
رشاد كامل
حكايات صحفية
روزاليوسف تتحدى المندوب السامى البريطانى!
كان لورد كيلرن- سير مايلز لامبسون- هدفا ثابتا ودائما فى هجوم روزاليوسف عليه طوال سنوات وجوده فى مصر، بل إن روزاليوسف هى المجلة الوحيدة التى طالبت بشجاعة وجرأة بأن هذا الرجل يجب أن يخرج من مصر.. فى مقال إحسان عبدالقدوس الشهير ولم يكن عمر إحسان وقتها يتجاوز 26 عاما. وكان هذا المقال هو السبب المباشر لاعتقال إحسان عبدالقدوس!
وفى ذكريات السيدة «فاطمة اليوسف» تقول إن «سير مايلز لامبسون» كان إحدى القوى التى كانت تتسلط على أقدار مصر، وتضيف:
سير مايلز لامبسون أستطيع أن أقرر أنه أخطر من مثل بريطانيا فى مصر ولا أبالغ إذا قلت إنه سار على سياسة تخالف سياسة كل من عداه من المندوبين الساميين والسفراء الإنجليز، فقد كان ممثلو إنجلترا دائما يتحالفون مع القصر ويناصبون الوفد عداء شديدا، أما السير «مايلز لامبسون» فقد كانت خطته منذ جاء إلى مصر ترمى إلى مهادنة الوفد ومسالمته ومقابلته فى منتصف الطريق.
وقد رأيت سير «مايلز لامبسون» مرة واحدة فى إحدى الحفلات التى كانت تقام فى قصر الزعفران، قدمنى إليه «أمين عثمان» الذى كان يطلق عليه اسم «ابن لامبسون»، وقد هالتنى قامته الفارعة الطول وشخصيته القوية الطاغية، وعيناه الفاحصتان وكان كل ما فيه يصرخ بأنه رجل لا يعرف الحدود ولا القيود، وقال لى ضاحكاً:
- أترين أننى أجمل من الكاريكاتير الذى ترسمه لى مجلتك؟!
وكنت أعرف أنه يغتاظ جدا من الكاريكاتير الذى كان يبدو فيه قبيحًا كبير السن، ربما لأنه متزوج من شابة جميلة تصغره بكثير.
وقد رأيت بعينى كيف كان يخافه الآخرون- المصريون طبعا- ويهابونه وهو بينهم يبدو بمظهر صاحب الأمر ومع أنه بعد معاهدة 1936 أصبح سفيرا وليس مندوبًا ساميًا إلا أنه احتفظ بكل حقوق أو نفوذ المندوب السامى.

وتمضى السيدة «روزاليوسف» فى ذكرياتها قائلة:
«وكان مايلز لامبسون متزوجًا من سيدة إيطالية تصغره فى السن بكثير، وكانت لأنها إيطالية مكروهة من جميع سيدات الجالية الإنجليزية فى مصر، وكان الإنجليز (يتقولون) عليها نظراً لتأثيرها على زوجها، وقد كانا بخيلين لا يتورعان عن الدخول فى صفقات تجارية بغية الكسب، بل كان لامبسون إذا ذهب لرياضة الصيد لا يخجل حين يعود أن يبيع البط الذى اصطاده بالثمن!!
أذكر أننى احتجت يوما إلى عاملة مانيكير، وحدثتنى هذه العاملة بأنها تذهب إلى السفارة البريطانية للعناية بأظافر «ليدى لامبسون» وأن «ليدى لامبسون» تعطيها فى الزيارة عشرين قرشا فقط!! وقد أشارت العاملة مرة إلى قلة هذا الأجر فقالت لها «ليدى لامبسون»:
- إننا فقراء وزوجى متقدم فى السن وعندى ابن صغير يجب أن ادخر لتربيته!!
وكانت قد أنجبت ابناً فى مصر أثناء الحرب سمته «فيكتور» وهو الاسم الذى قيل إن «أحمد حسنين» (رئيس الديوان الملكى) اختاره له!!
وقد عرف لامبسون نقط الضعف فى «مصطفى النحاس» (زعيم الوفد) فاستغلها، وأقام صداقة سريعة معه ومع زوجته، وكان يظهر معه دائما فى الحفلات، خصوصا أثناء الحرب ليخدر المصريين ولينشر بينهم شعوراً بالصداقة فى اللحظات الحرجة من الحرب التى كانوا محتاجين فيها إلى هدوء المصريين وصداقتهم!
ولا شك أن «لامبسون» كان عاملا قويا من العوامل فى تغيير خطة «النحاس» وفى إضعاف مقاومته مما أظهر الفساد حوله! وتحكى «روزاليوسف» موقفا آخر حدث أثناء رئاسة «على ماهر» للحكومة فتقول:
كان «على ماهر» رئيسا للوزارة ورسمت روزاليوسف صورة كاريكاتورية لسير «مايلز لامبسون» وغيره من الإنجليز فى ثياب القراصنة، والمصرى أفندى ينصح لعلى ماهر ألا يركب معهم فى سفينة واحدة!!
وذهب «مايلز لامبسون» يحتج عنده على هذه الصورة فاتصل «بأنطون الجميل» -رئيس تحرير الأهرام- وطلب منه أن ينشر «أن ما تنشره بعض المجلات لا يعبر عن رأى الحكومة».. مشيرا إلى «روزاليوسف» فكتبت فى اليوم التالى أقول أن «المجلة لا صلة لها بأحد!».
وتروى السيدة «روزاليوسف» كيف وقع «توفيق نسيم» رئيس الحكومة تحت سطوة القصر والإنجليز مباشرة ومن ثم أخذ يؤجل إعادة الدستور بشتى الطرق، ورضخت الوزارة للإنجليز تماما وأخذت تسرع إلى تلبية كل ما يطلبونه منها!
وشنت روزاليوسف اليومية والأسبوعية حملات قاسية على الوزارة ولم تكف عن المطالبة بالدستور لحظة، وكانت روزاليوسف تكاد تكون الصحيفة الوحيدة التى رفضت مهادنة توفيق نسيم بعد أن ظهرت نواياه!
وتضيف روزاليوسف قائلة: حدث حادث أثبت لى ما كنت أشك فيه من تأييد الإنجليز المطلق للوزارة وجعلنى أعنف فى حملاتى عليها أكثر من ذى قبل.
كنت أجلس فى مكتبى بالجريدة حين فوجئت بزيارة من أحد تجار الورق ومعه زميل صحفى كبير، وكان تاجر الورق هذا هو الذى يبيعنى ورق الجريدة والمجلة فحسبت أنه جاء يطالبنى بنقود جديدة، فلم يكد يدخل عليّ الحجرة حتى صحت فيه: ألم أدفع لك نقودك منذ أيام؟!
وضحك التاجر والصحفى وقال التاجر: بالعكس إننى لم آت لأطلب منك نقوداً. وطلب أن يختلى بى هو وصاحبه الصحفى لأن لديه حديثاً سريًا مهماً.
فلما خلوت بهما، بدأ التاجر يعاتبنى على الحملات التى تشنها روزاليوسف على الوزارة، ويؤكد لى أنه لا يوجد أى مبرر لأن أنفرد أنا بهذه الحملة دون سائر الصحف ثم قال لى - ببساطة:
-إن دار المندوب السامى البريطانى تعرض عليّ أن تدفع لى خمسة آلاف جنيه دفعة أولى ثم ألفى جنيه شهريًا لمدة طويلة إذا أوقفت الحملة نهائياً على الوزارة!
واستفزنى هذا العرض، لكن شعور الدهشة عندى طغى على شعور الاستفزاز، فحتى ذلك الوقت كنت أعرف أن الحكومات وحدها هى التى تعرض على الصحف مصاريفها السرية، ولكنى لم أكن أتصور أن السفارات أيضا تطرق هذا السبيل وتدخل إلى الصحف والرأى العام من هذا الباب!

ورفضت العرض طبعا، وناقشت الزائرين طويلا فى مغزى تأييد الإنجليز للوزارة إلى هذا الحد، وقلت إن هذا يؤيد الرأى الذى تدعو «روزاليوسف» من أن هذه الوزارة صنيعة للإنجليز!
وخرج الزائران وكنت فى حديثى معهما غير حريصة على أن أتحدث بصوت خفيض، فسمع الأستاذ «العقاد» أطرافاً من الحديث من حجرته المجاورة، فلما خرجا سألنى: الجماعة دول عايزين إيه؟!
فرويت له القصة ضاحكة وقال العقاد:
- أنا كنت عارف إنك حترفضي!
ثم أبدى رأيه فى الزميل الصحفى بصراحة بالغة!!
ومن ذكريات السيدة روزاليوسف أيضا قولها:
- فى سنة 1945 عاد إحسان إلى روزاليوسف- عمل فى آخر ساعة مع الأستاذ محمد التابعى لفترة - وكتب أول مقال نشر فى الصحف المصرية ضد اللورد «كيلرن» وكان النقراشى رئيسا للوزارة فصادر المجلة وقبض على إحسان وأودعه السجن، وقد حاولت أن أتحمل المسئولية نيابة عن ابنى وأن أدخل السجن بدلا منه، ولكن «إحسان» ثار وشهد مكتب وكيل النيابة مناقشة حادة لا أعتقد أن تاريخ الصحافة فى العالم شهد مثلها، مناقشة بين أم وابنها كل منهما يريد أن يتحمل المسئولية وكل منهما يريد أن يدخل السجن، وانتصر وكيل النيابة لابنى وحمله المسئولية وأودعه السجن!!
للحكاية بقية يرويها الأستاذ الكبير إحسان عبدالقدوس!