أن يدفع بالمستقبل إلى الوراء. 

الصدام بين الفكر السلفى وبين مجتمعاته مستمر.. ودائم.. ومتواجد على خريطة الزمن فى شكل محطات. 

 

 

 

-1-

الصدام مع فيلم «برشامة» واقعة جديدة فى سجل متجدد. سبق أن حدث صدام مشابه ثم تفاعل ثم تصاعد مع أفلام أخرى فى محطات أخرى فاتت. 

الصدام بين العقل السلفى وبين مجتمعات حديثة تنشد  التجديد والإبداع فى الدنيا والدين أساسى. 

فالسلفيون يضيقون الدنيا كما يضيقون الدين. 

وهم فوق هذا كله، يتبرعون بالتفسير ثم يدمنون التبرير وفى النهاية يعلنون الوصاية. 

على مر التاريخ الإسلامى، يفسر العقل السلفى الأحداث والحوادث على كيفه هو وهواه هو، ثم يبرر المسلك تبريره هو ويظهر المواجهة كما يريد هو.. ثم يعلن الوصاية بمطالبات المنع، أو رغبات المصادرة على هواه وعلى كيف كيفه. 

لماذا الصدام بين العقل السلفى وبين المجتمعات الحديثة وارد ومستمر ودائم ولن يتوقف؟ 

سبب الأزمة فى ادعاء العقل السلفى احتكار الحقيقة. 

احتكار الحقيقة الدنيوية باحتكار الحقيقة الدينية. 

لا يرفع العقل السلفى فقط راية الله كما نرفعها جميعًا ونؤمن بها جميعًا ونسعى إليها جميعًا، لَكنْ السلفيون يحجزون لأنفسهم الأماكن فى مجتمعاتهم بوصفهم المحتكرين لأمر الله وبوصفهم الصائنين الوحيدين لمقاصد الشريعة. 

وفى مراحل تاريخية عديدة وصلت بهم الحالة إلى الاعتقاد بيقين أنهم وحدهم أهل الله. 

لذلك فالصدام مع مجتمعاتهم حتمى.. ومتكرر.. ومستمر. 

-2-

التعاون مع العقل السلفى فى مجتمعات الحداثة والتجديد فى الفكر والانطلاق فى الإبداع مستحيل. 

لماذا؟ 

لأن السلفيين يرون أنهم أدرى المسلمين بشئون دنيا المسلمين ويرون أيضًا أنهم القيّم على الدين القيّم وهم يكذبون.  ما الذى قدمه التيار السلفى كى يدعى أنه الأولىَ بالدين.. وإقامته والذود عن شريعته؟ 

من الذى أوجب على المسلمين فريضة بارتضاء السلفيين وكلاء لله.. على أمور الله.. فى دنيا الله؟ 

بالعكس. 

لقد عهدنا العقل السلفى ضيق الفكر محدود الرؤية، لذلك فقد أحدث فى مجتمعاته كل ما ينبغى معه فصله عن إدارة الدنيا.. لا التسليم بولايته على الدين.

  لم يجعل الله للإسلام وكلاء على الأرض. 

والعقل السلفى لا يمكن له التماشى مع عصر واسع مرن. 

والسلفيون بعدما رجعوا بالدين للخلف، علَّبوه وقالوا إنهم احتكروا ماركاته وخلطاته بسيرهم على خطى السلف الصالح رغم أن السلف الصالح لا أمروا ولا شهدوا، والأقرب أنهم لم يكونوا ليرضوا لو عرفوا.

إذًا، هل العقل السلفى مؤهل لإصلاح الدين وتجديد خطابه ومن ثم إصلاح الدنيا حسبما أراد الله ومثلما أمرت شريعته؟ 

الإجابة: لا بوادر لهذا ولا تاريخ. 

ربما لذلك باءت كل محاولاتهم للانخراط فى المجتمعات الحديثة بالفشل. 

لأن خطاب «أهل السلف» الجامد، لا يمكن أن يتماشى أو يتوافق مع خطاب مجتمعات تطلب العلم وتسعى للاجتهاد.. فى الدنيا كما فى الدين.. وفى الإبداع كما فى الفقه. 

لكن المنهج السلفى دعوة للعودة بالدين إلى الوراء،.. بلا اجتهاد فى تقليد السلف الصالح بمحاولات مستميتة لمحاكاة زمانهم بزماننا رغم تغيُّر الظروف واختلاف البلاد وتلون العباد. 

 العقل السلفى إذًا عقل تراثى رجعى. 

والسلفيون مقلدون مع أن الدين تقدمى جاءت شريعته واضعة المستقبل أمام أعينها.. طلبًا للتفكر.. والتحرر.. والتدبر إصلاحًا للدنيا قبل الدين. 

 

 

 

-3-

«برشامة» ليس فيلمًا ضد الدين. 

لكنه ضد الازدواجية.. وضد استغلال الدين.. وضد الانتهازية.. وضد التحايل على الظرف وعلى المبدأ. 

الفيلم ضد مبدأ: اللى تغلب به العب به. 

لا شك أن مجتمعاتنا تعانى. 

تعانى التغيير.. وتعانى التفسير.. وتعانى مع المعاناة بدءًا من قهوة الصباح حتى لقمة العشاء قبل النوم. 

ظهر التغيُّر على الشارع المصرى بشدة منذ الثمانينيات. الهوى دينى لكن السلوك ضد وعكس. 

أتقنا إغلاق الشوارع بالحصير الأخضر، وتكدست الميادين بمصلى التراويح، بينما تكدست المحاكم فى الوقت نفسه بدعاوى ومنازعات أكل الحقوق وأموال اليتامى، والجور على الأرامل والمطلقات. 

من لم تنههِ صلاته فلا صلاة له.. لكنَّ كثيرين يصلون ويصومون.. ثم يأكلون الحقوق، ويقذفون المحصنات.. أيضًا. 

ارتفعت نسبة الحجاب فى الشارع المصرى بصورة فوق الملحوظة خلال الخمسين عامًا الماضية، لكن بالتوازى، لم تنخفض نسب التقاضى فى الحقوق أمام المحاكم، ولا تناسب الرقم مع أعداد نزاعات الأحوال الشخصية بالانخفاض. المقارنات بين السلوك وبين ما توغل من سمات الدين صادمة.. والتناقض واضح. 

لماذا التناقض؟ 

لأننا نميل عادة إلى الطقس أكثر من المضمون، الاحتفال باللفظ أكثر من المعنى عادة مصرية. 

والذى حدث أننا ملكنا سمات الدين؛ لكننا لم نحسن الدين. 

فلو كانت مظاهر الدين مؤشرًا على زيادة الدين، فإن وجه العملة الآخر كان يجب أن يقابله استقرار اجتماعى من نوعٍ ما؛ فتنحسر نزاعات الجيرة، وتختفى مشاحنات الطريق، وتتداول حقوق العشرة بين الأزواج، لتصبح الأموال والأعراض والأنفس مصونة بإلزام المجتمع المتدين.. لا جبرًا بقوة القضاء. 

لكن هذا لم يحدث. 

لذلك.. زادت أعداد المتهجدين فى العشر الأواخر من رمضان، بينما زادت فى الوقت نفسه جرائم القتل والسرقة وقطع الطريق، وتضخمت صفحات الحوادث بقصص عن اعتداء الأبناء على الآباء، وقتل بعضنا بعضًا داخل المساجد.. خلال صلاة الجماعة! 

قبل وفاته؛ همس لى عالم الاجتماع الفذ «د.أحمد المجدوب» أن خبرة 70 عامًا أتاحت له استخلاص نتيجة مؤكدة: «المصريون عندهم برد». 

أصابتهم أعراض الإنفلونزا من تكسير فى الجسم واحمرار فى العين، واضطراب فى الرؤية.. وبالتالى اضطراب فى السلوك.. أيضًا. 

للشعوب «إنفلونزا» مثل «إنفلونزا البنى آدم»، وللأزمات الاجتماعية أعراضها. أعراض إنفلونزا المصريين ظهرت فى وقوف الموظف دقائق بين يدى الله فى صلاة قصيرة، قبل عودته لمواربة درج المكتب للإكراميات والرشاوى. 

المجتمع الوحيد الذى أضاف أسماء حركية لـ«الرشوة»؛ فسميناها «إكرامية».. وسميناها «تفتيح مخ».. قلنا عليها مرة «مفهومية»، ومرة «ميه».. من يجرى الماء جريانًا، قبل أن نسميها «شاى». 

الوحيدون الذين سموا الرشوة «شاى». 

كثيرًا ما تدرك موظف حكومة يحتسى الشاى بعد كل صلاة. 

غريبة قصة مجتمع مؤمن.. بيموت فى الشاى!