الجمعة 21 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
كلام فى دعم الرغيف

كلام فى دعم الرغيف

دعك من الخراصين ولتّاتى الكلام. لا تدار الدول بكلام مواقع التواصل، ولا الكلام ابن عم حديث على التيك توك أو تويتر.



تغير اسم تويتر، لكن ما زال الكلام كلام تويتر.. وما زالت الأقاويل على الفيس بوك ليست كلها خالصة لوجه الله. 

الأزمة لو كانت هناك أزمة، فهى أزمة منبعها ضرورة تعديل فى المسالك الاقتصادية. بالبلدى، نحن فى أمس الحاجة لموازنة قوية، ينخفض فيها العجز وتسعر فيها الخدمة على حقيقتها وبتكلفتها، للقادرين مقابل إجراءات حماية اجتماعية واقتصادية لغير القادرين. 

(1)

ليست مسئولية الدولة، أن تقدم دعمًا للجميع. وليس هناك دولة تقدم الدعم بتلك الطريقة، على خريطة العالم. 

لذلك تسمع كثيرًا جملة «وصول الدعم إلى مستحقيه». 

المعادلة هكذا: أن يصل الدعم بكل صوره إلى من يستحقه، وأن يمنع الدعم عن من لا يستحق. 

لا تتخلى الدولة بإصلاح الاقتصاد، عن مسئولياتها، لكن فى النهاية، فإن إصلاح الاقتصاد، يعود فى النهاية بالإيجابيات على كل فئات المواطنين، من يستحق الدعم ويحصل عليه، ومن لا يستحقه.. ولا يحصل عليه. 

المسألة الآن ليست رفع سعر رغيف العيش. إنما هى فى كيفية إعادة إصلاح معادلة الدعم على السلع والخدمات، ومنها تكلفة دعم الخبز، وصولًا إلى مزيد من إصلاح المعادلة الاقتصادية كلها.. بحيث تزيد قدرة الدولة على إجراءات الحماية الاجتماعية للمستحقين، وفى الوقت نفسه تقليل عجز الموازنة.

ليس هذا الكلام لكسب أرض، ولا هو كلام للمناورة فى ظل ضجة أثارها تقليل الدعم عن رغيف العيش.

تتحمل الدولة فاتورة دعم للرغيف، 125 قرشًا. تبيع الرغيف بخمسة قروش، الفارق 115 قروش، تضاف إلى منظومة دعم كبيرة تؤدى إلى عجز فى الموازنة. 

ينعكس عكس الموازنة على التضخم. تزيد نسبة العجز ونسب التضخم، فتضطر الدولة إلى طبع مزيد من الأموال لتغطية الاحتياجات. 

طبع مزيد من الأموال هى فى الأساس زيادة من المعروض من البنكنوت فى الشارع، وبالتالى مزيد من القدرة الشرائية، وصولًا إلى مزيد من الارتفاعات فى نسب التضخم.

على مواقع التواصل تساءل بعضهم: كيف لرفع الدعم عن الرغيف أن يكون فى صالح المواطن البسيط؟

بعضهم شكك وبعضهم تنمر، لكن فى الكلام الدارج فى الشارع المصرى مثل دائر يقول «اللى على البر عوّام». 

تقليل فجوة الدعم يقلل من عجز الموازنة. تقليل عجز الموازنة، ينعكس بالضرورة على تقليل نسب التضخم. 

إذا عادت الدولة، باستخدام الفروق بين أموال الدعم وبين ما وفرته من تلك الأموال، واستعادت ضخها فى مصارف الحماية الاجتماعية.. تصل الأمور إلى منطقة تعادل تشير أولًا إلى وصول الدعم إلى من يستحق الدعم.. وثانيًا تقليل أرقام التضخم، ما يعنى رفع قيمة العملة وصولًا إلى قدرة شرائية أكبر.

(2)

على مواقع التواصل، بعضهم تلاعب بالنسبة. بعضهم استغرب رفع سعر رغيف الخبز المدعم 300  %. 

هذا الكلام ملون، وفيه كثير من الاجتراء على واقع استمر أكثر من 30 عامًا على سعر لم يتغير للرغيف منذ عام 1988. 

بعض الإحصائيات تشير إلى أن أسعار القمح مثلًا، ارتفعت بنسب زادت على 12600  % العام الجارى مقارنة بأسعار عام 1988.

زادت أسعار البترول الخام، ومن ثم زيـــــادة فى أسعار السولار أكثر من 30122  % منذ 20 عامًا، مقارنة بأسعار العام الجارى. 

الأزمة أزمة مشتركة. لا هى أزمة مواطن وحده، ولا هى أزمة دولة وحدها. 

أسعار الدعم ونسب الإنفاق عليه واحدة من أهم آليات السياسة المالية للتأثير فى الوضع الاقتصادى.

«خد عندك مثلًا»: بالنسبة لمسألة دعم الطاقة.. فإن خفض مخصصات دعمها وصلت إلى مرحلة من الضرورة، مع تغير الأسعار العالمية، لأن يتم خفض مخصصاتها وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية أخرى.

مفترض أن الأنشطة الاقتصادية الأخرى أنها تساهم فى معدلات أكبر للتنمية. مفترض أن تلك الأنشطة الاقتصادية الأخرى تستهدف بصورة مباشرة الفئات الأكثر احتياجًا. 

صحيح دعم الكهرباء والطاقة أحد أهم آليات السياسة المالية المباشرة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن الصحيح أيضًا أن دعم الطاقة سبب أساسى من أسباب زيادة حجم العجز بالموازنة، مما يمثل عبئًا ماليًا على النشاطات الاقتصادية الأخرى التى قد تمارسها الدولة. 

تتعاظم تلك المشكلة لدينا فى ظل ما يشهده الاقتصاد من أعباء مالية على الموازنة، وارتفاع فى معدلات التضخم. 

خذ مثالًا آخر: تتحمل الدولة طبقًا للموازنة العامة ما يقدر بـ 342 مليار جنيه لدعم 5 سلع وخدمات، مقارنة بـما كانت تتحمله حوالى 100 مليار جنيه منذ عامين. 

(3)

قرارات بناء الدول كثيرًا ما تحتاج إلى شجاعة. إعادة وضع الدولة على الطريق الصحيح ليس بالأمر الهين ولا البسيط. مواجهة المشكلات الأساسية والحقيقية مواجهة هى الأخرى حقيقية.. واحد من أهم سمات حلول القضايا والمشكلات.

بقى دعم الخبز أكثر من 30 عامًا منطقة محظورة ممنوع الاقتراب منها رغم أنها واحدة من أكبر مكامن الصديد. 

دعم الماء، والكهرباء كانت مناطق محظورة هى الأخرى، ظلت فى عهود ماضية محلًا للالتفاف حولها، دون القدرة على اقتحام سياجها.. والتعامل معها. 

فى أغلب الأحيان يكون التعامل مع مصدر النيران هو الحل الأساسى والوحيد لإطفاء النيران.

منذ بدأت الدولة برنامج الإصلاح الاقتصادى قبل عشر سنوات، كان الخبراء يرون أن أى إصلاح لابد أن يبدأ بترشيد أوجه الإنفاق. 

ترشيد الإنفاق أساس، لأن زيادة مصروفات أى دولة عن قدراتها ومواردها يؤدى بالضرورة إلى خسائر فادحة فى الموازنة. 

خسائر الموازنة، يترتب عليها زيادة مديونية الدولة، وبالتالى تحميل جهاز مدفوعاتها أكثر مما يحتمل. 

لاحظ أن ترشيد الدعم، ليس مقصودًا به وقفه أو إنهاؤه. وترشيد الدعم أن تتدخل الدولة بحيث يصل هذا الدعم لمستحقيه الحقيقيين فقط وهم محدودو الدخل، وهو ما تم التعامل وفقه وعلى أساسه فيما يخص المواد البترولية، ووضع برنامج لهيكلة تعريفة استهلاك الكهرباء والمياه والغاز.

استهدفت الحكومة ما يسمى بالدعم التبادلى داخل كل قطاع، بحيث تنتهى بعد فترة زمنية معينة إلى أن كل قطاع يبدأ فى عدم تحميل الدولة أية أعباء مالية. 

هل هذا الحل يعنى إلغاء الدعم؟ 

هذا ليس صحيحًا، إنما التبادلية فى القطاعات، فكرة تتضمن أن تدعم فى الكهرباء مثلًا شريحة شريحة أخرى، يعنى تدعم الشريحة الأكبر الشريحة الأقل. يعنى أن تتحمل الشريحة الأكبر القادرة تكلفة النسبة الحقيقية للاستهلاك، بينما تتحمل الشريحة الأقل قدرة نسبة أقل من تكلفة استهلاكها على أن تتحمل الدولة الفارق. 

الأصل فى فكرة الدعم، هى الوصول إلى معادلة فيها أقل نسبة تتحملها الدولة، وأقل نسبة يتحملها المواطن غير القادر.

نجحت الدولة فى هذا المسار، لولا وقوع ما لم يكن متوقعًا. جاءت أزمة كورونا باهتزازات كبرى فى الأسعار، وتوقف أكبر فى مسارات التجارة والإمداد والإنتاج، ثم جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية، بارتفاعات غير مسبوقة فى نسب التضخم حول العالم، انعكست بالضرورة على كل دول الكوكب.

للتذكير: اضطرت الولايات المتحدة فى بداية الأزمة الروسية الأوكرانية إلى طبع حوالى 9 تريليونات دولار لتلبية متطلباتها، بينما اضطر الاتحاد الأوروبى فى المقابل إلى طبع ما زاد على حوالى 5 تريليونات يورو!

معلوم أن نسب التضخم فى العالم تزيد بنسب مضاعفة أضعاف ما يتم طبعه من أموال ودخول تلك الأموال إلى الأسواق.

وسط هذه الأزمة تعددت اختيارات الدول حول العالم. هناك من الدول من اختار عدم تحمل الحكومات لفروق الأسعار بالخدمات، خصوصًا مع الارتفاعات الكبيرة التى شهدتها أسعار تلك الخدمات طبقًا للوضع الجديد. 

عدم تحمل الدولة فروق الأسعار، كان ببساطة يتم تحميلها على المواطن، وهو ما حدث، وأدى بالتالى إلى زيادة أسعار تلك الخدمات الأساسية فى العديد من دول العالم. 

فــى ألمانيا، تحمــل المواطن أكثر من 260  % فى الشهور الأولى من حرب روسيا وأوكرانيا زيادة فى أسعار المواد الأساسية على سبيل المثال.

قرار الدولة المصرية، مع بداية الأزمة الروسية الأوكرانية كان تحمل كثير من الأعباء الكبيرة عن المواطن خصوصًا فيما يخص التضخم وارتفاع الأسعار العالمية. 

عملت الدولة وقتها على عدم زيادة أسعار الخدمات الرئيسية والسلع الأساسية الاستراتيجية، وتثبيتها لفترات. شملت تلك الاستراتيجية قطاعات الكهرباء، والمياه، وعديد من الخدمات الأخرى. 

كان الهدف الأول ضمان عدم تأثر المواطن البسيط بفاتورة تضخم هائلة، ظهرت فى العديد من السلع وأوجه الحياة. 

عملت الدولة على تحمل مزيد من الأعباء تخفيفًا عن كاهل المواطن، انعكس بالضرورة على إجمالى المخصصات الموجهة للدعم وبالتالى زيادتها. 

فترة ما كانت تتحمل الدولة 95 قرشًا فروقًا فى أسعار رغيف العيش، زادت اليوم إلى 125 قرشًا. 

حاليًا تنتج المخابز 275 مليون رغيف يوميًا، يعنى حوالى 100 مليار رغيف سنويًا. 

حتى عام 2021 كانت قيمة الدعم المخصصة لرغيف الخبز فى حدود الـ 50 مليار جنيه، لكن التكلفة زادت وصولًا إلى 100 مليار جنيه على الدولة.

تزيد بنود الدعم فى الموازنة لتصل اليوم إلى 342 مليارًا.. العبء على الموازنة بنفس القيمة، التى تظهر عجزًا بعد استدانتها. 

التحدى الآخر، أنه منذ عامين كانت الحكومة تحصل على هذه المبالغ بسعر فائدة أقل من 10 %. وصلت النسبة مؤخرًا إلى أكثر من 25 %، فى شكل أعباء لا يمكن للدولة الاستمرار فيها. 

فى أوقات ماضية، كانت الحكومة ترجئ اللجوء لأى زيادات فى ظل الظروف التى يمر بها العالم، لكن لأنه لم يعد هناك بد من الدواء المر، فقد بدأ التفكير فى كيفية التحرك. 

ترشيد الدعم لا يعنى إلغاءه.. والتحرك فى اتجاه الحل قضية مشتركة بين الحكومة والمواطن، لا يمكن أن تتحمل الدولة وحدها، فى المقابل، فإن الدولة لن تدع المواطن يتحمل وحده.