الأباظية عائلة المواهب
منير مطاوع
هل اعتذر فكرى أباظة عن دعوته الاعتراف بإسرائيل؟!
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
من الأمور التى شغلتنى فترة، خلال عملى الصحفى، بعد البدايات..
ظاهرة العائلات الأرستقراطية الإقطاعية الكبيرة.. التى كانت - من أجل الحفاظ على مصالحها وممتلكاتها وزيادة ثروتها - توزع أبناءها على الأحزاب المختلفة بحيث تجد نفسها - من خلال ممثلها فى الحزب الحاكم - فى أمان.

كان هذا قبل ثورة 1952 التى ألغت الإقطاع وقضت عليه فى ثانى شهر لها فى الحكم.
لكن عائلة ذكية استطاعت أن تواصل الازدهار بعد تحديد ملكيتها الزراعية وبعد توزيع ما يزيد على الفلاحين.
هى عائلة أباظة الكبيرة المتعددة الفروع وذات الأصول الشركسية، فقد قدّمت لنا عددًا من أصحاب المواهب الكبيرة فى مجالات عدة، فتميزت بذلك واحتلت مكانة محترمة على الرغم من عدم تجاوبها الكامل مع المبادئ التى أعلنها الضباط الأحرار..
وقد جمعتنى ببعض نجوم العائلة الأباظية فرص تعارف واقتراب، كما كنت من متابعى نشاطات وإبداعات أعضاء آخرين منهم..
فمثلًا كان وجيه أباظة من الضباط الأحرار وقام بمهام كبيرة قبل وخلال الثورة وفى سنوات الحكم الناصرى، وعرفته عن قرب فى وقت متأخر عندما عيّن محافظًا للبحيرة ثم عندما أنشأ محافظة الغربية على ما أتذكر الآن.
وطبعًا تعرّفت على نجم السينما الكبير المحبوب رشدى أباظة وعايشته لمدة ثلاثة أشهر، مع غيره من النجوم، خلال متابعتى لعملية إنجاز أحد الأفلام المهمة..
وأتذكر أننى منذ سن صغيرة كنت أعرف وأطالع مقالات الكاتب الصحفى العريق فكرى أباظة، لكننى - للأسف - لم ألتق به أبدًا.
وهناك علم من أعلام الأباظية هو شقيقه الشاعر العمودى الكبير عزيز أباظة.
وأخيرًا الكاتب الروائى ثروت أباظة.
شاهدته كثيرًا فى صالون نجيب محفوظ وفى مقهى وحلوانى «بترو» فى الإسكندرية.. الملتقى الصيفى لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومريديهما، لكننى لم أحادثه أبدًا.. فقط كنت أتابع ميله إلى الالتصاق بمحفوظ والحكيم.
الأشهر
لعلنى أبادر بالحديث عن أشهر «الأباظية» وأكثرهم تميزًا بالقوة والزعامة ومناهضة الاستعمار وكشف العيوب والفساد فى المجتمع، فكرى أباظة المحامى والنائب البرلمانى فى زمن سعد زغلول.. والكاتب وأول صحفى ينتخب نقيبًا للصحفيين، بعدما كان هذا المنصب موقوفًا على أصحاب الصحف.
استمر فكرى أباظة نقيبًا لمدة أربع دورات متتالية. وهو ما لم يحدث أبدًا لغيره على طول تاريخ النقابة العريقة.
كنت أقرأ له، عندما كبرت قليلًا.
أعجبتنى شجاعته وخوضه فى القضايا المهمة فى حياة الناس سياسيًا واجتماعيًا، وعرفت أنه استمر رئيسًا لتحرير مجلة «المصور» لمدة 35 عامًا.. فقلت هذا رجل يحطم الأرقام القياسية.
ولذا كان لقب «شيخ الصحفيين» من بين ألقابه ومنها «فارس الكلمة» و«الضاحك الباكي».
وتابعت تاريخ حياته فاكتشفت أنه كان زعيمًا طلابيًا يهاجم رؤساء الحكومات، وأنه كان من خطباء ثورة 1919.
وأدهشنى أكثر أنه كان رياضيًا ونجمًا ورئيسًا للنادى الأهلى كما كان يهوى الموسيقى، وله فيها مؤلفات عديدة!
واشتهر أيضًا بأحاديثه الإذاعية التى كانت محل إعجاب جمهور كبير.. فهو يجمع بين الشجاعة وقوة المنطق وتناول القضايا المهمة مثل حقوق العمال والفلاحين وحقوق المرأة والدفاع عن حرية الصحافة.
وعلمت أن منصب الوزير عرض عليه قبل الثورة ثلاث مرات ولم يقبله لاعتقاده أن دوره كبرلمانى ناجح أفضل له من أى عمل تنفيذي.
توقفت كثيرًا عند مناداته فى أحد مقالاته الخطيرة سنة 1961 بأن يقوم العرب بالاعتراف بدولة إسرائيل والصلح معها وإقامة دولة فلسطين.
ولا أنسى أنه أرغم على الاعتذار عن هذا المقال.
وله مقال آخر شهير اعتذر عنه أيضًا، كتبه عن ديكتاتورية فرانكو حاكم إسبانيا، لأن المقال اعتبر وقتها إسقاطًا وتلميحًا على عبد الناصر.
فهل يعنى هذا أن فكرى أباظة كان فى سريرته - بحكم كونه سليل أرستقراطية إقطاعية - ضد ثورة يوليو رغم وطنيته.
تلميذ أمير الشعراء
شقيق فكرى أباظة وهو عزيز أباظة الشاعر الذى تقلّد مناصب كبيرة قبل الثورة حيث عين مدير مديرية (محافظًا) لعدد من المديريات (المحافظات) منها القليوبية والمنيا وأسيوط وبورسعيد والفيوم والبحيرة وغيرها، إلا أنه اشتهر كشاعر عمودى كبير بأغنية غناها محمد عبد الوهاب هى «همسة حائرة».
وكان يعتبر نفسه خليفة أحمد شوقى وتلميذه الذى يليه فى المكانة.. كما غنت له أم كلثوم قصيدة عن السد العالى مطلعها: كان حلمًا فخاطرًا فاحتمالا

ثم أضحى حقيقة لا خيالا
لكن شاعرًا كبيرًا آخر هو كامل الشناوى، كشف أن القصيدة ليست من تأليف عزيز أباظة وإنما هى من تأليفه هو كامل الشناوي!
وكشاعر، تولى رئاسة لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للآداب والفنون كما نال جائزة الدولة التقديرية فى الشعر سنة 1965 وسلّمها له الزعيم جمال عبدالناصر، لكنه بعد رحيل عبد الناصر كتب قصيدة هجاء للزعيم! النجم المحبوب
نأتى إلى النجم الأباظى الذى عرفته وعايشته عدة أشهر خلال إنجاز أحد أفلامه وهو رشدى أباظة..
فأنا مثل كل جماهير السينما المصرية كنت أعرفه وأعجب به وبتميزه وتنوع أدواره وكفاءته فى تقمّص كل شخصية يؤديها، من ابن البلد إلى الأرستقراطى، ومن المجرم إلى المناضل السياسى، ومن العاشق الولهان إلى الرجل القاسي.
وقد علمت خلال تتبعى لقصته مع السينما، أنه لم يكن يخطر على باله أن يصبح نجمًا سينمائيًا، وكان دخوله عالم هذا الفن مصادفة.
لكنه برع فيه وأصبح أكثر نجم سينمائى مصرى محبوب.
أسعدنى أن تيسرت لى فرصة الاقتراب من هذا النجم المدهش.
وأصفه بـ«المدهش» لأنه كما لاحظت كان يجلس معنا ومع مجموعة عمل الفيلم، فتجد أنه الأكثر لطفًا وطرافة وتنكيتًا وهيصة..
ووسط هذا الجو المرح يستدعى للتصوير فتجده وقد تحوّل فى لحظة إلى إنسان آخر غير هذا الذى كان يجالسنا ويمزح ويهرّج ويلقى بالنكات والطرائف، تحوّل فجأة إلى الشخصية التى يؤديها فى الفيلم.. وعندما ينتهى تصوير المشهد يأتى ليواصل المرح والهيصة.
ومن انطباعاتى عنه أنه يتصرف بطلاقة وتلقائية واطمئنان كما لو كان يملك الدنيا وما فيها، تشعر به كإنسان نبيل أو أمير، لا تملك إلا أن تحبه وتأتمنه وتتمنى أن يصبح صديقًا لك.. فهو لا يضمر شرًا لأحد ولا ينطوى على خبث أو تعال، أو ميل إلى المنظرة والترفع والادعاء.. يتصرف بتلقائية وبساطة وبروح ودودة ولا يصطنع مسافات وفواصل بينه وبين الآخرين ويكفى أن تلمس أسلوبه فى التعامل مع الكومبارس وعمال الاستديو الذين يبادلونه الحب والاحترام.

لكن حياة رشدى أباظة الشخصية كانت تقوم على اللهو أكثر من أى شيء، مع أنه باعتراف المخرجين والنجوم كان شديد الحرص على إتقان عمله كفنان ويظهر لنا هذا بوضوح فى أعماله التى بلغت نحو 160 فيلمًا.
فقد تزوج خمس مرات قبل وفاته فى عمر 53 سنة!
ومن زوجاته تحية كاريوكا التى كانت تساعده فى بداياته، وسامية جمال وصباح..
وعن طريقة تلقى رشدى أباظة الإرشادات من المخرج أو المصور، لا مجال للمجادلة، فقط محاولة جادة للفهم بما يتيح له تقديم أفضل أداء..
لقد شاهدت وعايشت أكثر من نجم ونجمة خلال تصوير الأفلام، فلم أجد من كان على هذا القدر من السلاسة والطلاقة، هناك نجوم قديرون مثل محمود مرسى ومحمود ياسين.. وأحمد زكى وغيرهم، لكن رشدى أباظة هو عالم وحده.
وخلال مناقشة لى مع المخرج قلت إننى أرى رشدى أباظة كممثل عالمى، فحكى لى كيف أنه كان المرشح الأول لدور رئيسى فى فيلم «لورنس العرب» للمخرج الإنجليزى العالمى ديفيد لين، سنة 1962 لكن المخرج فضّل عليه عمر الشريف الذى أصبح أشهر نجم سينمائى فى زمانه.
وفى الأسبوع المقبل نواصل حكايات «الأباظية»



