وليد طوغان
المعارضة اللذيذة الشقية
لله فى خلقه شئون.
فى الكلام الدارج العامى فى الشارع أنه «كون ومدبره سيده»، فلا سلطان لأحد على أحد، ولا ضابط لعقول الذين فرت منهم العقول، ولا فائدة من الذين تهاوى عندهم المنطق، فغامت عليهم الأحوال، فهدموا الفواصل بين الواقع والخيال.
مظاهرة حمدين صباحى فى حب كاراكاس ما زالت متداولة، وآثارها هى الأخرى ما زالت دائرة بعدما ملأت مواقع التواصل.
دعك من الكلام السيئ والألقاب التى تنابزوا بها على مواقع التواصل تعليقًا على الشكل وعلى الصورة وعلى المظهر، وعلى لغة الجسد فى حمدين صباحى نفسه وهو يخاطب ما لا يزيد على عشرة أشخاص، فى لغة جسد لا يمكن الاعتداد بها إلا فى مخاطبة الملايين.
دعك من الشتائم ومن الضحك إللى للركب على الموقف وعلى لقطات الفيديو.
إن جيت للحق، هذه مواقف لا يصح فيها الضحك، ولا السخرية.
هذه مواقف تفكُّر وتمعُّن، وشكر لله الذى منع عن الأصحاء ما أصاب به آخرين، وفضلنا على كثير من خلقه.
على مواقع التواصل قاربوا فيديو صباحى على المنصة يهتف ضد الولايات المتحدة من أحد مقرات حزب الكرامة داخل شقة الدقى، بمشهد أقرب إلى غرفة فى مستشفى الأمراض العقلية.
ربما هى المقاربة الوحيدة التى تخلو من سب.
المقاربات من هذا النوع أقرب إلى الوصف منه إلى القذف الذى قد يعاقب عليه القانون.
-1-
فى رواية للأديب الروسى الرائع فيدور ديستوفسكى أن أنباء تواترت عن أن السيد المسيح فى طريقه إلى أسوار مدينة أشبيلية.
لما انتشر الخبر، ترك المصلون الكنائس، وكفوا عن منح الأموال للكهنة، وتركوا الإيداع فى صناديق النذور، ولبسوا أفضل ما لديهم، وتجمهروا فى مجموعات كبيرة لاستقبال المسيح على مدخل المدينة.
لكن كهنة الكنيسة أصابتهم الصدمة.. والذهول.
فلا أحد يصلى، ولا أحد يعطى العشور، ثم أنه لا أحد يقبل يد الكهنة، ولا أحد يتوسل لأصحاب القداسة أن يتوسلوا إلى الله كى يحقق المراد.. فتتحقق الأمانى.
بين يدى السيد المسيح على مدخل المدينة، وقف الناس فى جانب، بينما واجه الكاردينال السيد المسيح وخاطبه قائلًا: سيدى.. ما الذى فعلته بالناس؟.. لقد جفت صناديق النذور، وتلاشت العطايا للكنيسة، وكف الناس عن الصلاة، وأضاف: «سيدى.. لقد أصبت الكهنة بالضرر، مع أن الكهنة هم الذين بنوا الكنائس، وهم الذين رعوا شعبها، وهم الذين وعظوا فى الناس باسمك.. ولأجل اسمك».
ثم انفعل الكاهن، وأصدر أوامره للسيد المسيح بالخروج فورا من المدينة.. والعودة من حيث أتى!
القصة ذات دلالة، وفيها ألوف الإشارات والإيحاءات.. والتطابقات.
فى انتخابات 2014، تهاوى حمدين صباحى من حالق.

وصفوها وقتها بانتخابات «الثلاثة فى المائة»، وهى فى اعتقاد خبراء أنها نسبة أكبر من الأصوات الفعلية التى كان من المفترض أن يحصل عليها صباحى فى التنافس على رئاسة الجمهورية.
كانت المفاجأة لحمدين قاسية، إذ إنه وقتها خرج ليسب الناس، ويشتم الجماهير، ويقذف الشارع.
شكَّك صباحى فى النتائج، وبعد أيام، رجع باللوم على المصريين، وطعن فى قدرة الشعب الذى قال إنه ثار من أجله، وترشح فى الانتخابات لأجله ، وشكك فى قدرة الشعب على اتخاذ قرار بانتخاب الأصلح، واستغرب غياب قدرة المصريين على اختيار الأصلح للعيش والحرية والكرامة الإنسانية!
-2-
عودة لمشاهد شقة الدقى.
على مواقع التواصل، قالوا إنها مشاهد «تدرّس».
لماذا يجب أن تعاد تلك المشاهد على الطلبة فى قاعات محاضرات علم الاجتماع وعلوم السياسة؟
لأنها مشاهد ليست فقط للعظة والعبرة، إنما إشارات أوضح ودلالة أظهر على حال بعض ممن حسبوا أنفسهم على المعارضة، فاعتقدوا قدرًا من التأثير ظنًا، وقدرًا من التواجد وهمًا، وقدرًا من القدرة غيلة، قبل أن يسقطوا فى اختبار الزمن، وقبل أن تسحقهم امتحانات الملمات، وقبل أن تقضى عليهم اختبارات الواقع.
بعضهم حاول اللعب على الواقع.. وبعضهم تلاعب به.
بعضهم لعب بأدمغته الواقع، وبعضهم سبق وأن ضُبط متلبسًا باللعب على الحبال.
للمعارضة على طريقة حمدين صباحى أحوال.
فى عالم «المجاذيب» يدخل النفر منهم حالة من الاعتقاد فى التسامى الأعلى والتجرد الكامل مع انفصال شديد عن الواقع، بحيث يظن فى نفسه القدرة على الاتصال والاتحاد مع القوى الكبرى الأعلى المهيمنة على العالم وعلى مقدرات الأمور وعلى تصريف الخطوب.
يسمونها «أحوال» لأنها مشاعر غير قابلة للقياس على قاعدة، ولأنها لا تخضع لمنطق، ولا تتماشى مع قوانين الزمن ولا معادلات الواقع.
فى نوبات «الحال» يدخل المجذوب عوالم لا يراها إلا هو ، وأجواء لا يشعر بها أحد غيره، ثم يعود ويروى عنها بيقين كامل.. فيصدقه المريدون.
3 -
للمعارضة على طريقة حمدين صباحى آثام وخطايا.
هوجة يناير واحدة من تلك الخطايا، تضاف بأريحية إلى آثام قبلها، وأكثر من خطيئة بعدها.
لا أحد يعرف للآن، كيف يظن هؤلاء فيما يظنون، رغم فشل ذريع فى شعبية، وفى تأسيس أحزاب، وفى قواعد فى الشارع، وبعد فشل ذريع أيضًا فى أى اتصال بالمواطن فى الأزقة وفى الحوارى التى قالوا إنهم يعملون لأجله، ويناضلون لأجله؟
قبل يناير، تحجج بعضهم ببرد الشتاء وحر الصيف، ثم بعدها آثر بعضهم أن يمسح بالخرقة حد السيف.
قبل يناير تعللوا بتضييق النظام على الرأى و«التزنيق» على الحرية الحزبية، وتقليص أى مساحة ممكنة للعمل السياسى.
لكن بعد يناير، لم ينجحوا إلا فى تبادل الاتهامات مع بعضهم البعض فى السرادقات الكبرى فى الميادين، مع تبادل الشتائم، قبل تبادل المسئولية عن الفشل فى أن يعرفهم الشارع وأن يعتد بهم لا بالاسم.. ولا حتى بالصورة.
بعد يناير، دعموا الإخوان فى فيرمونت، وسموهم «فصيلًا وطنيًا»، بعد أن حرضوا على الجيش ومؤسسات الدولة، وبعد أن طالبوا بحكم المرشد، قبل أن تتغير النبرة، ويعودوا هم نفسهم للثورة على المرشد.. طالبين دعم الجيش!
قالك: سرق الإخوان الثورة، قبل أن يعودوا ليلوكوا كلامًا وتهويمات وصلت إلى تخرصات عما أسموه تضييقًا جديدًا بعد 2014 على العمل الحزبى!
107 أحزاب بعد يناير ظلت تحت التأسيس ربما لليوم.
لا أفلح هؤلاء الرموز فى التنسيق، ولا نجحوا فى الوصول للشارع الذى قالوا إنهم ثاروا لأجله، وأنهم ناضلوا لمصالحه، وأنهم ضحوا بالغالى والنفيس على شرفه.
فشل ما قبل 2011 رموا به على الدولة، وفشل ما بعد 2014 رموا به على الدولة أيضا.
فى واقعة شهيرة، كاد صباحى أن يطالب بتغيير الشارع، ليأتى بقوم يعرفون جيدًا من أحق بالاختيار فى أى انتخابات تجرى.
انتخابات نيابية أو رئاسية.. لا يهم.
المهم أن تختار الجماهير الغفيرة صباحى نفسه، وإلا ذهب مغاضبًا ينادى وحده فى الظلمات أن هذا شعب يخاف عليه .. وعليه يحزن.
فى تظاهرة حزب الكرامة دعمًا لمادورو.. عظة.. ومؤكد أن لله فيها حِكَمة.. ومقصدًا.
وهى قصة عبرة صحيح.. إذ لا تكف المعارضة تبعنا عن الشقاوة.