الأربعاء 14 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

زيارة إلى أرض «الشاى»

بحيرات الزلازل.. والبراكين فى بقاع خضراء  



 

فى الحلقة الأولى تحدثت عن رحلتى إلى تركيا بعد خمسة عشر عامًا من زيارتى الأولى عام 2010.

وفى هذه المرة قررت أن تكون طرابزون محطتى الأولى للاكتشاف، إذ لم يسبق لى زيارتها، بينما أرجأت الذهاب إلى إسطنبول.

وبعد أقل من 48 ساعة من إقامتى فى طرابزون، حان موعد الانطلاق خارجها بحثًا عن اكتشافات أكثر جمالًا وتفرّدًا .

لا تذهب إلى أوزنجول..!!!.

نعم، لا تذهب إلى أوزنجول إن كنت تريد الاستمتاع برحلتك السياحية فى طرابزون. لا تضعها أولًا فى جدولك، بل أرجئها إلى آخر يوم قبل الرحيل، كى تستطيع أن تستمتع بجمال باقى الأماكن، لأن سحرها وحده كفيل بأن يكفّ بصرك عن رؤية أى مكان آخر بعدها.

 

 

إن قلتُ عنها «وهم»، فذلك قليل على وصف جمالها وفرادتها.

قليلة هى الأماكن التى سحرتنى إلى هذه الدرجة. بالطبع، تتربع فينيسيا على عرش التفرد، لكن أوزنجول لها نصيبها الوافر من جمال الطبيعة وسحرها الآسر.

عندما لمحنا مكاتب خدمة السائحين فى وسط الميدان شعرت أنى كالغريق الذى تعلق بقشة، وازداد الارتياح عندما أشارت الفتاة الحسناء خارج المكتب لزميلها الذى يتحدث بالعربية أخبرته أننا نريد رحلات لأوزنجول فكتب اسم شركة على ورقة صغيرة مؤكدًا أنها الأرخص فى تنظيم هذه الرحلات.

ثم شرح لنا كيف يمكننا أن نصل لها..

الشركة هى مكتب صغير على الطريق من الاستحالة الوصول إليه فى العادى من دون الترشيح.

لم يكن المكتب مكتبًا سياحيًا بالمعنى المتعارف عليه، فهو لا يصمم برامج سياحية، بل يوفر فقط حافلات تنطلق كل ساعة نحو البحيرة، ثم تعود منها فى الأوقات نفسها التى حُجزت مسبقًا.

انطلقنا فى الحادية عشرة صباحًا، وحجزنا العودة عند الساعة السادسة مساءً.

الطريق طويل، يسير بمحاذاة البحر ثم يصعد عبر طرق وعرة ومتعرجة. تستغرق الرحلة حوالى ساعة ونصف، والمناظر خلالها خلابة تخطف الأبصار.

وصلنا إلى أوزنجول، وتحديدًا قبل البحيرة بنحو أربعة كيلومترات. أنزلتنا الحافلة هناك، وترجلنا وسط أمطار خفيفة حتى وصلنا إلى البحيرة... وهناك، انسحبت أنفاسنا تمامًا، إذ أصبحنا والجمال كتلة واحدة.

دخلنا تلك اللوحة الفريدة بملابس عصرية ومظلات ملونة نحتمى بها من المطر الخفيف، وكاميرات هواتفنا تلتقط صورًا عشوائية للجمال الأخّاذ ــ كأنها صورة ثلاثية الأبعاد نتحرك داخل مكوناتها. 

سرنا بمحاذاة البحيرة، نشاهد طيور البط وهى تعوم فى الماء فرحة، تنقلب لتشرب، وترفع أقدامها بمرح.

وعلى امتداد البصر، يتعانق الأفق مع الجبال الخضراء، تتكدس الغيوم وتتشابك، وكلما واصلنا السير ازداد المشهد سحرًا، وازداد فؤادى تعلقًا بالخضار الذى يكسو سفوح الجبال.

 

 

 

كان الضباب يزداد كثافة، والسحب ترسم كتلًا بيضاء، ورذاذ المطر منعش وخفيف، وشعرى يبتل، والرؤية تغبش تارة وتنفرج تارة أخرى.

وهناك أدركت أننى ربما أخطأت ترتيب الرحلة، حين لمحت الأكواخ الخشبية معلقة وسط الجبال بنجالو التى يمكن استئجارها ليومين أو ثلاثة، لتتيح لك أن تقيم فى هذا الجمال فترة كافية مشبعة.

أن تعيش حياة أخرى غير التى تعرفها.

تجربة تستحق أن تُعاش، لكنها ترتبط بوجود سيارة تسهل عليك التنقل والحركة.

فأسعار البنجالو نفسها معقولة لكن التحرك يتطلب تأجير سيارة وربما هذا هو السبب أن كل من كان ينزل لمطار طرابزون يبحث عن إيجار سيارة.  

وأوزنجول هى بحيرة نتجت عن الانهيارات الأرضية وتشكلت عندما سدت الصخور المتساقطة من المنحدرات مجرى الوديان وأعمق جزء من البحيرة يبلغ طوله 100 متر وعرضه 500 متر ومساحته 500 ألف هكتار وعمقه 15 مترًا.

وترتفع بحيرة أوزنجول 1090 مترًا عن مستوى سطح البحر خلفها جمال جبال الألب بمنحدراتها الشديدة وغاباتها الرائعة.

المطاعم والمقاهى تنتشر على جانبى البحيرة، كما يمكن الصعود عبر سلمٍ يشقّ الجبال للوقوف عند نقطة عالية تمنحك رؤية بانورامية للبحيرة من الأعلى.

وليس غريبًا أن تزخر ترندات «التيك توك» بصورٍ ومقاطع مبهرة من هذا المكان الساحر.

ومن أطباق المنطقة الشهيرة طبق الكويماك، ويعرف أيضًا فى بعض المناطق باسم المِهلاما.

وهو طبق تقليدى أصيل فى طرابزون ومنطقة البحر الأسود، يُحضر من الجبن وغالبًا يكون جبن الماعز مع دقيق الذرة والزبدة، ويُطهى على النار حتى يصبح كثيفًا لزجًا غنيًا بالنكهة.

يُقدم عادة فى مقلاة نحاسية صغيرة، ويُؤكل بالخبز أو بالملعقة وغالبًا ما يُقدم على الفطور مع الفطائر أو الخبز الريفى الساخن.

ولا تكتمل رحلتك إلى أوزنجول دون تذوق الكويماك والتقاط تلك الصورة، حيث يمتد الجبن فى خيوط طويلة كأنك ترتفع به لتضاهى ارتفاع الجبال.. وبالطبع لا بد من «كاسة الشاى التركي» إلى جواره.

وللشاى فى تركيا مكانة عظيمة.

عندما زرتها فى عام 2010، كان الشاى يُقدم لنا كإكرامية بعد كل وجبة، أما هذه المرة فلم ننل الكثير من تلك الإكراميات، نظرًا لارتفاع الأسعار بشكل كبير، خصوصًا فى ما يتعلق بالطعام. 

 عودة إلى أوزنجول

استمررنا فى التجول والاستمتاع بجمال المكان وسحره، حتى قرابة الرابعة والنصف، حين بدأت الغيوم تشتد، وازداد المطر.

تعلقت عيناى بالدرج الطويل الذى يخترق الجبل ويتيح رؤية البحيرة من الأعلى.

بدت رحلة الصعود شاقة لكنها مغرية، وتمنيت لو ألتقط الصور من أعلى.

نظرت إلى ابنى، وأيقنت أنه لن يتحمل المشقة، وفكرت فى تركه مع أحمد زوجى والصعود وحدى، لكننى تراجعت سريعًا، إذ لم يتبق سوى ساعة ونصف على موعد الحافلة، والطريق إليها يتطلب وقتًا.

تحركنا باتجاه الحافلة، وعيناى لا تزالان متعلقتين بالجبل، كمن تتمنى معانقة السحاب. 

 

 

 

رائعة أوزنجول.. توقظ فى داخلك كل الأحلام، تدفعك لتتخيل نفسك بطلًا أسطوريًا.

إنه الجمال بخصوصيته، جمال يثير الحواس كلها لالتقاطه والتنعم به.

كانت الغيوم قد ازدادت كثافة، وهبط الضباب على الأرض حتى حجب الرؤية إلا فى مواضع قليلة.

اشتد الهواء والمطر، وارتدى الطقس ثوب السحر والجنون.

شعرت بسعادة غامرة فى خضم تلك الأجواء السحرية، ولمحت بعض السياح المقيمين على أطراف البحيرة وقد أخرجوا معدات الشواء، وبدأوا فى إعداد اللحوم على ضفاف الماء.

كان صوت خرير المياه وهى تنزلق من الجبال، يمتزج مع وقع أقدامنا الغائصة فى البرك، فى سيمفونية طبيعية آسرة.

وتنزاح السحب كاشفة عن قمم الجبال وهى مكسوة بالخضار. 

لم يعكر صفو ذلك الجمال إلا عقلى الذى بدأ يفكر فى ابتلال أحذيتنا وملابسنا، وعدم وجود ملابس إضافية معنا. ثم انتبهت، ووبخت نفسي:

أيعقل أن نحرم أنفسنا من متعة اللحظة بسبب مثل هذه الترهات؟! ألا يحق لنا أن نستسلم للجمال دون قيد أو شرط ؟ للأسف، كانت الإجابة: لا

سنظل نضع حساباتٍ لكل شيء وأى شيء، نرهق تفكيرنا وصحتنا ونفوسنا.

فالعقل هو المناقض الوحيد للمتعة.

 

 

 

وصلنا إلى المكتب الذى تنطلق منه الحافلات العائدة إلى طرابزون قبل موعدنا بساعة، أى فى الخامسة مساءً. وكانت حافلة الخامسة موجودة وبها أماكن شاغرة. تحدثنا مع السائق، فأخبرنا أنه يمكننا تغيير الموعد من السادسة إلى الخامسة. نزل معنا إلى رئيس المكتب ليستأذنه فى التغيير، خصوصًا مع اشتداد المطر وبرودة الجو، وابنى يرتجف وملابسه قد ابتلت. 

لكن ما إن وصلنا إلى رئيس المكتب، حتى أشار للسائق بيده فى غضب بما يعنى أمضى من دونهم ولا تستمع لهم وبالفعل تقهقر السائق خوفًا منه وركب الحافلة وانطلق بها ونحن متسمرون فى مكاننا ولم يرفع رئيس المكتب رأسه عن الأوراق التى أمامه ولم يوجه لنا أى كلام وانسحبنا بعد أن تقبلنا الموقف بصمت، وجلسنا نحن الثلاثة تحت مظلة خشبية صغيرة لمدة ساعة كاملة وسط أمطار غزيرة.

هذا هو «العرق التركي» الذى يتحدث عنه الجميع.. ليس المقصود اختلاق المشاكل أو رفع الصوت، فالأتراك فى العادة هادئون، لا يسعون للشجار، لكن خلقهم ضيّق جدًا جدًا. لا فسحة فى نفوسهم للاستثناءات.  

عدنا إلى الفندق مشبَعين بجمال أوزنجول، متسائلين بدهشة:

ماذا بعد هذا الجمال؟!هل سيكون لأى مكان حضور وبهاء بعد أوزنجول.. 

 هضبة آيدر

كانت رحلتنا الثانية إلى هضبة آيدر، وقد نظمها لنا الفندق بالتعاون مع إحدى شركات السياحة المحلية.

كانت هذه الرحلة بالنسبة لى الأكثر مشقة، إذ استغرقت نحو ساعتين ونصف بالحافلة عبر طرق جبلية متعرجة تصعد بين المنحدرات.

منذ صغرى أعانى من دوار الحركة (دوار السفر)، وكنت فى فترات سابقة أتناول بعض العقاقير لتخفيفه، لكننى فى الآونة الأخيرة لم أعد أستخدمها، وربما كان ذلك سببًا فى رفضى لبعض دعوات العمل التى تتطلب السفر، خصوصًا بالحافلات.

لا أستطيع السفر لمسافات طويلة، كما لا أتحمل الحركة داخل الحافلة؛ يجب أن يبقى بصرى ورأسى فى اتجاه واحد فقط.

الجلوس فى المقاعد الخلفية يزيد من الإعياء، والجلوس عكس اتجاه السير له التأثير ذاته. لا موبايل أو تصفح جريدة أو حتى مشاركة فى الكلام.  

خلال الرحلة عانيت من دوار شديد وألم فى المعدة، وتحاملت على نفسى حتى الوصول، لكن فى طريق العودة ازداد الإعياء كثيرًا بسبب وعورة الطريق وكثرة المنعطفات. وانحنائى أكثر من مرة لحمل ابنى والتقاط متعلقاته. وربما كان هذا كفيلًا بإلغاء مخططاتى اللاحقة. 

كنت أفكر وقتها: ماذا لو تحقق حلم الدكتور سيث براندل فى فيلم «الذبابة» ونجح اختراعه لجهاز انتقال المادة، لكان السفر أيسر بكثير! وكنت ذهبت لكل مكان من دون عناء.

بداية الرحلة

رافقنا فى رحلة هضبة آيدر شاب سورى يُدعى عز الدين، يعمل مرشدًا سياحيًا كان حريصًا على تعريفنا بكل ما نمرّ به من أماكن.

توقفنا أولًا عند منفذ لبيع الحلقوم – وهو أمر اعتيادى فى الرحلات التركية.

يباع مع الحلقوم الشيكولاتة و«الكورابية» وهو نوع من الحلوى يشبه البيتفور ويتناوله الأترك مع الشاى أو القهوة.

أيضًا هناك اللقمة وهى لقمة القاضى أو الزلابيا تباع فى الشوارع والمحلات. ثم مررنا على منطقتى يومرا وريزه.

يومرا من أقدم المناطق فى تركيا، يعود تاريخها إلى أكثر من ألفى عام، وتحمل فى طياتها آثارًا بيزنطية ورومانية كثيرة، إذ شهدت على فترات تاريخية مميزة.

أما نافورة كاسة الشاى التى تزيّن الميدان إعلانًا عن هوية المنطقة، فتقع قبل الوصول إلى ريزه.

استرحنا نصف ساعة فى ورشة Rize Cloth المشهورة بمنتجات الأقمشة المنسوجة يدويًا.

لم يقتصر الأمر على الشراء فحسب، بل تعرّفنا أيضًا على آلات النسيج وطريقة صناعة الكتان وعملية الإنتاج.

قدّمت لنا فتاة من الورشة شرحًا ممتعًا عن الملابس الريفية التقليدية فى شمال تركيا، وخاصة فى منطقة ريزه المشهورة بصناعة الكتان، إذ تُصنع منه الملابس ليمنح الجسم إحساسًا بالبرودة فى الأجواء الحارة .

وفى أحد أركان المحل كان هناك مجسمان لامرأتين ريفيتين، كلٌّ منهما ترتدى وشاحًا على رأسها، لكنّ طريقة ربطه تختلف:

العقدة الواحدة عند الجبهة ترمز إلى الآنسـة، العقدتان تدلان على أنها متزوجة.

ويرجع هذا التقليد إلى أن نساء الريف لا يرتدين (الخواتم) خشية سقوطها أثناء العمل فى الزراعة، فيفصحن عن حالتهن الاجتماعية بطريقة ربط الوشاح.

وآيدر هى قرية تقع فى ولاية ريزا شمال شرق تركيا، وتعد من المناطق الجبلية المأهولة بالسكان. تقع القرية على ارتفاع 1350 مترًا فوق مستوى سطح البحر.

 على الطريق

واصلنا مرورًا بمواقع الرافتنج (التجديف) والزيبلاين، لمن يرغب بإضافة مغامرة إلى الرحلة.

تحدث إلينا عز الدين عن ندرة الشاى الأبيض الذى تشتهر به المنطقة، إذ يُنتج بكميات محدودة فى ريزه، وخاصة فى مناطق جامليهمشين، شايالى، وحِمشين.

تُقطف براعم الشاى الأبيض بعناية فائقة، حيث يحتاج إنتاج كيلوجرام واحد منه إلى نحو 30 كيلوجرامًا من براعم الشاى، ولذلك فهو من أغلى أنواع الشاى، وسُمّى الشاى الأبيض للونه الذهبى الفاتح بعد التخمير.

كما مررنا على منطقة سورمينى المشهورة بصناعة السكاكين والسفن، ويوجد فيها معرض متخصص للسكاكين يمكن للزائر التوقف عنده لاقتناء قطع فاخرة وتحف تذكارية.

وتوقفنا عند جسر تسميفات العثمانى هو أحد الجسور الحجرية الأكثر شهرة وجمالًا.. يتخذ شكل قوس.. على نهر فرتينا، ويبلغ ارتفاعه حوالى 33 مترًا، وعرضه إلى 2.7 متر.

بعد ذلك وصلنا إلى منطقة جامليهمشين، حيث توقفنا عند شلال المياه الهادر لالتقاط بعض الصور، ثم واصلنا المسير حتى هضبة آيدر.

هناك شاهدنا شلال «فستان العروس»

سُمّى بهذا الاسم لأن مياهه تتساقط على الصخور بشكل يشبه فستان العروس الضيق من الأعلى والمتّسع من الأسفل.

كانت الطبيعة ساحرة، والمشهد أخّاذًا، رغم الإرهاق الذى لازمنى طوال الرحلة، إلا أن جمال المكان أنسانى جزءًا من التعب، خلال الرحلة كان هناك وقتًا حرًا لرؤية أهالى آيدر الفلاحات وهن يصنعن الذرة المسلوقة والمشوية ويعددن الفطائر وبرعين الأبقار والجواميس ويشوين الكستناء الذى تنتشر رائحته فى الأجواء بيوتهن صغيرة تمتد الحبال الغسيل بينهن يسكنّ فى تجاويف الجبال، صورة بصرية ممتعة وطقس متقلب مجنون تارة حار وتارة بارد تتجلى الجبال وتتوارى تتشابك الغيوم وتنسحب فى هدوء فى مشهد ساحر أخّاذ.

 الاكتفاء بطرابزون

فى اليوم الرابع لم أتمكن من الذهاب لدیر سومیلا بسبب الإعياء..

  يقع دير سوميلا على منحدر صخرى شاهق يبلغ ارتفاعه نحو 1200 متر فوق سطح البحر، ويعد من أبرز المعالم التاريخية فى طرابزون.

أنشيء فى القرن الرابع الميلادى على يد راهبين يونانيين بعدما وجدا أيقونة للعذراء مريم داخل كهف.

ويرجح أن اسم «سوميلا» مشتق من كلمة «ميلاس» اليونانية التى تعنى «أسود».

وبالمثل، ألغيت رحلتنا إلى قرية همسى كوى، وهى من أشهر القرى المحيطة بطرابزون وتقع فى منطقة Maçka ضمن جبال Zigana على ارتفاع يصل إلى نحو 1300 متر. تحيط بها غابات كثيفة من الصنوبر والبلوط، وتتميز بوديانها ومروجها الخضراء.

كان لزامًا علينا قضاء اليومين المتبقيين فى طرابزون داخل المدينة فقط، بسبب الإرهاق الذى أصابنى فى رحلة آيدر.

كانت أجواء البحر خيارًا ساحرًا، بعيدًا بالطبع عن الخوض فى مياهه. لكن الاسترخاء على الشاطئ ومشاهدة طيور النورس المنتشرة فى المدينة كان يهدئ من الأعصاب.

بعد ذلك، فرض البيت المقلوب نفسه على رحلتنا، مانحًا إيانا ساعة أو أقل من المرح.

وهو بيت صغير فى منطقة «يومرا «صمم ليبدو مقلوبًا، ومزود بماكيتات لأثاث خفيف الوزن مثبت من الأعلى. يمكنك حجز تذكرة والدخول لالتقاط صور مبهجة تعلق فى الذاكرة لفترة».

استراحة أتاتورك 

فى يومنا الأخير، كنا على موعد مع زيارة قصر كمال أتاتورك أو ما يعرف بنزل أتاتورك، وهو معلم سياحى شهير.

بنى النزل فى منطقة سوغك سو حوالى عام 1890 كمقر صيفى للمواطن العثمانى كونستانتين كابايانيديس.

بعد إعلان الجمهورية، نُقلت ملكيته إلى الإدارة الخاصة. يقع القصر على تلة مرتفعة محاطة بحدائق، ويبعد حوالى ربع ساعة بالـ«دولموش» عن وسط مدينة طرابزون. وهو مبنى مكون من أربعة طوابق مع قبو، ذي لون أبيض وسطح من القرميد.

زار أتاتورك النزل ثلاث مرات فقط.

ترجع القصة للزيارة الخريفية الأولى فى 15 سبتمبر 1924 حيث لاقى أتاتورك وزوجته ترحيبًا حارًا من أهالى طرابزون.

الهدف من جولات أتاتورك حينها هو التواصل المباشر مع الشعب بعد الانتصارات العسكرية وتأسيس الجمهورية، وتعزيز ثقة الناس بالقيادة الجديدة والدولة العلمانية الناشئة، خاصة فى المناطق المحورية فى حرب الاستقلال.

ليلة وصوله، أقام عمدة طرابزون حسين كازاز أوغلو عشاءً تكريميًا وألقى خطابًا. ورد أتاتورك بخطاب لا يزال معلقًا بكامله على مدخل القصر، ومفاده: «أيها السادة، لقد رأيت تقريبًا جميع أهالى طرابزون فى كتلة من الإخلاص. لقد رأيت الدموع فى عيون النساء والأطفال وكبار السن. يا له من شعور، ويا له من «عطف، ويا له من نبل». وشكر أهالى طرابزون.

بعد زيارة أتاتورك لطرابزون، اشترت بلدية طرابزون النزل من الإدارة الخاصة وقدمته هدية لأتاتورك. وصل وفد من طرابزون إلى أنقرة وسلم صك ومفاتيح النزل إلى أتاتورك.

فى 27 نوفمبر 1930، عندما وصل أتاتورك من سامسون إلى طرابزون على متن السفينة البخارية إيجه، قضى الليلة فى هذا النزل، وعاد إلى إسطنبول.

أطلق أهالى طرابزون على النزل اسم «نزل أتاتورك» وافتخروا به.

توافق وصول أتاتورك الثالث والأخير إلى طرابزون مع 10 يونيو 1937. بعد وصوله من إسطنبول بالسفينة البخارية إيجه، ذهب أتاتورك مباشرة إلى النزل وقضى فيه ليلتين.

فى زيارته الأخيرة، تبرع بجميع ممتلكاته للخزينة قائلًا: «إن العقارات والممتلكات أصبحت عبئًا عليّ، وسأرتاح عندما أتبرع بها لشعبي. ثروة الشخص يجب أن تكون فى معنوياته. أود أن أقدم أشياء أخرى كثيرة لشعبى العظيم».

بعد وفاة أتاتورك، قررت بلدية طرابزون فتح النزل للجمهور كمتحف، حيث تُعرض ممتلكاته وصوره.

فى مدخل النزل، عُلِّق خطابه كاملًا. خُصِّصت الغرفة الصغيرة على اليمين لعرض صور مختلفة من حياته وزياراته لطرابزون.

فى الغرفة المجاورة، يمكن رؤية الكراسى والأرائك التى استراح عليها، وكُتب على لوحة وُضعت على إحداها الجملة التالية: «هنا وقَّع أتاتورك على الوثيقة التى تنص على التبرع بجميع ممتلكاته للشعب».

جُهِّزت الغرفة الأخرى كغرفة طعام.

وفى الطابق الثالث، يمكن رؤية غرفة نومه وحمامه وغرف مساعديه وغرفة الدراسة.

فى الحلقة المقبلة: 

سر 38 ضريحًا بمسجد السلطانة خديجة تورهان

هل قتلت صفية خاتون الأطفال من أجل خلافة ابنها؟