
مصطفى أمين
جغرافيا الدم على أرض الشام
يتصارع فى المشهد الداخلى السورى عدد من الميليشيات العرقية والعشرات من الجماعات الإثنية والطائفية التى تحاول أن توجد لها موطئ قدم للسيطرة والنفوذ فى المستقبل السورى غير الواضح ملامحه ومنهجه، حيث تتوزع أيديولوجيتها بين اليمين واليسار.. وبين الإسلام المعتدل والمتطرف بشكل غير مألوف على الأراضى السورية ما قبل العام 2011.
فى الحلقة الثالثة من جغرافيا الدم على أرض الشام نستكمل خريطة التجمعات على الأرض السورية.

كشفت أحداث العنف التى جرت فى الساحل السورى فى بداية مارس عن أن العلويين المنتشرين على طول هذا الساحل البحرى، هم الحلقة الأضعف فى المشهد المتشابك والمعقد فى سوريا والذى تديره سلطة يحكمها مكون ذو لون وطيف واحد، لديه ثأرات لا تنتهى مع نظام بشار الأسد الذى حوّل جغرافية طائفته إلى ساحة خلفية للإمداد بالمقاتلين على مدار 50 عامًا وحتى سقوطه فى 8 ديسمبر 2024.
العلويون «عصب» و«ذراع» النظام السابق ووقود معركته الكبرى مع المعارضة المسلحة منذ مارس 2011 وحتى سقوطه ما حولهم إلى فرائس سهلة لصراع مشحون بثأرات لا تحصى مع النظام السابق وطائفته العلوية، تلك الطائفة التى تختلف معها السلطة الحالية ليس فقط من الناحية السياسية وإنما مذهبيًا وتاريخيًا واجتماعًا وفكريًا، وتعتبرها «كافرة» وفق فتوى منظر السلفية الجهادية الأهم «ابن تيمية»، وهو ما جعل شعارات التكفير والقتل «عنوانًا» لكل مظاهر العنف والقتل والتنكيل ضدها من قبل الفصائل المنضوية تحت لواء الجيش السورى الجديد الذى يتولى قيادته وإدارته الجهادى القاعدى السابق مرهف أبو قصرة، والمجموعات المسلحة التى حشدتها دعوات الثأر والجهاد ضد المجموعات العلوية التى قامت بقتل عناصر الأمن العام التابعة للحكومة الانتقالية الحاكمة.
بداية الأحداث الدامية تكشف عن مستوى غير مسبوق فى النكاية والانتقام، فالقتل على الهوية بالرصاص المباشر على يد مقاتلين تم جلبهم إلى الساحل السورى، ونشر الرعب بين الأهالى بالإعدامات الميدانية بالرصاص الحى وقتل النساء والأطفال واقتحام المنازل وسرقتها وهو ما يعد رؤية ممنهجة للتطهير العرقى واسع النطاق فى الساحل السورى، الذى تكشف تفاصيل أحداثه عن بداية عادية بقيام مجموعات مسلحة قيل إنها مرتبطة بسهيل الحسن، أحد أبرز ضباط الجيش السورى السابق بالهجوم على كمين لقوات الأمن العام فى محيط بلدة جبلة بالساحل مما أسفر عن مقتل 16 شخصًا من قوات الأمن العام.
وعليه قامت القوات الحكومية بإرسال تعزيزات عسكرية إلى الساحل وفرض حظر للتجوال، لتبدأ التجاوزات خاصة من خلال مقاتلين غير نظاميين رأوا فى الأحداث فرصة لقتل العلويين، بإعلان المرصد السورى لحقوق الإنسان عن هجوم على قرية بيت عانا بريف جبلة، لتنشب مواجهة واسعة بين فصائل ومجموعات السلطة الانتقالية و«العلويون» فى مناطق الساحل فشملت بلدات التويمة الصنوبر بريف جبلة.
وسرعان ما ازدادت وتيرة القتل تجاه المدنيين العزل مع دخول مسلحين لمؤازرة قوى الأمن وتشكيلات وزارة الدفاع ليتم الإعلان عن مقتل 1018 شخصا بينهم 745 مدنيا ثم يرتفع عدد القتلى ليتجاوز 1750مدنيا، بينما تم الإعلان عن مقتل 125 عنصرا من الأمن العام ووزارة الدفاع وقوات رديفة تابعة لهما.

وأدى الصدام إلى تدهور كارثى فى الأوضاع المعيشية لسكان الساحل السورى حيث انقطعت الكهرباء ومياه الشرب عن مناطق واسعة فى ريف اللاذقية، فضلا عن انقطاع الخدمات لا سيما الاتصالات فى بعض المناطق وتوقف الأفران عن إنتاج الخبز وإغلاق الأسواق التى كانت مقصدا للمسلحين والقوات الرديفة للأمن ووزارة الدفاع، مما تسبب فى صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية للعائلات، لتخرج وزارة الدفاع السورية لتتحدث عن وضع خطة لضبط الموقف بهدف عدم توسيع العمليات داخل المدن حفاظا على سلامة أهلها.
وأعلن مصدر عسكرى أنه تم إيقاف العملية العسكرية فى منطقة الساحل غرب البلاد لحين إخراج العناصر غير المنتمين إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية، فيما أعلنت وزارة الدفاع بالتنسيق مع إدارة الأمن العام إغلاق الطرق المؤدية إلى منطقة الساحل لضبط المخالفات ومنع التجاوزات وعودة الاستقرار تدريجيا إلى المنطقة.
علويون أم نصيريون؟
تكشف تلك الأحداث عن أن هناك عمليات قتل ممنهج لعناصر الطائفة العلوية من العسكريين التابعين للجيش العربى السورى المنحل والمدنيين من أبناء الطائفة معًا وأن هذا القتل يرقى إلى عمليات الإبادة الجماعية الممنهجة، التى امتدت إلى 29 منطقة بالساحل السورى على يد «قوات الأمن التابعة للإدارة الانتقالية ومجموعاتها الرديفة»، وهو الأمر الذى لا يحمل فقط رد فعل ضد عناصر تصفهم السلطة الجديد بفلول النظام السابق، وإنما يحمل العديد من الأبعاد، ففقهيًا ينظر أنصار وأتباع السلفية الجهادية إلى العلويين على أنهم «كفار» استنادًا على فتوى ابن تيمية الذى اعتبرهم من الـ«نصيرية» المرتدين التابعين لأبى شعيب محمد بن نصير والذين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ولا يقر بالجزية عليهم لأنهم لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين، كل ذلك بحسب فتوى ابن تيمية.
هذه المرجعية الفقهية أباحت لبعض العناصر الأمن العام والميليشيات والمجموعات التابعة قُتل «العلويون» وإعدامهم بالرصاص فى الشوارع واكتفت السلطات الجديدة بوصف مرتكبى تلك المجازر بالمجموعات المنفلتة، وأن منهم عناصر من الأجانب غير السوريين من جنسيات وسط آسيا من دول الشيشان وأوزبكستان وطاجيكستان قامت بتجنيسهم تحت دعوى مشاركتهم فى جهاد النظام الأسدى العلوى وإسقاطه وهم لا يؤمنون أصلا بالتعايش مع الآخر.

جغرافيًا وتاريخيًا فالطائفة العلوية التى تنتشر فى محافظتى اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى مناطق فى حمص وحماة وريف دمشق التى يشكلون قرابة 9% من سكان سوريا، بعدد يقارب 1.7 مليون نسمة وهم بمناطق الساحل يحملون تاريخًا طويلًا من النزعة الاستقلالية والتصادمية مع مكونات الجغرافيا السورية حيث كانت لهم دولتهم فى «جبل العلويين» أو «إقليم العلويين» أو«الدولة العلوية» والتى أسسها الانتداب الفرنسى فى عام 1920 وكانت عاصمتها اللاذقية واستمرت حتى 1936م، وكانت دائما ما تصنف عقيدتهم على أنها «نسخة مبتكرة» من الإسلام الشيعى، خاصة مع اعتقادهم الأساسى بعقيدة «التناسخ» أى انتقال الأرواح التى ترفضها العقيدة الإسلامية فى الطائفتين الشيعية الاثنى عشرية والسنية، وأن «معظم العقيدة العلوية تتألف من مزيج مستمد من الديانات التوحيدية الكبرى بما فيها الإسلام والزرادشتية، إضافة إلى أن الكثير من طقوسها سرية وغامضة».
والفرنسيون هم من غيروا اسمهم من «النصيريين» إلى «العلويين» من أجل إبراز التشابه بينهم وبين المسلمين الشيعة ولم يعترف بالعلويين كمسلمين رسميا حتى عام 1932.
وعندها أصدر مفتى فلسطين الحاج أمين الحسينى فتوى بهدف تقويض النفوذ الاستعمارى الفرنسى فى سوريا، بإنشاء «الدولة العلوية» لتوفر فتوى الحسينى للعلويين ضمانات بالمساواة فى سوريا المستقلة التى يهيمن عليها السنة، لكن هذا الأمر «الظرفى» فشل فى إقناع الكثيرين من الأغلبية السنية السورية بأن العلويين ليسوا «زنادقة»، وهو ما انعكس على عدم تحسن ظروفهم الاجتماعية.
لحظة الحقيقة
جاءت اللحظة الحقيقية لتصبح «العلوية» كيانًا موحدًا وهى صعود «حزب البعث» فى عام 1963 وتولى حافظ الأسد السلطة فى عام 1970 وتعيينهم بشكل منهجى فى مناصب رئيسية فى الجيش والمخابرات ووزارات الدولة وتم دمجها بشكل كامل بالدولة السورية.
وكان لأبناء الطائفة بعشائرهم الرئيسية «الكلبية» التى ينحدر منها حافظ الأسد الأب و«الحدادين» و«الخياطين» و«المتاور» وتتفرع منها عشائر فرعية منها رسالته؛ القراحلة؛ المحارزة؛ الصوارمة؛ النميلاتية؛ الشوارغة؛ البهلولية، الحظوة الأكبر فى الحكم باختيارهم للمناصب القيادية فى الجيش وباقى مناصب الدولة خلال نصف قرن من حكم عائلة الأسد العلوية.
هندس لهم الأسد الأب مراكز القوة بالجيش العربى السورى، وبطريقة تضمن ولاء الجيش للنظام وتمنع تحوله لأداة سياسية ضد سلطته؛ إلا أنه وبعد الثورة السورية ولأسباب عدة تصدع ثالوث القيادة فى الوحدات العسكرية لصالح تولى الضباط العلويين قيادة تلك الوحدات ليس فى الصف الأول فقط بل فى الصف الثانى والثالث وما يليهما.
وكشف استقصاء بحثى سورى عن التغلغل العلوى فى الجيش حيث احتلوا أهم 40 مركزًا فى الجيش السورى حتى تاريخ 10/3/2020 بداية من منصب القائد العام ومرورًا بوزير الدفاع وليس نهاية بقادة الفيالق العسكرية وقادة الفرق وأجهزة الاستخبارات، حيث كان يسيطر ضباط اللاذقية على 58% من المناصب القيادية، بينما يسيطر ضباط طرطوس على 17%، وضباط حمص على 15%، فى حين يسيطر ضباط حماة على 10%.
وكان الثقل المركزى فى الجيش للضباط المنحدرين من اللاذقية بشكل أساسى، ومن جبلة والقرداحة بشكل خاص، هذه «العلوية العسكرية» ساهمت فى بقاء الجيش متماسكًا ومواليًا للنظام منذ عام 2011 حتى سقوطه فى 8 ديسمبر 2024 حيث كان غالبية ضباطه ينحدّرون من الطائفة العلوية.
وخلال سنوات الثورة السورية، لطالما طرح خيار الساحل كـ«ملاذ» لبشار الأسد وأركان حكمه مع إمكانية منحه حكما ذاتيا للمناطق العلوية، وتكرار تجربة أجداده حيث قدمت الجبال التى تطوق الحافة الشرقية للبحر المتوسط ملاذا لهم، ولكن يبدو أن بشار الأسد كان مدركًا أنه لن يستطيع اقتطاع دولة لها مقومات البقاء فى الأراضى العلوية التى هى أيضا موطن لكثير من السنة، فمن الناحية الاقتصادية لن يكتب لهذه الدولة الاستمرار إذ أنها ستكون تحت حصار القوى السنية التى سيطرت على بقية البلاد، كما أن هذه الدولة تفتقر إلى وجود أى صناعة فيها، ولا تحتوى على أى من احتياطيات النفط المتواضعة فى سوريا التى تقع فى الشرق ولن يكون لها حليف يذكر فى الخارج وستكون القوى الإقليمية التى تتصارع هى نفسها مع الأقليات التى لديها كراهة للسماح بقيام كيان انفصالى.
هذه التركيبة العلوية سرعان ما وجدت نفسها خارج المشهد وتم إقصاؤها بالكامل بعد حل الجيش العربى السورى وبعد أن لقى العديد منهم حتفه فى المعارك التى دارت بين المعارضة المسلحة والنظام السورى على مدار 13 عامًا، وبعد سقوط النظام أصبحوا أكثر الطوائف استهدافًا من قبل المجموعات التى تحكم الآن، وهو ما دفعهم لتكوين فصائل ومجموعات مسلحة فى مناطق بالساحل السورى، وقاموا بهجمات 6 مارس 2025 فى مدن وقرى الساحل السورى واستهدفوا دوريات الأمن العام ومقراته، فى عملية هى الأوسع والأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، وبدأت الهجمات بنصب كمائن على طريق عام اللاذقية جبلة بانياس، أدت لقطع الطريق، ثم مهاجمة مواقع قيادة القوات البحرية والكلية البحرية والسيطرة عليها قرب جبلة وفروع الأمن الجنائى باللاذقية وجبلة وقيادة المنطقة بالقرداحة والمشفى الوطنى بجبلة، وقطع طريق دريكيش وطريق القسطل اللاذقية وطريق بيت ياشوط ومطار سطامو العسكرى وجسر قاعدة حميميم وحواجز مرفأ طرطوس، ليسفر الهجوم الأولى عن مقتل العشرات من قوى من الأمن العام وخطف 47 آخرين تمت محاصرتهم واعتقالهم.

وتزامن الهجوم مع إعلان تشكيل مجلس عسكرى بتوقيع من العميد غياث دلا أحد قادة الفرقة الرابعة فى النظام السابق وهو من المقربين من ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة وشقيق بشار ودعا البيان لحمل السلاح ومواجهة قوات الإدارة الانتقالية وجاء الهجوم الواسع والمنظم فى الساحل بعد يوم واحد فقط من إعلان الحرس الثورى الإيرانى عن تشكيل المقاومة الإسلامية فى سوريا «أولى البأس»، وكذلك تم الإعلان عن تشكيل القوة 313 للجهاد فى سوريا، لترد الفصائل المسلحة الحاكمة فى سوريا بإطلاق النفير العام وإرسال تعزيزات كبيرة نحو الساحل؛ وهو ما نتج عنها تلك المجازر المروعة.
ووفق نظرية المؤمراة التى يروج لها الإسلاميون غالبًا فإن العملية كانت مخططة ومدروسة ومدعومة من جهات خارجية على رأسها إيران وروسيا وحزب الله، الذين سعوا إلى إحداث انقلاب بالساحل السورى لإخراج الرئيس السورى أحمد الشرع ورجاله من الحكم والعودة مرة أخرى برجال الأسد وتغيير خارطة السيطرة فى سوريا وتعويض خسارتهم بعد سقوط النظام، بحيث يستعيدون جزءًا من نفوذها بالمنطقة وكانت الخطة تهدف لاحتلال مدن الساحل ثم الاستناد إلى القوات الروسية للحماية والدفاع عنهم، فى ظل وجود قاعدتَيْ حميميم وطرطوس، وهو الأمر الذى يشكل فرصة جديدة لموسكو لترسيخ وجودها فى منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية.
الأحداث الأخيرة وأيا كانت مآلاتها وتفاصيلها تشير إلى أننا أمام قنبلة موقوتة تستعد للانفجار محدد التقوض السلم والتعايش على أرض الشام إذا لم يتم حلها نهائيا وللأبد.