بشاير البرلمان الجديد
يكشف التفاصيل: إبراهيم جاب الله
عودة الاستجوابات «تحت القبة»
فى خطوة جديدة تكشف عن مؤشرات الأداء القوى تحت قبة البرلمان خلال دور الانعقاد الحالى، عادت الاستجوابات مرة ثانية «تحت القبة» لنشهد أول استجواب يتم تقديمه من قبل حزب العدل حول ملف الغاز والطاقة باعتباره واحدًا من أهم القطاعات، وذلك فى افتتاح قوى للمجلس يكشف ملامح العمل الفترة المقبلة من دور الانعقاد الأول فى الفصل التشريعى الثالث.
يأتى ذلك بعد أن غابت الاستجوابات كأهم أداة رقابية تحت القبة، على مدار الفصلين التشريعيين الأول والثانى لمجلس النواب خلال السنوات الماضية، حيث اقتصرت الأدوات الرقابية على طلبات الإحاطة والأسئلة والبيان العاجل، فى حين لم نر استجوابات تحت القبة بما أدى الى وجود كثير من الجدل حول أداء البرلمان فى الفترات الماضية.
ملامح الأداء القوى للمجلس الحالى بدت ظاهرة منذ الوهلة الأولى التى ألقى فيها رئيس المجلس الحالى المستشار هشام بدوى كلمة قوية أكد فيها للنواب أن حدودنا الالتزام بالدستور، والمحافظة على هيبة هذا المجلس، وأن هذا المجلس ركيزة صرح تشريعى متين بنى على إرث ضخم من ممارسة برلمانية عريقة، كما وعد بالمساواة بين الأعضاء بإنصاف وموضوعية بحياد من غير تحيز، وشدد على أننا حريصون على أداء دورنا الرقابى والتشريعى والارتقاء بالعمل البرلمانى.
بجانب هذه الملامح القوية التى تم رسمها مبكرًا فى خطاب رئيس المجلس، يضم البرلمان خبرات قانونية ومالية ونوابًا شاركوا فى العمل التنفيذى على مدار السنوات الماضية وبعضهم أصبحوا رؤساء لجان نوعية بما يزيد التوقعات بوجود مزيد من الأداء القوى، وقد يفتح الباب أمام استجوابات أخرى يتم تقديمها خلال الأيام المقبلة.
وتأتى عودة الاستجوابات فى توقيت بالغ الأهمية، خاصة مع ما يواجهه الاقتصاد المصرى من تحديات متشابكة، ومع تصاعد الحاجة إلى رقابة برلمانية فعالة توازن بين دعم استقرار الدولة وضمان المساءلة والشفافية فى إدارة الملفات الحيوية، وعلى رأسها ملف الطاقة.
وتعكس هذه الخطوة مدى النشاط الذى سوف تشهده الحياة البرلمانية وتعزز من دور السلطة التشريعية والرقابية وفتح صفحة جديدة من التفاعل السياسى تحت قبة البرلمان وتفعيل الأدوات الرقابية الدستورية، وترسيخ مبدأ المحاسبة ودعم الأداء القوى لمجلس النواب خلال المرحلة المقبلة، بما يسهم فى تحسين جودة التشريع وتعزيز ثقة المواطن فى المؤسسات النيابية.

أول استجواب
ومع افتتاح الفصل التشريعى الجديد، تقدم حزب العدل عبر نائبه محمد فؤاد بأول استجواب موجه إلى كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية، بشأن أزمة الغاز والطاقة فى مصر، باعتبارها ملفًا مهمًا ترتبت عليه آثار مباشرة على الأمن الطاقى والاستقرار المالى، والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.
ويأتى هذا الاستجواب انطلاقًا من مسئولية البرلمان فى تقييم السياسات العامة ونتائجها الفعلية وليس الاكتفاء بالتصريحات أو المستهدفات المعلنة خاصة فى ملف بحجم وتأثير قطاع الطاقة.
كشف الاستجواب أن إنتاج الغاز الطبيعى دخل مسارًا هابطًا واضحًا منذ عام 2022، حيث تراجع متوسط الإنتاج اليومى من نحو 6.5-7 مليارات قدم مكعب إلى قرابة 4 مليارات قدم مكعب بنهاية 2025 بانخفاض تراكمى يقترب من %17.5 خلال فترة تولى الوزير الحالى دون ظهور مؤشرات فنية دالة على انعكاس هذا الاتجاه رغم بيانات شبه يومية عن زيادة إنتاج لا تترجم على أرض الواقع.
ويظهر التحليل أن هذا التراجع لم يكن عارضًا؛ بل مسارًا منتظمًا ما يطرح تساؤلات جوهرية حول دقة التقديرات التنفيذية التى بنيت عليها السياسات والقرارات المرتبطة بالكهرباء والاستيراد، كما يرصد الاستجواب وجود فجوة متكررة بين المستهدفات الإنتاجية التى عرضت ضمن خطط 2025 ــ 2026 وبين ما تحقق فعليا على الأرض نتيجة إدراج آبار ومشروعات لم تبدأ أعمال الحفر بها أو لم تثبت جدواها الفنية بعد.
وفى حقل ظهر على سبيل المثال استهدف العرض الرسمى إنتاج 230 مليون قدم مكعب يوميًا، بينما لم يتجاوز الإنتاج الفعلى 130 مليون قدم مكعب بما يمثل عجزًا يقارب 43%، وهى فجوة كان لها انعكاس مباشر على قرارات تشغيل محطات الكهرباء والتوسع فى الاستيراد.
كما يتناول الاستجواب ما يتعلق بإدارة ملف «وحدات التغويز العائمة» رغم تقديمه باعتباره حلا عاجلا لأزمة صيفية فقد أدت التأخيرات وسوء التنسيق إلى غرامات تأخير يومية تتراوح بين 100 و150 ألف دولار، وتحمل تكلفة شهرية تقارب 12 مليون دولار لوحدات لم تدخل الخدمة الفعلية فى التوقيتات المعلنة، وهو ما يعكس عبئًا ماليًا مباشرًا بالعملة الصعبة، دون عائد تشغيلى مقابل.
وطبقا للاستجواب المقدم فإنه كنتيجة طبيعية لهذا المسار، ارتفعت فاتورة واردات الوقود إلى نحو 21 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 12 مليار دولار فى العام السابق، أى بزيادة تقارب 9 مليارات دولار خلال عام واحد، ما شكل ضغطًا شديدًا على الموازنة العامة وميزان المدفوعات.
وأوضح الاستجواب أن معالجة فجوة الطاقة لم تتم عبر تسريع التعافى الإنتاجى؛ بل عبر التمويل والاقتراض، حيث حصلت الهيئة العامة للبترول على تمويل خارجى بنحو 1.455 مليار دولار، استخدم لتغطية فجوات الاستيراد لا لتمويل توسعات إنتاجية مستدامة، وبذلك تحولت فجوة التخطيط إلى التزام مالى جديد تتحمله الدولة.
وانعكست الأزمة على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة من خلال خفض أو توقف جزئى للإنتاج، فى وقت تحمل فيه قطاع الكهرباء تكلفة وقود بديل أعلى بما يهدد استدامة التعريفة.
وأكد حزب العدل أن هذا الاستجواب يهدف إلى تقييم السياسات ونتائجها، وتحديد المسئوليات العامة على أسس موضوعية، بما يضمن مصارحة حقيقية حول وضع الطاقة وتصحيح المسار، كما شدد الحزب على أن أمن الطاقة واستقرار المالية العامة وتنافسية الصناعة ملفات يجب أن تكون منضبطة وأن افتتاح الفصل التشريعى بهذا الاستجواب يعكس توجهًا واضحًا نحو نقاش جاد قائم على الأرقام والوقائع.
تأثير مختلف
من جانبه قال النائب عاطف مغاورى، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع أحد أحزاب المعارضة تحت القبة: إن عودة الاستجوابات الى البرلمان كأقوى الأدوات الرقابية مؤشر جيد، وإن هذا ما يتمناه من أداء المجلس الحالى الذى يضم كفاءات تنفيذية وتشريعة وقانونية، داعيًا إلى ضرورة أن أن يعمل المجلس بإرادة مستقلة بعيدًا عن الحكومة لأن هذا سيكون تأكيدًا للإرادة الدستورية والقانونية وتفعيلًا قويًا لدور المجلس فى مراقبة الأداء الحكومى.

وأوضح فى تصريحات خاصة لـ«صباح الخير» أن الاستجواب كأهم الأدوات الرقابية يمر بمراحل حتى يعرض على الجلسة العامة، حيث يتم عرض الاستجواب أولا على الأمانة العامة وهيئة مكتب المجلس قبل مناقشته، لافتًا إلى أنه على مدار الفصل التشريعى الأول والثانى للبرلمان منذ عام 2015 حتى عام 2025 لم نشهد أى استجوابات، بما يعنى غياب الأداة الرقابية الأهم على مدار 10 سنوات، كما غاب الدور الفعال للجان تقصى الحقائق تحت القبة.
وأشار مغاورى إلى أنه على مدار المجالس السابقة كان أى وزير يتم مساءلته أمام المجلس ينتهى الأمر بتوجيه الشكر له، والاستمرار فى منصبه حتى لو كانت المشكلة قائمة، ولم يتم حلها جذريًا، وحينما يأتى أى مسئول أو وزير ليلقى بيانه أمام المجلس بعد انتهائه يصفق له أعضاء المجلس، وهذا بمثابة موافقة مبدئية على البيان، معتبرا أن هذه الممارسات التقليدية تتطلب من المجلس الحالى تغييرها والمحاسبة الفعالة للحكومة على أدائها.
وتابع: من المفترض أن يحال البيان أو طلب الإحاطة المقدم من النائب للجان المختصة لمناقشته بحضور المسئولين من الحكومة، ولكن فكرة التصفيق ليست فى مصلحة النواب أو المجلس، مشيرًا إلى أنه هناك آلية لطرح التشريعات ومشروعات القوانين، حيث إن أى مشروع قانون جديد يأتى من رئيس الجمهورية أو الحكومة أو أكثر من 60 نائبًا، ولكن من يتقدم من النواب بتشريع قد لا يلتفت إليه أو يتم التزام الصمت تجاهه من قبل الحكومة، وإذا التزمت الحكومة الصمت قد لا يرى مشروع القانون النور أو قد نتفاجأ بأن الحكومة تتقدم بمشروع قانون جديد، ولا بد من تفعيل آليات تقديم التشريعات من قبل النواب.
وأضاف: الاستجوابات والأدوات الرقابية للنواب على الأداء الحكومى لن تكون فعالة إذا استمرت فكرة نائب الخدمات الذى يطلب من الوزير خدمة لأبناء دائرته، لأن هذا النائب الذى ينشغل بالخدمات فقط لن يكون قادرًا على ممارسة الدور الرقابى على الحكومة أو توجيه النقد لها، ولذلك يجب إعادة النظر مباشرة فيما يسمى نائب الخدمات حتى تكون الأدوات الرقابية فعالة تحت القبة.



