الأربعاء 4 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الرمز فى «أقدام سوداء»

«بين التاريخ والحب والمقاومة».. حكايات على الهامش



 

فى عالم الرواية؛ حياة أخرى، مزيج من العالم السحرى يدب على أرض الواقع، والغموض الذى يسود الجو النفسى للراوية يمنحك حالة من الدهشة والانبهار، ويجبرك على السبر فى أغوار العمل الفني. وهذه من خصائص العمل المتميز.

فعندما يرتبط العمل الأدبى بسرد تاريخى مع أبعاد فلسفية ورمزية، هذا ما يجعل من العمل روحًا وجسدًا حيًا ينبض بالحياة والحيوية، كأنها تتفاعل معك وربما تتجاوب معك كأنها صديق لك.

فالتمكّن من لغة السرد القوية هو ما يضيف للعمل ملامحه الجمالية، مثل لوحة فنية متكاملة العناصر.

هكذا هى الروايات المرتبطة بالسرد التاريخي. تنجح الرواية عندما تترك فى الذاكرة أثرًا لا يُنسى، لأنها تُقرأ لتظل عالقة فى الذاكرة، كما لو أن صفحاتها تحمل نبض الأرض نفسها.

رواية «الأقدام السوداء (للروائى محمد فايز حجازي)» تأخذنا فى رحلة عبر التاريخ لتكشف كيف أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عابر، بل نتيجة مباشرة لاختلال السيطرة على ثروات البلاد، وبالخصوص ثروة البترول التى كانت محركًا للطمع والجشع.

يستعرض الكاتب محمد فايز حجازى أثر هذه السيطرة على الإنسان والأرض معًا، ويظهر كيف أصبح الاستغلال الاقتصادى سببًا فى غزو البلدان ونهب خيراتها، ليترك خلفه آثارًا لا تمحى على الذاكرة والجغرافيا والمجتمع.

«الأقدام السوداء» هى واحدة من الأعمال ذات العناوين التى تحمل طابعًا رمزيًا فلسفيًا.

فعندما تتصفح صفحاتها الأولى، يشدك عالمها فى محاولة لربط العنوان بمضمون الرسالة: الأقدام السوداء. ربما لا تجد الإجابة مبكرًا، لكن التسلسل الطبيعى مع القراءة سيُوضح لك كل شيء، بأسلوب سردى ممتع.

الأقدام السوداء هى أقدام الاستعمار الأسود القاسى، الذى قطع آلاف الأميال من بلدانهم إلى بلدان غنية بالثروات من أجل نهبها وسلبها. إذن، فهى ترمز إلى الاستعمار.

الرواية بصفة عامة تتحدث عن نوع من المشكلات المعاصرة، وهى البطالة، إذ يبحث المهندس حسن عبد الكريم عن عمل.

مقر عمله فى الصحراء، آبار البترول، الجزائر.

إذن تكمل الصورة مصر والجزائر وليبيا، ونحن فى قلب الوطن العربي.

منذ اللحظة الأولى، يشدك السرد إلى عالم مزدوج: تاريخى ووجدانى، حيث تتشابك جراح الوطن مع قصص الإنسان، ويصبح الماضى والحاضر مترابطين فى نسيج متين من الحب؛ لا توجد حياة بدون حب، والخيانة هى الشوك الذى يخنق الحب.

الصراع بين الخير والشر، والخذلان والهزيمة، وعدم وجود من يقدم العون من القريب، واليأس عندما تفقد كل القوى الداعمة وتشعر بالوحدة، والأمل الذى يتجدد مثل نبض الحياة عندما يدعمك من يحبونك.

تبدأ بسلسلة من المشاهد المتفرقة التى تتحرك بين مصر والجزائر، وكأن الكاتب ينسج خيوطًا دقيقة ليضع القارئ أمام لوحة كبيرة تتكشف تدريجيًا.

من هذه اللوحة يبرز حسن عبدالكريم، المهندس المصرى الذى تقوده الصدفة للبحث عن العمل، مجرد أمل بسيط.

تأخذه رحلة العمل إلى قلب صحراء الجزائر، حيث النفط والثروات، ولكن أيضًا الطمع والجشع. الأرض هنا ليست مجرد مساحة أو خرائط جغرافية، بل كيان حى يحمل ذكريات النهب والغزو، ويترك آثار أقدام الغزاة السوداء التى لا تمحى بسهولة.

مصطلح «الأقدام السوداء» لم يكن مجرد لقب للمستوطنين الأوروبيين فى الجزائر، بل ما زالت آثاره الباقية تعبث بثروات الوطن وربما تجد من ينفذ مخططاته.

أصبح رمزًا للظلم والطمع والاستعمار، وصورة حية للجشع البشرى الذى يتعدى الأرض ليصل إلى وجدان الإنسان.

الرواية لا تصور الخير والشر ببساطة، بل تجعل الصراع إنسانيًا ومتعدد الأغراض، يمتد فى كل تفاصيل الحياة: فى اختيارات البطل، فى علاقاته، وفى مواجهته لعالم يسعى لابتلاعه. كل خطوة تمثل اختبارًا، وكل قرار يحمل عواقب لا يمكن توقعها بسهولة.

 صراع دائم

ما يميز الرواية هو عمق الشخصيات، فكل شخصية ليست مجرد طرف فى الحبكة، بل كيان حى يحمل رمزية.

حسن عبد الكريم هو الإنسان فى مواجهة الطمع والخيانة، وفى صراعه مع نفسه قبل أن يواجه العالم الخارجي.

حياته فى الجزائر، بين الرمال الحارقة والآبار النفطية، تمثل رحلة وجودية: صراع بين الطموح والأخلاق، بين الواجب والحب، وبين الحلم والواقع المظلم.

داليا، الحبيبة، هى الحب المتأصل والمتجذر بين حدود الوطن، رمز الصلة الوثيقة وعلاقة الحب المتبادل بين أشقاء الوطن. فالحب فى الرواية ليس إطارًا جانبيًا، بل قوة دافعة ومعززة ومقاومة. علاقة حسن بداليا، زميلته فى المشروع، تجسد محاولة للحياة والتماسك بين الأشقاء وقت الحرب والدمار، ضد قوى الشر والفساد والخيانة، لتؤكد أن القلب، رغم كل الخيانات والخذلان، قادر على البقاء حيًا. الحب هنا تجربة إنسانية، أبعادها فلسفية وجودية، تمنح الشخصيات القدرة على المقاومة، وتضفى على الرواية بعدًا إنسانيًا عميقًا.

فى المقابل، الشخصيات المظلمة التى تعمل فى الظل وتخطط للنهب، لا تُصوَّر كشخصيات شريرة تقليدية، بل كرموز للطمع الذى يلتهم الأرض والوجدان معًا. هؤلاء يمثلون كل القوى التى تهدد الإنسان فى وجوده، سواء من الخارج أو الداخل، ويجعلون كل لحظة فى الرواية اختبارًا للضمير والقيم.

أكثر من مجرد خلفية

الأرض فى الرواية ليست خلفية عابرة، بل كيان حى ينطق بالحكاية.

حقل النفط، الصحراء القاحلة، المساجد القديمة، كلها عناصر تتفاعل مع الشخصيات، وتعكس الصراع الأزلى بين الإنسان وما حوله. الأرض ليست مجرد موضوع سياسى، بل تجربة وجدانية: كل خطوة على الرمال تحمل عبء الماضى، وكل اكتشاف للفساد يمثل مواجهة مباشرة مع الطمع والجشع البشري.

الكاتب يربط الماضى بالحاضر بطريقة تجعل القارئ يدرك أن التاريخ ليس مجرد أحداث سابقة، بل قوة حية تؤثر على كل فرد، وتخلق صراعات مستمرة. تجربة الإنسان مع الأرض هى تجربة بقاء، وكل لحظة فيها اختبار للصبر والعقل والقلب.

أسلوب حجازى الكتابى يجعل السرد حيًا، وكأن الكلمات نفسها تتنفس مع القارئ. الوصف ليس زخرفة، بل أداة لإيصال الإحساس: رائحة الرمال، صدى الآبار، ضوء الشمس على الصحراء، أصوات التكبير فى المساجد، كل هذه التفاصيل تجعل المشهد أكثر من مجرد لحظة عابرة، بل تجربة حسية متكاملة تربط القارئ بالعاطفة والتاريخ فى آن واحد.

السرد متوازن بين العمق النفسى والرمزية التاريخية، ويمنح القارئ القدرة على العيش مع الشخصية فى كل لحظة، يشعر بحرارة الشمس، برمال الصحراء، ويرى آثار الأقدام على الأرض التى حملت قصص الظلم والخذلان.

التماثيل المنتشرة فى الرواية، سواء للمواطنين الأحرار أو القادة العسكريين أو الفنانين، تمثل شهادة على قدرة الإنسان على الخلق والتميز، وترك أثره رغم الخراب والظلام. كل عنصر يحمل دلالات مزدوجة: ماديّة ووجدانية، تاريخية وفلسفية، ويجعل الرواية تجربة متعددة المستويات.

الحب والخيانة

الحب فى الرواية قوة مضادة للظلم.

علاقة حسن وداليا ليست مجرد قصة رومانسية، بل تجربة مواجهة للخراب والخذلان، وتبرز هشاشة الإنسان وقدرته على الحب فى أصعب الظروف. الحب هنا مقاومة، مواجهة للخذلان، وإرادة للبقاء حيًا وسط الفوضى.

الخيانة تمثل الجانب المظلم للصراع البشرى، ليس فقط من المستعمرين، بل من أشخاص يختارون الانحراف عن الأخلاق.

هذه الخيانة تزيد من تعقيد الأحداث، وتجعل القارئ يعيش حالة من التوتر النفسى المستمر، ويشعر بمدى هشاشة القيم فى عالم يسوده الطمع والجشع.

رغم كل الصراعات، لا تنتهى الرواية بانتصار أو هزيمة.

بل كما هو الوضع الطبيعى للتسلسل التاريخى، ما زال الصراع مستمرًا، ولا توجد نهايات محددة، فكل النهايات مفتوحة وقابلة للتأويل. ربما يمكننا استخلاص نهاية مفادها مصالحة مع الذات ومع الواقع، حيث يظل الحب والكرامة قادرين على الصمود، وتبقى الروح الإنسانية حيّة رغم الطين والدمار والخذلان.

الرواية تعلم أن الإنسان يظل قادرًا على المقاومة، على الحب، وترك أثره فى العالم، حتى لو لم يكن الانتصار ملموسًا بشكل كامل.

لا أحد يخرج من الصراعات دون جراح، ولكن علينا مواصلة الجد والعمل من أجل الحياة والحفاظ على الحقيقة المطلقة الكامنة فى جذورنا التاريخية، التى تعتمد اعتمادًا كليًا على الحب من أجل البقاء. الحب يصبح فعل مقاومة، والبقاء حيًا وسط الخراب هو الانتصار الحقيقى، رغم كل ما حول الإنسان من فوضى وظلم.

«الأقدام السوداء» تجربة متكاملة تجمع بين التاريخ، الرمزية، والصراع الداخلى والخارجي. تجعل القارئ يعيش مع الشخصيات كل لحظة، يشاركهم الألم والخوف والحب والخيانة، وتحوّل القراءة إلى رحلة معرفية ووجدانية عميقة.