وليد طوغان
إنجاز ضد الجاذبية فى الدلتا الجديدة
صحيح.. مشروع الدلتا الجديدة مشروع ضد الجاذبية.
مشروع ضد كل ما كان معهودًا عن الخريطة الزراعية المصرية.
رفع كميات كبيرة من المياه من الجانب الشرقى، للجانب الغربى من الأراضى المصرية، بكل هذه الكثافة، لاستزراع مساحات بكل هذا الزخم.. هو إنجاز بكل المعايير.. وعلى أية مقياس.
كان محمد على باشا أول من أعاد تخطيط الزراعة بأساليب حديثة، حسب العصر والتوقيت على خريطة مصر. استطاع محمد على إعادة رسم المساحات الخضراء، والعمل على زيادتها، بالاستفادة من نظام الانحدارات الطبيعية للجغرافيا.
كان التحدى هو المياه.
صحيح توفرت فى تلك الحقبة الزمنية مياه كثيرة، لكن المعضلة التى واجهت الخطة وقتها، هو كيفية تقليل الهدر، ثم الاستفادة بالمياه الصالحة، وتوجيهها نحو الأراضى على مدى شرق وغرب الدلتا فى خريطتها القديمة.
أعاد محمد على تخطيط الترع، والمصارف، مرة تلو الأخرى فى مشروع كبير، أسَّس لأول منظومة زراعية علمية بمقاييس الوقت.. وبمعايير الظروف.
سارت منظومة الزراعة على تخطيط والى مصر مئات السنين.
لكن فى الطريق، وبمرور الأزمنة والعصور، كانت التحولات كبرى.
زادت الظروف من طبيعة التحديات وأشكالها، فى الوقت الذى مرت على مصر عهود تعقدت فيها الحلول وتوقفت الأفكار، وتضخمت التكاليف.
بات المنظور، وحتى سنوات قليلة مضت، أن إعادة الاصلاح أو إعادة نفس الكتلة الزراعية التى كانت معروفة للخريطة القديمة.. أصبح بعيد المنال.
إلى جانب تحدى المياه، استمر التغول على الأراضى المزروعة، واستبدالها شعبيًا بالحجارة، وتحويل المساحات الخضراء إلى كتل خرسانية بعضها فوق بعض، فى واحد من أكثر وأغرب وأشد التحولات التى دقت المسامير الكبرى ليس فى حائط المساحات المنزرعة؛ إنما فى سور قدرة الدولة على ضمان الأمن الغذائى للمصريين.
فى خطاب للرئيس جمال عبدالناصر فى الستينيات، أشار إلى عدد 20 مليون مصرى.
بعد أقل من 60 عامًا.. كانت أعداد المصريين قد تخطت المائة مليون.
مع هذا التحول الدرامى فى التعداد وبالتالى الاحتياجات، أصبحت المعادلة على هذا الشكل: أراضى الزراعة تتضاءل بمتوالية عددية، وتزايد رهيب فى أعداد المصريين بمتوالية هندسية.
المعنى: تهديد غير مسبوق للأمن الغذائى، مع تغيرات بنيوية فى شكل خريطة القُطر، بينما تضاءلت فرص إعادة الأراضى المزروعة إلى ما كانت عليه فى نفس المكان.. وبنفس المواصفات.
ترتب على هذا الوضع -غير الخلل فى ضمان أمن الغذاء- ارتفاع كلفة الاستيراد خصوصًا للمحاصيل الاستراتيجية والقمح على رأسها فى إقليم مضطرب، ينتج حروبًا ونزاعات أكثر مما ينتج سلامًا ورغبات تضامن وإخاء.
مع الحروب وفيها وعلى مشارفها.. ترتفع كلفة الاستيراد.
وفى الحروب وعلى مشارفها.. قد تنقطع سلاسل الإمداد من أساسها.. فتضاف إلى المعضلة فكرة التوفر.. بعد أزمة الأسعار.
خلال الأربعين عامًا الماضية كانت كلفة الاستيراد فى ارتفاع دائم، بينما من جانب آخر كانت الرقعة الخضراء تتضاءل هى الأخرى، بمزيد من التعقيدات للصورة، ومزيد من الضغوط على الاقتصاد، ومزيد من الأعباء على موارد الدولة، وعلى قدرتها لتوفير محاصيل وسلع.. لا يحيا المصريون بدونها.
القمح نموذج.
مع الطفرات فى سعر الدولار، كانت الميزانيات المفترض توافرها لاستيراد القمح تتعاظم، وتتغول، وفى الطريق تخصم من مخصصات التنمية، وتخصم من الموارد، وتخصم من فرص الاستغلال الأمثل لنقد الدولة.
فى أعوام ما بعد هوجة 2011 خسرت مصر من الأراضى الزراعية، أكثر من 46% مما كانت عليه قبل هذا العام.
صحيح استعادت دولة 30 يونيو الهيبة والسيطرة، لكن ما خسرناه من مساحات خضراء.. كان قد حدث.. بلا مساحات للعودة.

وكان لا بُد لحلول.
واجهت الدولة المصرية السنوات الأخيرة أكثر من علامة استفهام ومطالب حلول لكثير من قضايا مزمنة.. استقر فى نظر الغالبية أنها بلا حلول.
لكن الحل كما رآه عبدالفتاح السيسى كان: العمل.
البدء بالعمل فورًا، لإدارة حلول مستديمة فى مسائل متعددة متباينة المسارات.
وكان قرار التنمية بالخروج من الوادى الضيق إلى مساحات أرحب واحدًا من قرارات الضرورة.
فكرة الخروج من الوادى الضيق فى حد ذاتها، كانت حلًا خارج الصندوق وخارج الإطار وخارج المعادلة التاريخية والجغرافية للفكر المصرى.
عاش المصرى طوال أكثر من 7 آلاف سنة، حول الوادى، وزرع حوله، وسكن عنده، وتناسل على أطرافه.
حتى فى المأثورات التاريخية أن مصر هبة النيل، لذلك كانت كل الحياة على شطيه.
صحيح مصر هبة النيل، لكن هذا لا ينفى أن الخروج للوادى على امتداداته شرقًا وغربًا.. قد يكون حلًا لكثير من المعضلات.
وكما خرجت الدولة بالعمران بالمدن والعاصمة الجديدة فى عجلة تنمية ما زالت تجرى.. كان مشروع الدلتا الجديدة إضافة غير مسبوقة لتنمية زراعية مستدامة.
لماذا تحدى مشروع الدلتا الجديدة قوانين الجاذبية؟
لأن توفير المياه الصالحة للزارعة ونقلها إلى مناطق المشروع كان يعنى نقل كميات هائلة من المياه ضد طبيعة الجغرافيا.
فى مشروعه التنموى، استخدم محمد على مسارًا طبيعيًا للترع والمصارف قائمًا على انزلاق المياه من المرتفع إلى المنخفض.
انعكست الأمور فى مشروع الدلتا.. حيث نفذ المصريون نقلا للمياه من المنخفض للمرتفع.
استلزمت منظومة الرفع إمكانيات جبارة، وتكاليف فوق اعتيادية، فى خطة استلزمت بدورها تنفيذًا دقيقًا، وعملًا لا يكل، ورجالًا يعرفون معنى أن تؤسس مشروعًا قوميًا، يستمر، وينتج ليسند أمنًا غذائيًا ومنظومة اقتصادية فى ظروف إقليم غير مستقر.. ولا تبدو عليه أمارات الاستقرار فى المستقبل القريب.
كل حلول الدولة فى المشروع غير تقليدية، بدءًا من إعادة تدوير مياه الصرف الزراعى، مرورًا بمعالجتها، انتهاء بالشبكة الضخمة من الترع ومحطات الرفع.. إلى جانب الاستفادة المدروسة من المياه الجوفية.
نُقلت المياه المعالجة لمئات الكيلومترات، مرورًا فى طريقها بمحطات رفع فيها واحدة من أكبر المحطات فى العالم بطاقة 9.7 مليون متر مكعب فى اليوم.
لم تُحدث الدلتا الجديدة طفرة زيادة فى مساحة الأراضى المزروعة فقط؛ إنما وفرت فى الوقت نفسه ألوفًا من فرص العمل المستمرة، وأسست مجمعات متكاملة للتصنيع الغذائى.
حققت الدلتا الجديدة منذ أن كانت توجيهًا رئاسيًا.. للآن معجزات إنتاجية على أرض الواقع، بخطوات تسارعت.. ولا تزال تسابق الزمن.. والظروف لاستصلاح 2.2 مليون فدان، توفر سلعًا استراتيجية تضمن استقرار أسعارها فى الأسواق، وتدعم قدرة الدولة على مواجهة الزيادة السكانية.
لا يصح وصف المشروع بالزراعى.
الصحيح أنه مشروع تنموى متكامل بأبعاد اقتصادية وسياسية.
الآثار الاجتماعية لا بُد أن توضع ألف مرة فى الحسبان.
تأسيس الدلتا الجديدة مجتمعات زراعية وعمرانية جديدة بنظم إدارة حديثة، تتنوع أنشطتها الصناعية القائمة على الإنتاج الزراعى.. إنجاز آخر على رسومات المصفوفة الاقتصادية فى البلاد.
لكل هذا.. شكلت الدلتا الجديدة تحولًا استراتيجيًا فى فلسفة التنمية.. وإدارة التحديات.