الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

اعترافات أحمد بهاء الدين

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

لم يسعدنى الحظ بأن أعمل تحت رئاسة أحمد بهاء الدين، فعند صدور «صباح الخير» برئاسته سنة 1956 كنت فى الحادية عشرة من عمرى.. 

وعند دخولى المجلة لأول مرة كان هو قد انتقل إلى مغامرة صحفية أخرى رئيسًا لتحرير جريدة يومية هى «الشعب»... وحل محله فتحى غانم الذى اكتشفنى وأنا طالب فى سنة أولى الثانوى ونشر لى فى «صباح الخير» مقالًا يحمل اسمى وكنت فى السادسة عشرة من عمري، لكننى دخلت المجلة بعد ذلك بثلاث سنوات وعينت محررًا تحت التمرين سنة 1964.

 

 

 

وبعد أربع سنوات تيسر لى التعامل مع أحمد بهاء الدين عندما كان نقيبًا للصحفيين وكنت ضمن مجموعة من شباب الصحافة نعقد اجتماعات فى النقابة نطالب فيها بوقف احتكار هيكل لأخبار رئاسة الجمهورية، الذى ترتب عليه إضعاف بقية الصحف ماعدا «الأهرام» طبعًا. 

والحقيقة هى أن بهاء أيدنا وكان يتفق معنا فى مطالبنا ويقول إن من حق الصحفى الفوز بأخبار يحصل عليها منفردًا من المصادر التى وثق علاقته بها، لكن ليس على الدولة أن تخص صحفيًا واحدًا بالأخبار العامة التى تتعلق بعملها، فهذه الأخبار يجب أن تكون مشاعًا تبلغ بها كل الصحف.

ومع أنه كان صديقًا شخصيًا جديدًا لهيكل - تعارفا فى الستينيات من القرن الماضى- إلا أنه لم يتوقف عن تأييدنا.. كل ما كان يطلبه منا هو ألا يأخذنا الحماس فنلجأ إلى الشتائم والتعريض الشخصى بهيكل.. وقد وجدت فى موقفه هذا نوعًا من الشجاعة والصدق مع النفس واحترام المهنة وحمايتها من الضرر الذى لحق بها وبالمؤسسات الصحفية الأخرى.

وعبرت له - مع زملائى الآخرين - عن احترامنا لموقفه هذا لكننا - مع قيادات صحفية من «أخبار اليوم» و«الجمهورية» - طالبناه بإلحاح بأن يبلغ احتجاجنا واعتراضنا على الأذى الذى يسببه هيكل للصحافة، لأعلى سلطة فى البلد، وقد التزم بذلك فعلًا وكتب رسالة إلى قيادة الاتحاد الاشتراكى العربى بوصفه مالك الصحف بعد تأميمها.. وأضاف من عنده المطالبة بإلغاء الرقابة على الصحف.

وجه محترم

طبعًا لا يمكن ذكر اسم أحمد بهاء الدين إلا بوصفه وجهًا محترمًا للصحافة المصرية يتمتع بثقة وتقدير الأجيال التى قرأت له ولمست جديته وصدقه وإيمانه بما ينادى به من الحرية والعروبة.. ودوره المهم فى نشر أفكار تطوير وتنوير المجتمع فى مصر والأمة العربية.

وسبب خاص لإعجابى الشخصى به كان فى قدرته على تناول أخطر القضايا وأصعب المشاكل والمعانى بسهولة وسلاسة وإقناع ببساطة وتمكن وغزارة فى المعارف ودقة فى التعبير. ودون تنظير أو ادعاء أو تعال.

 

 

 

قد زاد إعجابى به فيما بعد عندما كشفت لى سعاد حسنى كيف أنه عندما كان رئيسًا لتحرير «صباح الخير» يعتبرها نموذجًا للبنت المصرية فى زمن ثورة يوليو وكان يساعدها فى النهوض بشخصيتها ويذهب معها لمشاهدة الأفلام الأجنبية ويشرحها لها! 

وفى لندن التقيته عدة مرات، فى إحداها كان فى صحبة أستاذى حسن فؤاد، ومرة أخرى عندما استضفناه فى ندوة للنشر فى مجلة «سيدتي».. فى مطلع الثمانينيات.

 ثم عندما زارنا فى سنة 1989- وكان وقتها رئيسًا لتحرير مجلة «العربي» الكويتية - وكنا نخطط لإصدار جريدة فلسطينية هى «القدس العربي» وكان قد وعد «أبو عمار» أن يساعدنا فى هذا المشروع الصحفى فأعطانا ملاحظاته وإرشاداته بل وأعطانا شقته فى القاهرة لتكون مكتب الجريدة وقدم لنا بعض الصحفيين الذين تعاونوا معنا.

وقد أهدانى الدكتور جلال أمين كتابًا اختار عنوانه «شخصيات لها تاريخ» من وحى عنوان كتاب أحمد بهاء الدين الشهير «أيام لها تاريخ» وقرأت فيه مقالًا لا أنساه جاء فيه: 

«كان اسم أحمد بهاء الدين بالنسبة لجيلي، ونحن نخطو خطواتنا الأولى فى تثقيف أنفسنا فى أوائل الخمسينيات، اسمًا لامعًا ومثيرًا للاحترام على الفور.

إذ إن اسمه قد بدأ يلمع وهو لم يكن يتعدى العشرين من عمره، وتولى رئاسة تحرير مجلة «صباح الخير» قبل أن يبلغ الثلاثين. وكانت «صباح الخير» بالنسبة لنا فى أول عهدها فتحًا كبيرًا وقفزة رائعة إلى الأمام فى تطور الصحافة المصرية، دشن بها بهاء مدرسته الراقية فى الصحافة: ملتزمة، هادفة وممتعة فى الوقت نفسه، راقية دون تعال على الناس، وشديدة الحساسية بمشاكل الناس دون أن تتملقهم، وقد ظل بهاء على هذه الحال فى كل ما تولاه من أعمال».

ولولا ضيق المجال لأعدت نشر المقال كله، ففيه تعريف مهم للأجيال الجديدة بهذا الرائد الكبير.. وأعود إلى أسباب الإعجاب ببهاء، فقد كان يمتلك شجاعة أدبية يندر أن تجدها لدى غيره من الصحفيين والكتاب والمفكرين، ويكفى أن نتذكر اعترافاته المتعددة التى لم يسبق أن طالعنا أى صحفى أو كاتب أو مفكر بمثلها.

لنقرأ معًا قوله «ورغم أننى صحفي، قد لا يصدّق القارئ أن كثيرًا من الأحداث كانت تمر تحت أنفى ولا أراها أو لا تستوقفنى كما يجب، ربما لأنى لم أدخل الصحافة من باب العمل على جمع الأخبار من مصادرها، ولكننى دخلت الصحافة من باب الجلوس إلى مكتب وكتابة مقالات الرأي، فكان نشاطى واهتمامى الخبريان يأتيان فى المرتبة الثانية وأحيانًا يفوتانى.

 

 

 

واعتراف آخر:

لم أتقن أبدًا طرح الأسئلة الإخبارية على المسئولين أو اللجوء إلى الحيل الصحفية المعروفة لاستدراج مسئول إلى حديث ألتقط منه خبرًا أو قصة صحفية.

وأذكر أننى عندما صرت رئيسًا لتحرير «الأهرام» كنت أقضى سحابة يوم كامل أحيانًا مع الرئيس السادات وأعود من عنده إلى «الأهرام» مع العصر أو الغروب وأجد الأستاذ ممدوح طه رئيس قسم الأخبار العتيد فى انتظارى فى مكتبي، وما أن يرانى حتى يهب صائحًا: إيه أخبار التعديل الوزاري؟.. متى ستجرى حركة المحافظين؟.. هل وقع الرئيس حركة انتقالات السفراء؟.

وعشرات الأسئلة من هذا النوع عن الأخبار المنتظرة، وينظر إلى فى ذهول عندما أقول له أننى لم أسأل عن شيء من ذلك.. ولعله كان يقول فى سره بالتأكيد: «إيه رؤساء تحرير آخر زمن دول»!

ونصل إلى أغرب اعترافات أحمد بهاء الدين وكتبه فى 1956 بعد 15 عددًا من «صباح الخير»:

«كنت أشد المعارضين فى إصدار «صباح الخير».. لست أنا وحدى بل كل أسرة «روزاليوسف».. لم نكن نعارض معارضة سلبية بل كانت معارضة إيجابية، كنا نرفض أن نعمل أو نكتب وكنا نؤلف شبه مظاهرة كل صباح نجتمع أمام باب السيدة فاطمة اليوسف ونهتف بسقوط «صباح الخير»!

وكانت السيدة فاطمة اليوسف هى وحدها التى تصر على إصدار «صباح الخير» رغم كل النصائح ورغم كل العقبات، ورغم كل الاحتجاجات وانتهت إلى أن علّقت فوق كل مكتب من مكاتبنا يافطة كبيرة كتب عليها «صباح الخير» تصدر فى خمسة يناير»!

 

 

 

ووجدنا أنفسنا أمام الأمر الواقع.. وبدأنا نعمل.. وكل ما استطعناه هو أننا أجلنا موعد الصدور أسبوعًا واحدًا.. فصدر العدد الأول فى 12 يناير.. ولم تكن السيدة فاطمة اليوسف تتجاهل اعتراضاتنا.. كانت تقدرها ولكنها كانت تعلم أيضًا أن أساس كل هذه الاعتراضات هو.. الخوف.. خوفنا من الفشل..كانت تطوف بيننا صائحة فينا: لاتخافوا.. جمدوا قلوبكم!

ورغم ذلك كنا نعمل ونحن خائفون.. كان لكل منا جهد سنوات فى الصحافة، نخاف عليه أن يضيع فى مجازفة جديدة!

وصدر العدد الأول ونفد.. وزدنا كمية الطبع فى العدد الثانى.. ونفد.

وتعلمنا نحن الجيل الجديد درسًا..تعلمنا ألا نخاف.. وأن شبابنا طاقة تتسع لكل مشروع يخطر على خيالنا.. وقد ازدحم خيالنا بالمشاريع بعد نجاح «صباح الخير». 

كم هو مثير هذا الاعتراف الشجاع

لا أريد أن أنسى حكايات لها صلة بميلاد «صباح الخير» رواها لى أحمد عباس صالح عندما التقيته فى لندن وجمعتنا صداقة جميلة، فقد كشف لى أنه كان مرشحًا لأن يكون أول رئيس تحرير للمجلة، وعندما صمم أحمد بهاء الدين على رفض منصب رئيس التحرير ورفض فكرة المجلة باعتبار أن كل محاولة سابقة فى الصحافة المصرية لإصدار مجلة للشباب باءت بالفشل.

 

 

 

فقد كان أحمد عباس صالح يعمل رئيسًا لقسم الأدب والثقافة فى مجلة «روزاليوسف» عندما رشحه إحسان عبد القدوس لتولى منصب رئيس تحرير المجلة الجديدة.. فتحمس للعرض وراح يستشير الزملاء والأصدقاء، فوجدهم يختلفون معه ويرون أن الأولى بالمنصب هو أحمد بهاء الدين رغم معارضته للمشروع.

«قالوا لى إن الست «روزا اليوسف» متحمسة لمشروع المجلة ومتحمسة لأحمد بهاء الدين ومعجبة به كصحفى شاب له مستقبل كبير وتعامله هو وصلاح حافظ، كما لوكانا ابنيها مثل إحسان، وهى تدرك مخاوفه وسوف تنجح فى إزاحة هذه المخاوف وإقناعه بفكرتها».

فوجد أحمد عباس صالح أن عليه ألا يقبل المنصب بل الأفضل أن يشترك فى إقناع بهاء بإمكانية نجاح المجلة لو أنها لم تكتف بالتوجه للشباب ولكن للروح الشابة.

ومن هنا جاء شعار «للقلوب الشابة والعقول المتحررة» الذى ابتكره أصغر رئيس تحرير فى مصر وهو الشاب أحمد بهاء الدين. 

وفى الأسبوع المقبل نواصل