تعظيم الإيرادات وتحفيز الاستثمار
إبراهيم جاب الله
كواليس مناقشة التعديلات الضريبية الجديدة تحت «قبة البرلمان»
نقاشات ساخنة شهدها مجلس النواب خلال اجتماعات لجنة الخطة والموازنة، قبل أيام حول حزمة من التشريعات الضريبية الجديدة التى تقدمت بها الحكومة إلى مجلس النواب بهدف استكمال برنامج الإصلاح المالى والضريبى وتعزيز موارد الخزانة العامة للدولة، وحظيت مشروعات القوانين باهتمام واسع داخل الأوساط الاقتصادية والبرلمانية باعتبارها تمس ملفات حيوية تتعلق بالاستثمار وسوق المال والقطاع الصناعى والشركات المملوكة للدولة، فضلا عن تأثيرها المباشر على كفاءة المنظومة الضريبية.
وخلال اجتماعات لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب برئاسة الدكتور محمد سليمان وبحضور أحمد كجوك وزير المالية، ناقش البرلمان مشروعات قوانين تمثل ملامح المرحلة الجديدة من السياسة الضريبية والتى تسعى الحكومة من خلالها إلى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين تعظيم الإيرادات العامة وتوفير بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية للاستثمار بعضها وافقت اللجنة عليه فيما تم تأجيل الموافقة على تشريعات أخرى.

إنهاء المنازعات
جاء أول هذه التشريعات وهو مشروع قانون تجديد العمل بالقانون رقم 79 لسنة 2016 الخاص بإنهاء المنازعات الضريبية، ويعد هذا المشروع امتدادًا لسياسة التسوية الودية التى تبنتها الدولة خلال السنوات الماضية بهدف تسريع حسم النزاعات الضريبية وتقليل أعداد القضايا المتراكمة أمام المحاكم ولجان الطعن.
وتستند الحكومة فى طرحها لهذا المشروع إلى ما حققته التجربة السابقة من نتائج إيجابية فى تسوية عدد كبير من المنازعات بين الممولين ومصلحة الضرائب، بما ساهم فى تخفيف العبء عن الجهات القضائية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار للمستثمرين وأصحاب الأعمال حيث يقضى المشروع باستمرار عمل لجان إنهاء المنازعات الضريبية حتى نهاية عام 2026 مع السماح باستقبال طلبات جديدة من الممولين والمكلفين خلال هذه الفترة، وترى الحكومة أن هذه الآلية توفر مسارًا أكثر سرعة ومرونة مقارنة بالتقاضى التقليدى، كما تمنح الدولة فرصة لتحصيل مستحقاتها المالية دون انتظار سنوات طويلة لحسم النزاعات.
بينما المشروع الثانى الذى أثار جانبًا كبيرًا من النقاش داخل اللجنة ويتعلق بأيلولة نسبة من الأرباح الصافية للشركات المملوكة للدولة إلى الخزانة العامة، ويهدف القانون إلى تعزيز موارد الدولة فى ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع حجم الإنفاق العام من خلال تخصيص نسبة من أرباح الشركات التى تمتلكها الدولة أو تساهم فيها لصالح الخزانة العامة.
وينص المشروع على تجنيب نسبة %5 من صافى أرباح الشركات المملوكة بالكامل للدولة لصالح الخزانة العامة بعد تغطية الخسائر المرحلة وقبل تكوين الاحتياطيات، مع السماح باستثناء بعض الشركات بقرار من مجلس الوزراء فى حالات محددة. وأكدت الحكومة أن الهدف من هذا التشريع ليس فرض أعباء إضافية على الاقتصاد؛ وإنما تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المالية المتزايدة والاستفادة من العوائد المتحققة لدى الشركات العامة بصورة أكثر كفاءة.
ضريبة الدمغة
ومن بين أكثر التشريعات التى لاقت اهتمامًا واسعًا، مشروع تعديل بعض أحكام قانون ضريبة الدمغة والذى يتضمن استبدال نظام ضريبة الأرباح الرأسمالية المفروضة على التعاملات فى البورصة بضريبة دمغة نسبية على عمليات البيع والشراء.. ويأتى هذا التوجه بعد سنوات من الجدل حول صعوبة تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية وتأثيرها على نشاط سوق المال وجاذبية الاستثمار فى الأسهم.
وبموجب التعديلات الجديدة، يتم فرض ضريبة دمغة نسبية على إجمالى عمليات بيع وشراء الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية، مع توحيد المعاملة الضريبية بين المستثمرين المقيمين وغير المقيمين، كما تتضمن التعديلات معاملة خاصة للعمليات المنفذة خلال الجلسة نفسها، إلى جانب إعفاء الشركات المرخص لها بمزاولة نشاط صانع السوق من الضريبة دعما لدورها فى تعزيز السيولة واستقرار الأسعار داخل السوق
أما المشروع الرابع فيتعلق بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة ويضم حزمة واسعة من الإجراءات التى تستهدف دعم النشاط الاقتصادى وتحفيز الاستثمار الصناعى.. ومن أبرز هذه التعديلات خفض العبء الضريبى على الأجهزة الطبية عبر إخضاعها لسعر ضريبة مخفض فى خطوة تستهدف دعم القطاع الصحى وتشجيع التوسع فى الصناعات الطبية، كما تتضمن التعديلات إعفاء الخدمات المقدمة للسلع العابرة «الترانزيت» من الضريبة على القيمة المضافة بما يدعم جهود الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للتجارة والخدمات اللوجستية.

كما مددت الحكومة فترة تأجيل سداد الضريبة المستحقة على الآلات والمعدات المستخدمة فى الإنتاج الصناعى إلى أربع سنوات بدلا من عامين وهو ما يمنح المستثمرين مرونة أكبر ويعزز خطط التوسع الصناعى.. وشملت التعديلات كذلك تقليص مدة رد الرصيد الدائن للممولين بما يساعد الشركات على تحسين السيولة النقدية، إلى جانب منح مزايا إضافية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومن بين البنود التى أثارت جدلا هو إخضاع تأجير الوحدات والمبانى الإدارية للضريبة على القيمة المضافة مع استثناء الأنشطة الدينية والخيرية والتعليمية والصحية، فضلا عن إعفاء مكونات أجهزة الغسيل الكلوى ومرشحات الكلى من الضريبة دعما للقطاع الصحى، كما تضمنت التعديلات توحيد المعاملة الضريبية للخدمات المالية المقدمة من البنوك والهيئة القومية للبريد وشركات التمويل الخاضعة للرقابة المالية أو البنك المركزى بما يعزز مبدأ المساواة بين الجهات المقدمة للخدمة.
وضمن الحزمة نفسها ناقش النواب مشروع تعديل قانون رسم تنمية الموارد المالية للدولة الذى تضمن رفع رسم مغادرة الأراضى المصرية إلى 100 جنيه مع استمرار إعفاء سائقى النقل البرى والعاملين فى خطوط النقل العابرة للحدود، كما نص المشروع على فرض رسم بقيمة 35 جنيها على كل طن أسمنت يتم إنتاجه محليًا على أن تتولى مصانع الأسمنت سداد هذا الرسم لمصلحة الضرائب وتعتبر الحكومة أن هذه الإجراءات تمثل إحدى أدوات تنمية الموارد العامة دون تحميل المواطنين أعباء مباشرة واسعة النطاق، بينما يرى بعض المراقبين أن آثارها الاقتصادية ستظل محل متابعة خلال الفترة المقبلة.
جدل وإشادات برلمانية
وتعكس الحزمة الضريبية الجديدة توجهًا حكوميًا واضحًا نحو إعادة هيكلة المنظومة الضريبية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الحالية حيث تسعى الدولة إلى تعزيز الإيرادات العامة وتوفير موارد إضافية للموازنة، وتحاول فى الوقت نفسه تقديم حوافز وتيسيرات تدعم الاستثمار والإنتاج وتزيد من تنافسية الاقتصاد المصرى، وخلال الاجتماعات تساءل عدد من النواب عن مدى حقيقة ما يثار حول اعتزام الحكومة فرض ضريبة إضافية على الغاز الطبيعى سواء فى المنازل أو المصانع.
ورد أحمد كجوك، وزير المالية لينفى اعتزام الحكومة فرض ضريبة إضافية على الغاز الطبيعى سواء بالمنازل أو بالمصانع، وليؤكد أن مشروع القانون المقدم من الحكومة بتعديل قانون الضريبة على القيمة المضافة لا يتضمن أى أعباء ضريبية على المواطنين تتعلق باستهلاك الغاز الطبيعى وأن قانون الضريبة على القيمة المضافة يخاطب الشركات المختصة بشراء الغاز الطبيعى باعتبارها الشركات الملتزمة بتوريد ضريبة الجدول لصالح وزارة المالية.
كما أكد الدكتور محمد سليمان رئيس لجنة الخطة والموازنة أنه لا مساس بأسعار استهلاك الغاز الطبيعى للمنازل، فضلا عن عدم وجود أى ضريبة على استهلاك الغاز الطبيعى سواء فى المنازل أو المصانع وأن قانون الضريبة على القيمة المضافة لا يخاطب المستهلك وإنما يخاطب المورد، مشددًا على أن مجلس النواب والحكومة ملتزمان بحماية المواطنين وعدم فرض أعباء إضافية ضريبية على المستهلكين.
من جانبها أكدت النائبة آمال عبدالحميد عضو مجلس النواب، أن موافقة لجنة الخطة والموازنة على مشروع قانون تجديد العمل بأحكام القانون رقم 79 لسنة 2016 بشأن إنهاء المنازعات الضريبية تمثل خطوة مهمة فى مسار الإصلاح الضريبى الذى تنفذه الدولة خلال السنوات الأخيرة، موضحة أن القانون أثبت فاعليته فى تسوية أعداد كبيرة من المنازعات الضريبية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار واليقين للممولين والمستثمرين.
وقالت إن مد العمل بالقانون حتى نهاية عام 2026 يعكس حرص الدولة على استكمال جهودها الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتوفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية التى تتطلب تعزيز الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية. مضيفة أن استمرار عمل لجان إنهاء المنازعات الضريبية يتيح للممولين فرصة تسوية النزاعات بشكل ودى وسريع بعيدا عن إجراءات التقاضى الطويلة وهو ما يسهم فى تخفيف الأعباء عن المحاكم ولجان الطعن الضريبى ويساعد فى تسريع تحصيل مستحقات الدولة مع الحفاظ فى الوقت ذاته على حقوق الممولين.
وأشارت إلى أن هذه الخطوة تأتى فى إطار تنفيذ توجهات الدولة نحو استكمال محاور الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية، وترسيخ مبادئ الشفافية والعدالة الضريبية، بما يعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والمستثمرين.



