الثلاثاء 16 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
مصطفى أمين يحصل على مشروع مد امتياز قناة السويس!

مصطفى أمين يحصل على مشروع مد امتياز قناة السويس!

كان الصحفى الشاب مصطفى أمين على موعد مع خبطة صحفية نادرة، نشرتها روزاليوسف واعتزت بها الأوساط السياسية والصحفية!



وكان -كما تقول السيدة روزاليوسف- مألوفا منه أن يسافر بسيارته الصغيرة جدا والعتيقة جدا سفرا بعيدا لكى يحصل على خبر ويعود فى نفس اليوم».

وتفاصيل حصول مصطفى على هذه الخبطة المدوية يرويها الكاتب الصحفى الأستاذ حمد السيد شوشة فى كتابه الممتع «أسرار على أمين ومصطفى أمين» فيقول:

حدث أن تعارف مصطفى أمين مع ابنة أحد الوزراء، وذات يوم من شهر فبراير سنة 1933 تمت أغرب مقابلة بينهما، انتظر الشاب - مصطفى - الفتاة - ابنة أحد الوزراء - فى شارع مهجور بجوار الجبلاية فى الجزيرة، ثم حضرت فتاة جميلة وركبت السيارة إلى جوار الشاب وانطلقت السيارة بسرعة غريبة!

وبعد نصف ساعة عادت السيارة إلى الشارع المهجور من جديد وغادرتها الفتاة الفاتنة! وقد يتصور أى إنسان يرى هذا المنظر أنه موعد غرام، ولكن الذى حدث أن السيارة وقفت فى شارع «منزوِ» فى طريق الأهرام وفتحت الفتاة حقيبتها وأخرجت ورقة!

وأمسك مصطفى بقلمه وراح ينقل ما فى الورقة! ثم أعاد مصطفى الورقة إلى الفتاة، فدستها فى حقيبة يدها، وفجأة خطر ببال «مصطفى» خاطر غريب فذهب بالسيارة إلى محل المصور «أرمان» والتقط صورة زنكوغرافية للوثيقة ثم عاد بالفتاة إلى الزمالك من جديد!

وعلى الفور ذهب مصطفى إلى التابعى وقدم له نص مشروع بين الحكومة وشركة قناة السويس لمد امتياز القناة ستين سنة، وكان المشروع مكتوبا بالفرنسية.

وتولى «التابعى» ترجمته إلى اللغة العربية ونشره فى عدد «روزاليوسف» الصادر فى 13 فبراير سنة 1933 وهاجم الحكومة لأنها تفكر فى مد امتياز قناة السويس الذى ينتهى فى 17 نوفمبر سنة 1968 إلى 18 نوفمبر سنة 2028.

وادعى التابعى - الكلام للسيد شوشة  يصف ما حدث فى مقال له فى مجلة «روزاليوسف» الصادرة فى 28 فبراير سنة 1933 فيقول:

نشرنا فى العدد الماضى نص المشروع الذى قدمته شركة قناة السويس إلى الوزارة الحاضرة بخصوص مد امتياز القناة المذكورة ونقلت بعض الزميلات اليومية نصوص المشروع المذكور.

 

 

 

وكان من المنتظر أن تجمع الوزارة أطراف شجاعتها أو تستنفد ذخيرتها الباقية من الحياة وتصدر بلاغا رسميا بتكذيب هذا الخبر، ولكن مجلة «روزاليوسف» توزع فى القاهرة فى صباح الأحد، ولكن فى الإمكان الحصول عليها فى يوم السبت من الباعة فى محطات السكك الحديدية فى القاهرة، وفى وسعك أن تثق أن السادة الوزراء يعرفون هذا، وأنهم يحرصون على الحصول على المجلة فى صباح السبت!

واطلع الوزراء على نص المشروع وهو مودع فى مكتب وزير المالية لا فى رئاسة مجلس الوزراء، كما ذكرنا خطأ فى العدد السابق.

وقامت قيامتهم واهتزت أسلاك التليفون، وتحدث بالتليفون معالى «محمد شفيق باشا» وزير المالية بالنيابة مع مدير مكتبه فى المالية الأستاذ «فهمى سليمان» وأمره بأن يبحث فى الدوسيه المختص ليرى هل المشروع باق فى الدوسيه أم سرقته يد أثيمة؟!

ووجد الأستاذ المشروع سليمًا معافى واطمأن معالى الوزير وجلس ليكتب نص البلاغ الرسمى الذى كان سيقول أن الخبر مختلق من أساسه وأن لا صحة له على الإطلاق، ثم تكشف الوزارة رأسها، وكم دعوة «ولية» فى ساعة مغربية على رأس روزاليوسف ونقابة الكذابين!

وبينما معالى الوزير غارق فى بحار «الإنشاء» يختار منها لآلى التكذيب واختلاق الأخبار، دخل عليه موظف كبير لم يذكر لنا الراوى اسمه، وأبلغه أن تحت يد المجلة صورة المشروع بالزنكوغراف، وأن هذه الوزارة تعرض نفسها لفضيحة كبرى إذا هى أصدرت البلاغ الرسمى بالتكذيب، ثم نشرت «روزاليوسف» صورة المشروع بالزنكوغراف!

وهنا آمن الوزير البعيد النظر على صحة هذا الاعتراض ومزق ما كان كتبه من صورة البلاغ الرسمى المذكور!».

ويمضى مقال الأستاذ التابعى المنشور فى روزاليوسف فيكتب:

 

 

 

ولكن هل تسكت الوزارة على هذا الخبر؟!

أرسلوا إلى جريدة المقطم وطلبوا منها أن تنفى صحة هذا الخبر جريًا على عادتها من «علمنا من مصدر كبير أن لا صحة لما نشرته مجلة «روزاليوسف» خاصا بكذا وكيت!

ولكن جريدة المقطم أمنت أخيراً بأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين!

جريدة المقطم اعتذرت وقالت إنه فى شهر يوليو الماضى نشرت نفس مجلة «روزاليوسف»  خبراً قالت فيه أن «دولة صدقى باشا» سوف يقابل سمو الخديو السابق فى مدينة فيشى وأن الوزارة أوعزت إليها - إلى المقطم - بتكذيب الخبر فكذبته، ثم لم يمض شهر واحد حتى تمت المقابلة فعلا!

ومع ذلك فإن الوزارة لم تسعف يومها جريدة المقطم بدستة أو نصف دستة من مناديل تمسح بها عرق الخجل عن جبينها الوضاح !!

اعتذرت إذن جريدة المقطم عن تكذيب الخبر وأشارت على الوزارة بإصدار بلاغ رسمى، وأخيراً اضطر معالى «شفيق باشا» أن يجز على أسنانه وأن يأمر بفتح تحقيق مع موظف المكتب ليرى كيف تسربت إلينا نصوص المشروع المذكور!».

هذا ما كتبه التابعى ولكن للقصة بقية!

إن التحقيقات التى جرت لم تستطع أن تعرف كيف تسربت الوثيقة! ولم يخطر ببال أحد أن ابنة أحد الوزراء هى التى فتحت حقيبة والدها السرية وأخذت المشروع وأعطته لصحفى فصوره بالزنكوغراف!

وقامت قيامة الصحف ضد الحكومة! واضطرت الحكومة إلى العدول عن تجديد امتياز قناة السويس.

وخدمت هذه الضربة الصحفية «روزاليوسف» عند «النحاس» وشعر رئيس الوفد أن هذه الجريدة الأسبوعية فعلت شيئا ضخماً مثيراً لم تستطع أن تفعل مثله أى صحيفة أخري!

وكانت روزاليوسف فى تلك الأثناء فى أزمة مع الوفد، وكان «مكرم عبيد» -وسكرتير الوفد - قد أوعز بإصدار جريدة أخرى باسم «الصريح» لمناوأة «روزاليوسف»، وكان الأستاذان «محمد على حماد» و«محمد على غريب» هما اللذان يحرران مجلة الصريح!

وكان النحاس ومكرم يعتقدان أن «روزاليوسف» و«التابعي» طغيا لأنهما لا ينفذان أوامر سكرتيرية الوفد وأنه لا بد من تأديب مجلة روزاليوسف بإصدار مجلة على منوالها تباع بخمسة مليمات، بينما «روزاليوسف» تباع بعشرة مليمات!

 

 

 

ولكن النحاس عندما رأى الضربات التى تحققها «روزاليوسف» شعر أنه يخطئ بالمراهنة على جواد خاسر! ومن هنا بدأ يقف على الحياد بين المجلتين، وعندما ضربت روزاليوسف ضربتها بنشر مشروع تجديد امتياز قناة السويس وأدى النشر إلى فضيحة سياسية وعدول الحكومة عن المشروع، قابل النحاس السيدة روزاليوسف، وسألها كيف حصلت المجلة على هذا المشروع الخطير؟!

وللحكاية بقية!