سيرة حياة نخلة
د. عزة بدر
للأدب قدرة فذة على إعادة قراءة التاريخ، وتأويله، بل وبنائه من جديد، لذا تأخذ الرواية التاريخية العربية مكانتها الخاصة فى السرد العربى المعاصر، وذلك من خلال قدرة السارد على استنهاض تفكير تخييلى، ورواية وقائع حقيقية لم تُكتب من قبل، ثم تهميش أصحابها، أو استبعادهم وأصبح على الراوى أن يُعيد إليهم اعتبارهم، فيمكننا أن نسمع بعدد مئات السنوات أنّات المظلومين، وشكايات البسطاء، وبطولاتهم وهى تُشكِّل مصائرهم، ومصائر أوطانهم.
رواية «أَوَاليا» - سيرة نخلة أسقطت لؤلؤًا جنيًا» للكاتب البحرينى رسول درويش إحدى الروايات المهمة التى صدرت حديثًا عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع.
بطولات البسطاء
وتصوِّر الرواية الكفاح فى مواجهة الاحتلال البريطانى، ومقاومة الأهالى فى منطقة الخليج العربى، وبطولات البسطاء فى تحرير بلادهم.
وكانت بريطانيا قد عقدت مع دويلات منطقة الخليج العربى اتفاقيات أمنية منذ عام 1820، جاء فى أهم بنودها أن تُوفِّر بريطانيا نظامًا دفاعيًا لوقف الأطماع الخارجية التى تُزعزع أمن واستقرار تلك الدول فى مقابل حق تمثيل هذه الدول وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات الخارجية نيابة عنها! واستطاعت بريطانيا بذلك أن تُوفِّر الأمان للطريق التجارى لشركة الهند الشرقية، وكان من مقتضيات ذلك تعيين مستشار بريطانى ليساعد فى تنظيم شئون الدولة الداخلية.
حكاية سليمة وحمود
ومن خلال تصوير الكاتب للعلاقة بين المستشار البريطانى، والأهالى فى إحدى دول الخليج، استطاع أن يمزج المادة التاريخية بقدرة فذة على تصوير الشخصيات، والأجواء النفسية، والآثار الاجتماعية والاقتصادية على أبطاله الذين جَسَّد بطولاتهم اليومية فى مقاومة الاحتلال.
وتبدأ الرواية بحكاية «سليمة» التى دفعها الفقر فى الحبشة إلى الرحيل، وعرض عليها أحد التجار العمل فى «مسقط»، لكنها تعرضت لاستغلال التاجر فساعدها «حمود» وهو رجل عمانى، وهَرَّبها معه على إحدى السفن وبدلاً من أن تُعيدهما السفينة إلى الحبشة أحضروهما إلى العاصمة وساقوهما إلى المستشار الإنجليزى الذى أمر بسجن «حمود»، وأطلق سراح «سليمة» لكن بعد أن أحالها للعمل كفتاة ليل فى «جراندول»!، وكان هذا هو الحل الإنسانى الذى رآه المستشار!! الذى شاع فى عهده اختطاف الفتيات، وسبيهن.

ريحانة
.. ولم تكن «سليمة» هى الوحيدة التى اضطرها المستشار الإنجليزى لهذا المصير، وإنما كانت هناك أيضًا «ريحانة» التى اشتكت اغتصاب «المنَّاع» التاجر لها، ومحاولة ابنه التعدى عليها، فهربت إلى الشرطة وكانت مساعدتهم لها هى العمل فى بيت «جراندول» مثل «سليمة»!!
فى هذه الأجواء المُعتمة اشتعلت جهود المقاومة ضد الاحتلال من خلال البكرى الذى وهب نفسه لقضية بلاده وأسس هيئة وطنية تُطالب بحقوق الناس والقضاء على مشكلة اختطاف بنات الأهالى، ومحو الأمية، وحاول المستشار الإنجليزى جاهدًا أن يعرف رموز الحركة المناهضة للوجود البريطانى فدعا «الساري» و«المنسية» صاحبة بيت «جراندول» لتناول الشاى على ظهر حاملة الطائرات العسكرية الأمريكية «رندوفا» التى جاءت للخليج قائلاً: «تذكرا أن الحياة قرارات وعواقب».
وكانت المظاهرات قد عمت الأرجاء، احتجاجًا على جمع الأموال من الطلاب، والتنديد بجمع ريع سباق الخيل لتحقيق الأهداف البريطانية.
المنسية
لم يستسلم الأهالى لأوامر الإنجليز، وانتشر الوعى بضرورة مقاومتهم حتى «المنسية» ثارت على الاحتلال وقالت لساكنات بيت «جراندول»: «لازم يطلع الإنجليز، ما وراهم إلا المصايب، حتى «جواهر» ماتت بسببهم.
فتقول لها «مريام»: «لولاهم ما تشافيت من الطاعون، وما صار تعليم، ومستشفيات وقوانين».
لكن «المنسية» كانت تدرك حجم المآسى التى سببَّها الاحتلال، وأفعال المستشار الذى نسب إلى نفسه ابن جواهر، وأبوه معروف لديهم فهو إسماعيل الذى أعدموه، وأمه توفيت.
كما تذكر ما فعله المستشار ليوفِّر سريرًا لزياد ابن جواهر والذى أخذه ونسبه إليه، فقد ولّدُوا امرأة حامل قبل موعدها فماتت هى والجنين، وعندما عرف المستشار ذلك، أنهى سيجارته وقال: «هذا يعنى أن هناك الآن سريرًا لزياد ابن المستشار».
البكرى والديمقراطية
استطاع البكرى أن يحشد الناس من خلال الهيئة الوطنية التى أسسها، وكانت الثورة المصرية عام 1952 ونجاحها هاديًا ومرشدًا لثورته، وبعد وقوع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، كان البكرى يقول: «إن العدوان الثلاثى سينتهى بضغط من القوى الكبرى، إن صمدت مصر فسينحسر الوجود البريطانى فى الشرق الأوسط، وسيغادر المستشار أراضينا».
وبجهود شاقة استطاع البكرى أن يقنع المستشار الإنجليزى تحت ضغط المظاهرات بالموافقة على وجود نقابة للعمال، واستقلال القضاء، وإقرار القانون الجنائى، والاعتراف الرسمى بالهيئة الوطنية، وإعادة الاحتياطى المالى المكدس فى بريطانيا، وحل معضلة اختفاء البنات لكنه رفض إنشاء المجلس النيابى قائلاً: «أنا لا أرى الشعب مهيأ لهذا المجلس حتى مئة سنة قادمة».
الصحافة ونشر الوعى
كما اشترط لتنفيذ مطالب الشعب أن يتوقف البكرى عن كتابة المقالات التحريضية، إلا أن البكرى كان مُدركًا لأهمية الصحافة فى نشر الوعى، لذا قام بتأسيس جريدة أهلية، ومجلة شهرية، يكتب فيها مطالب الناس ثم عمل على إنشاء مجلة أسبوعية بعنوان «أوَاليا»، وليوافق عليها المستشار، جعل ابنه جيمس أمينًا عامًا للمجلة، وتم تمويل المجلة محليًا، وطُبعت فى بيروت وخصص لابن المستشار مساحة ليكتب فيها، بينما أثار البكرى فى مقالاته موضوعات مهمة مثل: المقالات التى تُحرك الساحة المحلية والعربية، ومقال عن اختطاف البنات واختفائهن، والتساؤل عن الدور الأمنى للانتداب.
ومقالات أخرى عن ضرورة وجود نقابة للعمال تدافع عن حقوقهم، ومقالات عن ثورة 1952 فى مصر، وبزوغ نجم التيار الناصري.
كما اهتمت مقالات البكرى أيضًا بالجانب الاجتماعى فحث الأهالى على تعليم أبنائهم.
تجارب على البشر!
وترصد الرواية أيضًا ما أجراه الاحتلال من تجارب على البشر، ممثلاً فى تجارب «هاريسون» الطبية والذى جرَّب استخدام ماء جوز الهند، كبلازما لدم المرضي!، وقد رغب الكثيرون فى معرفة نتيجة التجارب، وعرفوا أن الكثيرين من المرضى قد توفوا جميعًا.
حق الجنسية
وقد صوَّر السارد كفاح البكرى، ومقاومته لظلم المستشار الإنجليزى الذى رفض منحه الجنسية، وهى حق مشروع له، تكفله كل القوانين المدنية، واضطر البكرى أن يأخذ أعمامه، وبعضًا من أسرته إلى المستشار تأكيدًا منهم على مكان الولادة، وامتداد الأسرة، وأن عائلته تنتمى إلى هذا الوطن لا سواه.

جَلْد مواطن
وقد ثار البكرى عند جَلْد مزارع وإجباره على تغيير اسمه، فقد وجد المستشار آثار حِناء على كف المزارع فجلده عشر جلدات لأن «مارجورى» زوجة المستشار تكره رؤية الحِناء على أيدى الرجال، وأراد المستشار أن يُغيِّر اسم المزارع من «حاتم» إلى «مريموه» على اسم امرأة! لأنه يرى أن الحِناء للنساء فقط.
عصف الغضب بالبكرى فعاتب المزارع: «ليش خليته يضربك على ظهرك بالخيزران؟».
وابتسم الرجل وهو يُدارى ألمًا، وقال: إنها لقمة العيش، فقد كان يشترى الخراف الصغيرة بعشر روبيات ويُسمِّنها فى مزرعة المستشار، ثم يبيعها بخمسين روبية للمستشار فقال له البكرى مستنكرًا فعله: «كل جلدة على ظهرك تعنى جرح كرامة وطن بأكمله، ما تعرف أن كرامة الإنسان هى أولى ضحايا الانتداب اللى إحنا فيه».. وتعددت المظالم فإذا سمنت الأبقار إلا واحدة، تجددت عقوبة المزارع وجلده.
لكن البكرى استطاع أن يغرس فى مواطنيه رغم كل هذه المعاناة طاقة روحية دافعة، وأيقظ فى نفوسهم معنى الحلم، وقيمة الأمل فيقول لهم:
إن كل ما تريده فى هذه الدنيا ممكن إذا أغمضت عينيك، رأيته يتحقق، وإذا سمعت صوت الحلم، وشممت رائحته فإنه يتحول إلى حقيقة، إن رأيته فهو واقع، سيكون عليك أن تراه واقعًا تشمه وتلامسه، حينها فقط تأكد أن الحلم سيكون حقيقة، لا شيء مستحيل، حَدَد هدفك، واكتبه بالتفاصيل، واعمل بكل طاقتك على تحقيقه، وإن البكرى منذ الساعة يرى الإنجليزى خائبًا مغادرًا.
وقد اتخذ البكرى رمزًا حيويًا وقويًا من طبيعة الأرض وخصبها، من رموز المكان اختار النخلة التى أسقطت لؤلؤًا جنيًا، وتقول أسطورتها إن من تعطيه نخلته لؤلؤة يحصل على عشر مثلها فى البحر، وتقول الأمهات لأبنائهن: «كل نخلة تعطى رطبًا، وفى كل سنة واحدة من النخيل تُسقِّط لؤلؤة محشورة، بين الرطب، اللى يحصلها تعطيه الدنيا عشر لآلئ فى نفس الموسم، وإحنا فى موسم الترويس يمكن ربنا يرزقنا فيه».
وتكمن دلالة هذا الرمز الثرية «النخلة» فى اختيار الكاتب لفصول روايته وتسمية فصولها بمواسم النخلة وسيرة حياتها وجنى ثمارها عندما تطيب، فقد قَسَّم الرواية إلى خمسة فصول: هى موسم الترويس، وموسم التنبيت «بعد خمس سنوات»، وموسم الخراف، وموسم التغليق «بعد خمس سنوات».
عمق الشعور الجمعى
ومن خلال سيرة حياة نخلة استطاع رسول درويش أن يصنع روايته وينسج أحداثها، ويُجسِّد شخصياتها مرتبطًا بأحداث أمته، مصوَّرًا عمق الشعور الجمعى، وهو يدافع عن الهوية والأرض، وحقوق المواطنين ضد الاحتلال والاستغلال والفساد والانتهازية لتكون هذه الرواية التاريخية قد مزجت التخييل بالواقع، والحلم بالوعى، ولتخطو خطوة متقدمة على درب الرواية التاريخية العربية، وهى تُعبِّر عن الإنسان العربى فى ماضيه وحاضره، مستشرفة المستقبل، ومتكئة على تراث من القيم والأصالة.
أصدر رسول درويش أكثر من رواية منها «خطيئة السرداب»، و«الحجر الأسود»، و«روح الملك»، و«ميم»، و«غِنى الفقر من سيرة الصحابى أبى ذكر».
وقد ترجمت بعض أعماله للغة الإنجليزية.. وتبقى عبارة بطله البكرى مفتاح عالمه السردى فى هذه الرواية: «إذا سمعت صوت الحلم، وشممت رائحته فإنه يتحول إلى حقيقة».



