وليد طوغان
ليست معركة.. ولا ساحة قتال!
ماذا نريد من «الأحوال الشخصية الجديد»؟
ماذا نريد من قانون الأحوال الشخصية الجديد؟
نريد قانونًا منصفًا للجميع.. ليس الغرض إنصافًا للنساء على الرجال، ولا الرجال على النساء.
الغرض قانون ضامن لئلا تنسوا الفضل بينكم.
لا تغول على حقوق النساء، ولا افتئات على حقوق الرجال.
فى أسرة تهدمت، لا يبقى إلا مصالح أجيال جديدة، تشب للآن فى أحيان كثيرة شاهدة على تعنت أب أحيانًا، أو تمادى زوجة أحيانًا أخرى فى عناد يهدم سقف المعبد على من فيه.
نشرع القوانين لضبط اجتماعى مطلوب. لا تستهدف التشريعات هضم حقوق طرف لصالح ميزات لآخر.
الأحوال الشخصية مادة شديدة الحساسية، شديدة الأثر، وشديدة التأثير.
لذلك طالب رئيس الدولة المصرية بقانون يضمن حقوق الجميع.
المغالاة فى المطالبة بحقوق النساء السنوات الأخيرة وصلت لما هو أبعد من تمادٍ لا يمكن أن يعدل كفوف الميزان. مفهوم أن تصطف قيادات نسائية لسن السكاكين منددات ومتوعدات ومستغيثات فى كل ظرف أو مع كل واقعة تعيد الجدل للسطح.
المطالبات النسائية عادة ترفع شعارات مناوئة لمجتمع ذكورى بامتياز.
ولو أن المجتمع ذكورى، وهذا ميراث يتعدل وينعدل، فإنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن إحلال مجتمع نسوى محل مجتمع الذكور هو أيضًا تراجع خطير للوراء.
النتائج فى الحالتين ليست فى صالح أحد.. والتداعيات فى الحالتين لا تستقيم معها مصلحة عامة هى فى الأساس غرض المشرع.. وأساس التشريع.
-1-
فى المسائل الاجتماعية ذات القدر والثقل لا بُد من نظرة شديدة الحياد كى تمهد الحلول والتشريعات والإجراءات لاستقرار مجتمع كامل.
ليس الغرض نصرة ذكر على أنثى.. ولا العكس.
محاولات إطفاء بيت محروق.. بإشعال النيران فى بيوت مجاورة كارثة على المدينة كلها.
ليست كل الدراما مرآة للواقع.. لكن بعضها كذلك.
دراما «أب ولكن» رمضان الماضى غاصت فى جانب آخر من الأزمة.
لذلك كانت صورة من واقع لا يلتفت له كثيرون.
كانت رواية محايدة، لأسباب عدة، منها أنها لم تتغول على طرف ضد آخر، ومنها أنها لم تتحيز لرجل أو لامرأة. كشفت الرواية عن حكاية أب يعانى.
وهو نموذج موجود.
الرجال أيضًا يعانون، وفى كثير من قضايا الأسرة ليست النساء دائمًا هن الطرف المهيض الجناح فى كل الأحوال.
صحيح لمعاناة بعضهن قصص بتفاصيل أغلبها يقطع القلب، لكن الصحيح أيضًا أن كثيرًا من الرجال غرقوا فى مكابدة حقوق لم يتحصلوا عليها فى تداعيات تلاعب الخصم بثغرات القانون، وفى أثر محاولات نجحت ووصلت إلى حد الإذلال، لا لشىء إلا انتقامًا أو إعضالًا.
هناك نموذج موجود، ومتاح، ونعرفه، ونراه كل يوم، وربما نعايشه فى الجيرة وفى النادى وفى مجتمع الشغل وفى محيط العائلة، رجال لا يعرفون أبناء أنجبوهم، فى نتاج عناد مطلقة هيأت لها ظروف عدة تعطيل علاقة مفترضة للأب بأبنائه بعد الانفصال.
فكرة الرؤية ثلاث ساعات فى حديقة مركز شباب على سبيل المثال، ليست فقط غير آدمية؛ إنما لا تقيم الغرض من مشاركة الأب فى تنشئة أطفاله.
انتقال حضانة الطفل للجدة لأم، بينما الأب على قيد الحياة فكرة صعب قبولها، حتى فى الأوضاع غير الاعتيادية. تمنح القوانين سلطة للأفراد.
المعنى أن التشريع، يمنح الحق للفرد بسطوة، كثيرًا ما يتعسف فى استغلالها، وكثيرًا ما يعتبرها أمارة قوة يحتج بها فى مواجهة الآخر.. ضغطًا أو مراوغة.
لذلك، تشرع القوانين، وفق المبادئ العامة، ولا وفق خصوصيات الأفراد، لأن القاعدة القانونية لا تتعامل مع طبيعة الأفراد وهى ليست مصممة للتعامل مع حالات فردية.. كل على حدة.
لذلك فالمراد من القانون الجديد.. الإنصاف.
المراد إقرار قواعد عامة عادلة، تضبط إيقاع الفردية، وبعض نزعات الأنانية، وكثيرًا من رغبات تعالى رجال على نساء، ونساء على رجال فى مجتمع لم تعد الأخلاق ضابطًا فيه كثيرًا من الأحيان.
إلى جانب القانون.. يبقى عنصر الضبط الاجتماعى.. واجبًا.
-2-
صحيح قانون عادل للأحوال الشخصية، ناقص الثغرات، كافى المواد مطلب على أعلى درجات الأهمية الآن، لكن يبقى للمسئولية الاجتماعية نصيب جوهرى فى إعادة ضبط العلاقات، وفك الاشتباكات، وتقليل الفجوات وإطفاء نيران صراع غير مبرر.. بين طرفين لم يكن أمامهما إلا إنهاء شراكة زوجية.
القانون ضابط صحيح لذلك فهو مطلوب وسريعًا، لكن جزءًا أكبر من صراعات الأحوال الشخصية فيما بعد الطلاق خلل اجتماعى بامتياز.
فى المجتمعات الحديثة، تبقى الحاجة مع القانون الملزم، سلوكًا جمعيًا واعيًا.. باعتباره عنصرًا أصيلًا فى وأد النزاع قبل بدئه.
المطالبات النسوية بمزيد من الحلول واردة.. ومشروعة، لكن تسيُّد موجة «نسوية زائدة» ليست مفيدة.
الاتجاهات العشوائية لشيطنة كل ما هو ذكرى بمنهجية اتجاه شديد الخطورة هو الآخر.
-3-
ربط مزيد من حقوق مستردة للنساء بتعمد الافتئات على صورة الذكر فى مجتمعاتنا، ومجتمعاتنا بالذات، هو جدع للأنوف نكاية فى الوجوه.
المغالاة فى حقوق النساء مثلها مثل التمادى فى حقوق الرجال.
بعض المشايخ على شاشات الفضائيات مسئولون عن حالة استقطاب متزايدة.. بلا دراية.
على سبيل المثال، أحدث الكلام عن حق الكد والسعاية منذ فترة خطوبًا فى بيوت كثيرة، وجدلًا فى أسر عديدة.. وصلت أحيانًا إلى المحاكم.
استخدام أمور الفقه دون شرح واف، وبلا اختبار للأثر الاجتماعى الكامل.. خطيئة أخرى تضاف إلى خطايا. حق الكد والسعاية، ليس أصلا شرعيًا، ولا هو سنة نبوية.
هو اجتهاد خالص لعمر بن الخطاب، يجوز لولى العمل به وعلى أساسه للمصلحة، أو أن يغفل عنه للضرر. المصلحة هنا حاكم واحد ووحيد.
فى اجتهاد عمر ارتبط الكد والسعاية بظروف معينة، منح فيها عمر من مال متوفى لزوجة شاركته تجارة.. قبل نصيب مفروض لها فى الميراث.
حدث أن جاءت حبيبة بنت رزيق تشكو لعمر استيلاء أهل زوجها المتوفى على باقى تركته بعد منحها نصيبها فى الميراث.
قالت إنه كان بينها وبين زوجها تجارة، فكانت تغزل وهو يبيع، وتطرز الأقمشة وهو يسّوق، وطالبت من تركته بأكثر من نصيبها المفروض بالشرع .

يعنى طالبت بمبلغ من المال، اعتبرته رأس مال شراكة فى تجارة.
قضاء عمر فى الواقعة كان محددًا ومسببًا فى ظروف محددة، فهو لم يفت بنصف المال لمجرد علاقة زوجية، ولا قضى بنصف التركة تأسيسًا على رابطة نكاح وحدها.
لم يتحدث الفقه عن استحقاق الكد والسعاية مقابل حياة سعيدة، أو تهيئة بيت مستقر، على حد ما روجت مذيعات الفضائيات والبرامج النسوية على الراديو وفى المسلسلات.
يثبت الكد والسعاية بمساهمة زوجة بمال ورثته أو عقار امتلكته، انتقل لزوجها، فأدى بحال لزيادة ثروته أو اتساع تجارته.
الاجتهاد شىء، والأصل الشرعى نص أو قول شىء آخر.
أحاديث المشايخ فيما يتعلق بالأحوال الشخصية دون بيان واف ولا شرح كاف ليس أداة مثلى فى مجتمع غير مستقر، وسط ضغوط اقتصادية، وعلاقات أسرية مضطربة أغلب الأحوال لأسباب مختلفة.
إنصاف المرأة واجب وضرورة ومهم لا جدال.
لكن الإكثار من تفاصيل توحى بتفضيل طرف على آخر، مرة باسم الدين، ومرة باسم الحقوق الأصيلة لا يثير مزيدًا من مشاكل فقط، إنما يساهم فى خلق مزيد من خلافات ومزيد من توتر، ويقلّب المواجع، ويفسد علاقات، ويرفع للمحاكم نزاعات إضافية، لا يبرأ فيها طرف من محاولات الكيد للآخر أو إعضاله أو التضييق عليه.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله.. وأصلحوا ذات بينكم.