الإثنين 16 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
فصبرًا جميلا

السياسة التى تعالت بها مصر على الأزمات

فصبرًا جميلا

يتكلم المصريون كثيرًا عن الاقتصاد، فى وقت تنشد فيه أغلب شعوب المنطقة الاستقرار. 



حكايات يمكن أن تُروَى عن الأمن الذى تحول فى كثير من دول الشرق الأوسط إلى أحلام. 

هذه دعوة وتذكرة: احسب كم دولة على خريطة الشرق الأوسط لم يعد ينشد أهلها إلا أمانًا فى شوارع خالية من الصواريخ وبلا متفجرات وطائرات مسيَّرة؟  

فى السنوات العشر الأخيرة باتت ملامح الحد الأدنى من الاستقرار فى كثير من أرجاء الشرق الأوسط مبلغًا بعيد المنال، وأصبحت، بلا مبالغة، كسرة خبز بجوار جدار لم يُهدَم بعد.. على أول قوائم الطموحات. 

جرت فى أنهار المنطقة مياه كثيرة.. تهدمت فيها الأسقف على رؤوس الأشهاد.. وارتفعت فى العلياء سحب الدخان وخنفت الناس روائح البارود التى لم يعد غريبًا أن تختلط بأطراف بشرية وجثامين آدمية.. وبقايا أطفال. 

-1-

لا تشتعل الحروب من تلقاء نفسها، ولا تضرم النيران صدفة أو بلا مناسبة. 

أغلب الحروب صنعتها طموحات موهومة غير اعتيادية، بينما أكثرها افتعلتها الحماقات، وضعف فى الحسابات، وقلة التقديرات.. وضبابية فى استنتاج النتائج من مقدمات. 

للحروب فى المنطقة أس من ملاعيب دول كبرى.. هذا صحيح. 

ضخت تلك الدول فى الأذهان أفكارًا ثعبانية غلَّفتها فى ورق سلوفان مفضض، فقضت بها على الأنظمة تارة، وتارة أخرى نظمت جحافل من جماهير نزلت إلى الشوارع مطالبة بالعيش والحرية، فإذا بها تجد نفسها على شفا جرف هارٍ تواجه السؤال الأزمة: متى نستعيد الوطن؟ أو كيف نستعيد الدولة؟ 

لا تبرأ الدول الكبرى من ألاعيب الحواة، لكن، فى الوقت نفسه، لا يمكن أن تبرأ بعض شعوب من تعمدها دعس الأرجل فى مزيد من وحل باسم الإصلاح مرة، ومن محاولات قطع الأنوف نكاية فى الوجوه باسم التغيير.. مرات. 

لا أحد يعرف، للآن، كيف لبعضهم أن يظل على شكله للآن فى أحاديث التآمر على الشرق الأوسط؟ 

إذا لم يكن الربيع العربى مؤامرة مكتملة الأركان.. فما هو؟ 

إذا لم يكن تثوير الجماهير بالضلال والإضلال، ودفع الشعوب بثبات تحسد عليه لمواجهة مؤسساتها فى بلدانها مؤامرة.. فما هو؟ 

إذا لم تكن محاولات نشر الميليشيات، وتسليحها، ثم دعمها مقابل جيوش وطنية أكبر من مؤامرة وأضخم من كارثة.. فما هى؟ 

إذا لم يكن دق أسافين الحروب فى أركان المنطقة، مرة بشعارات رددها خيالات مآتة رُفعوا فوق الأكتاف، مطالبين بحياة كريمة تبدأ من الهدم وتستفتح بإسقاط الجيوش الوطنية.. إذا كان هذا كله ليس مؤامرة.. فما هو إذن؟ 

لم تزل المنطقة كما لو كانت فوهة برميل بارود.. سهل الاشتعال على أهون الأسباب، وسهل الانفجار مع أبسط التفاعلات. 

فى ظل فقدان بوصلة الحسابات الصحيحة فى تلك المساحات الظرفية.. فالمؤكد أن الاشتعال يأتى سهلًا.. والانفجار يأتى سريعًا. 

ليس سرًا أن بعض الدول جُرت لحروب.. بينما فُرضت على بعض آخر الأزمات. 

وقعت دول فى فخاخ النزاعات الصفرية، وامتثلت أخريات لأوهام العنتريات التى ما قتلت ذبابة، وسيقت أخرى إلى الهاوية، مـتأثرة بنغمات عوام كانت أقرب إلى الكاريكاتور منها إلى الحقيقة ومقتضيات الواقع. 

فقدت دول الهواء مع الهوية، والأرض مع العرض، بعد أن جردتها الغفلة من أردية الكياسة، وبعدما عدمت قراءة المستقبل.. وبعد أن انعدمت لديها التقديرات السليمة للمواقف والوقائع. 

-2-

 تكلم الرئيس عبدالفتاح السيسى عن الحسابات الخاطئة. 

وأخطاء الحسابات لا تقتصر على الحرب الأخيرة فى إيران؛ إنما سبقتها حسابات من نفس النوع فى حروب أخرى فاتت.. وربما تلحق الحسابات الخاطئة نفسها بحروب أخرى فى المستقبل. 

عندما تنزل الدول عن فطنتها، فتتخلى الأنظمة عن كياستها تقع الواقعة التى ليس لوقعتها كاشفة.. فتهز الأرض هزًا.. وتهدم الجبال وتمنع الماء وتيبس الزرع.. وتقتل.. وتذبح ثم تعلق الشعوب على مشانق تنصب على أسوار القلاع فى المدن القديمة. 

كل ما مرت به المنطقة من أزمات مرت به مصر.. أو مر على مصر، لكن الدولة بقدرة عبرت وتخطت وتجاوزت وامتصت فى نفس الوقت الذى اضطرت فيه أن تفرض خطوطها الحمراء.. فلا فرطت فى أرض.. ولا أفاضت فى عرض. 

بالخطوط الحمراء صمدت.. وبالصبر الجميل. 

مارست الدولة المصرية، خلال السنوات الأخيرة، صبرًا استراتيجيًا لم تحد عنه، فانتصبت مالكة الزمام، لتقدر المواقف بهدوء، وتتعاطى مع الملمات بثبات كامل. 

لم تندفع مصر، بحكم المكان والمكانة وبحكم الجغرافيا والتاريخ، ورغم القوة والقدرة، إلى عراك مفتعل.. أو إلى تشابك بلا جدوى. 

أتاحت سياسة الدولة المصرية بالصبر مزيدًا من التأمل الأريب، وكثيرًا من الرؤية الواضحة لاستشراف المستقبل. 

فى أوقات كثيرة أرادت مصر أن نتقل ما لديها من خبرات.. وأن تشيع ما عندها من سوابق، لذلك حذرت كثيرًا من الحسابات الخاطئة، ومن خطايا الاندفاع الموهوم نحو الحرب ونحو السلاح ونحو إنهاء النزاعات بالقوة. 

لم نعهد الحروب قنابل تنفجر والسلام، أو صواريخ تطلق ودمتم. 

الحروب أثقال من خسائر وخطوط من مآسٍ وأكوام  من سرديات مروعة عن أصعب لحظات الموت.. وحكايات الموتى. 

إليك تلك الحقائق: السنوات العشر الماضية كانت الأعلى أرقامًا فى أعداد ضحايا الحروب منذ الحرب العالمية الثانية.  

خلفت الحرب الأهلية فى سوريا وحدها ما زاد على 470 ألف قتيل. 

عام 2024 نشأ حول العالم حوالى 56 صراعًا بتكلفة اقتصادية بلغت 19 تريليون دولار. 

وصِفت حرب إسرائيل على غزة بأنها الأعلى استهدافًا للأطفال والنساء والمرضى بالمستشفيات فى حروب المئة عام الماضية. 

تقارير دولية قالت إن حروب المنطقة وحدها أوقعت أكثر من %25 من ضحايا العمليات الحربية حول العالم.. فى السنوات العشر  الأخيرة. 

سقط مليون، وفى تقديرات أخرى الرقم يقترب من المليون وربع المليون إضافى، ضحايا بين مدنيين وعسكريين للصراع فى العراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان حتى عام 2023. 

منذ 2014 للآن سقط فى اليمن وحده حوالى 377 ألف نفس! 

فى الحروب.. الخسارة للجميع.. والموت أيضًا. 

-3-

سياسة الصبر الجميل المصرية ترجمة عاكسة لنضج دولة فى التعامل مع معضلات المنطقة وتشابكات الإقليم.. وأحيانا فى التعاطى مع طموحات دولية إما أنه يجانبها الصواب.. أو يغيب عنها الفهم الصحيح بأقرب الأوصاف إلى اللياقة. 

كان فى الصبر الجميل كياسة ظاهرة.. وتروٍ واضح.. وثبات صلب على الموقف.. فى المكان. 

لم يحدث، أن انجرفت الدولة المصرية وراء انفعالات أو افتعالات. 

بالصبر، أدارت القاهرة أزماتها بهدوء هو الآخر استراتيجى، أنتج حماية تامة للمصالح دون انزلاق فى مستنقعات قتال يستهدف عادة الاستنزاف أو يسعى فى الغالب نهاية المسار لإضعاف الدولة أو الحد على المدى الطويل من قدرات.. أو يحاول بالوقت العمل على تقليص قدرة.. بالزمن وطول الصراع. 

فى المسألة الفلسطينية، مارست القاهرة أعلى ضبط للنفس، فى الوقت الذى أقرت فيه خطوطًا حمراء، أرجعت خطة التهجير خطوات إلى الوراء. 

فى المسألة السودانية، مارست القاهرة ثباتًا قائمًا على موقف نابع من إيمان مطلق بالنأى عن التدخل فى شئون ومقدرات الشعوب، لكن فى الوقت نفسه مارست القاهرة كل حقوقها فى حماية أمنها القومى واتجاهاتها الاستراتيجية.

فى الغرب ومع كل ما طرأ على ليبيا من تغيرات، ومع كل ما شوهد من ندبات فى وجه الدولة هناك، مارست الدولة المصرية صبرًا جميلًا بثبات، أقر خطوطًا حمراء أخرى.. عند المقتضى. 

رغم القدرة المصرية لم يحدث أن سعت للحرب. 

اتقاء الحروب كياسة فى سياسة لم تخل من فراسة قرأت طالع الخرائط وفكت شفرة الجغرافيا واستلهمت التاريخ. 

فى الصبر قوة وقدرة. 

قوة على تفاعل منضبط، وقدرة على إدارة المواقف نحو مصالح الدولة بلا خسارة ولا افتئات. 

لا بد من اعتبار صبر القاهرة الجميل مظهرًا آخر من مظاهر قوة، ثبت خلال السنوات الماضية نجاحها فى تطويع المعادلات الملتهبة.. وتبريدها.. قبل الوصول إلى درجات ضبط موائمة.. صنِعت فى مصر. 

ما زالت القاهرة على ثوابتها ورؤاها، لذلك فتحذيراتها من حروب بلا حسابات.. وتطلعات بلا تبعات.. لا تزال قائمة. 

استشرفت الإدارة المصرية المستقبل فى الحاضر.. بعد قراءة الماضى. 

مصر سبق أن كدت أن الحروب ليست طريقًا لحلول المعادلات.. ولم تكن فى أى من الأوقات ضمانا للتفاهمات. 

لكن بعضهم ما زال يدير الدوائر، ويرفع من مناسيب النيران طمعا فى مكاسب.. لم تتحقق.. والمؤكد أنها لن تفعل.