السبت 22 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
السر الذى أخفاه مصطفى أمين عن التابعى

السر الذى أخفاه مصطفى أمين عن التابعى

ذهب مصطفى أمين فى الموعد المحدد لمقابلة الأستاذ محمد التابعى فى مكتبه بروزاليوسف، وكان يحمل معه مظروفًًا كبيرًا بداخله أخبار سياسية ومقالات متنوعة وأفكار كاريكاتير وقصتان قصيرتان! 



واستولت الدهشة على التابعى وقال له: أنت حررت وكتبت العدد القادم كله!

كانت أعصاب التابعى هادئة وراح يقلب المقالات والأخبار وإذا بالدهشة تمتلكه وعاد يسأل: هل هذه أول مرة تكتب فى الصحافة؟

وقال مصطفى بسذاجة وخبث: نعم هذه هى محاولتى الأولى؟!

ودهش التابعى مرة أخرى، تصور أنه اكتشف عبقريًا، كيف يستطيع شاب مبتدئ أن يتقدم بكل هذا المحصول مرة واحدة، وأن يدرس روح المجلة ويعرف ما يصلح لها وما لا يصلح! إنه يستقبل ألوف الشبان فيجد ما يقدمونه لا يصلح لنوع المجلة التى يحررها، ولكن هذا الشاب حاول أن يملأ كل باب وأن يكتب كل صفحة وراعى أسلوب المجلة وحصل على الأخبار التي تهمها، واقترح أفكارًا لصور ترمز إلى المقالات، واختار أفكار الصور الكاريكاتيرية!!

 

 

 

تفاصيل ما جرى بعد ذلك تعرفه من كتاب الأستاذ: محمد السيد شوشة الممتع وهو كتاب «أسرار على أمين ومصطفى أمين» حيث كتب يقول:

لم يعرف التابعى أو يخطر بباله أن هذا الشاب كان يعمل معه كل يوم حوالى العامين، وكان يكتب فى مجلته باسم مستعار هو اسم «حسن».

وظهرت روز اليوسف فى يوم 30 أغسطس سنة 1931 وفيها كثير من أخبار مصطفی ومقالاته، وبعد بضعه أسابيع قفز إلى منصب المخبر الأولى فى روزاليوسف، ولكنه كتم عن «التابعى» سره الرهيب بأنه كان يعمل معه قبل ذلك باسم «حسن».

كان مصطفى فرحًا بأن التابعى يتصور أنه عبقرى وأنه نبغ من اليوم الأول، وكان حريصًا على ألا يفهم التابعى أنه عاش أكثر من عامين معه ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة.

كانت الحياة فى مجلة روزاليوسف حياة شائقة كلها عرق ودم وأعصاب ودموع وابتسامات، مجلة تشق طريقها وسط العواصف، الضربات توجه لها من كل مكان، من الذين تؤيدهم والذين تعارضهم.

الوفد لا يعجبه الأسلوب الحديث فى النقد السياسي، والحكومة تضيق بهذه المعارضة المليئة بالدبابيس والمسامير. وقد وصف يوسف وهبى «التابعى» بأنه كاتب يسقى «السم» فى برشامة!

ولكن البرشام الذى كان يقدمه التابعى لحكومة «إسماعيل صدقى» لم يكن دائمًا يعجب النحاس- زعيم الوفد- فهو يريد من الصحفي الوفدي أن يمسك سكينًا ويغمده فى صدر الحكومة! لا يهمه بعد ذلك مصير المجلة الوفدية. وكانت المصادرات تتوالى على المجلة وتحقيقات النيابة، ولكن كل هذا لم يكن يهم «النحاس»، ومكرم عبيد - سكرتير الوفد - الذى يهمهما أن تصف الجريدة الوفدية المظاهرات وتأدية الرئيس النحاس لصلاة الجمعة واستقبالات الوفود، أما النقد السياسى الحقيقي فلم يكن يهم زعماء الوفد!

ومن أجل هذا كانت الصحف الوفدية تستأجر «فتوات وفدية» للدفاع عنها، وليس مهمة الفتوة أن يضرب رئيس «الوفد» وإنما مهمته أن يكون همزة الوصل بينه وبين الجريدة، يهدئه عندما يغضب، ويصالحه عندما يثور، ويحمل الرسائل بين الجريدة والزعيم، فتعرف الجريدة ماذا يرضيه وماذا يسخطه!

وكان الأستاذ «حسني عبد الحميد» هو مندوب روزاليوسف عند زعيم الوفد، وكان فى كل أسبوع يحمل أخبارًا للمجلة يريد النحاس نشرها وهى أخبار تافهة فيها أكاذيب وفيها مبالغات، وكلها تؤدي إلى دخول محررى روزاليوسف إلى الليمان!

وكان التابعى يختار من هذه الأخبار أقلها ضررًا ويهذبها ثم ينشرها لكيلا يثير غضب الزعيم، وكان الزعيم يريد أن تكتب المجلة كل أسبوع أن الوزارة سوف تستقيل فى الأسبوع القادم، ويرى أن مثل هذه الأخبار ترفع الروح المعنوية لدى الشعب، وتجعله لا ينفض عن الوفد، لكن وزارة «صدقى» مكثت فى الحكم ثلاث سنوات، بينما صحف الوفد تؤكد كل يوم من هذه السنوات الثلاث أنها ستستقيل فى الأسبوع القادم.  

 

 

 

كانت روزاليوسف والتابعى ومصطفى أمين يعتقدون أن هذه ليست صحافة، وأن الصحافة هى الحصول على أخبار حقيقية تقع فعلاً. وكان مصطفى حصل على ضربات صحفية وأسرار سياسية وأنباء مؤكدة، وفى أول الأمر كان التلاميذ مصادر أخباره!

كان زميله «عزيز صدقى ابن إسماعيل صدقي باشا» رئيس الوزراء، وزميله «ماهر دوس»، ابن توفيق دوس باشا وزير المواصلات، وزميله «حسين كمال» ابن «أحمد على باشا». وزير العدل، و«محمد محرم» ابن عثمان محرم باشا عضو الوفد، وزميله حامد عبد الرازق ابن «محمود عبد الرازق باشا» وكيل حزب الأحرار الدستوريين، وبنت الجيران التى يحبها مصطفى هى أخت أحد زعماء حزب الاتحاد!

وكل هؤلاء لا يعرفون أن مصطفى محرر فى روزاليوسف، وهو يعرف كل ما يحدث فى مجلس الوزراء، وكل ما يجرى فى الأحزاب السياسية ويسبق كل الصحف بهذه التفصيلات ويكملها من هنا ومن هناك.

وتنشرها «روزاليوسف» فيفاجأ بها الوزراء، ويفاجأ بها أولاد الوزراء أنفسهم، لأن طريقة الخبر وكتابته تختلفان دائمًا عن الرواية التى التقطها «مصطفى» من أولاد الوزراء!

وتقوم الدنيا وتقعد، ولكن لا أحد يعرف اسم ذلك المخبر الغريب! ويتهم الوزراء بعضهم البعض، ولم يدر بخلد أحدهم أن هذه الأسرار تخرج من بيوتهم!

وفى روزاليوسف نفسها لم يكن أحد يعرف الاسم الحقيقي لمصطفى، إن اسمه الصحفى هو «مصطفى محمد».. وبهذا الاسم المستعار يذهب ويجتمع بالوزراء، ويصبح «على ماهر» أحد مصادره، وعبد الفتاح يحيى وزيرالخارجية أحد أصدقائه.

 

 

 

وفى داخل إدارة المجلة يعقد مصطفى صداقات مع المحررين والمندوبين، إن من الحكم الصحفية أن السمك الكبير يأكل السمك الصغير، ولكن مصطفى لا يتقاضى مرتبًا ولا يوقع باسمه على مقالة ولا يظهر فى مجتمع وبهذا يضمن أن زملاءه لا يرون فيه خطرًا ولا منافسًا، ثم إنه يقدم كل ما يكتب للتابعى ويعيده التابعى بخطه ويمزق الأصول فلا يعرف أحد من المحررين ماذا يفعل «مصطفى» فى الجريدة؟ وهو فى الوقت نفسه مستعد أن يحل محل أى محرر يتغيب، أو يريد أن «يزوغ» وإذا غاب موظف الاستعلامات لا يتردد أن يجلس مكانه. وإذا لم يجد «التابعى» ساعيًا يحمل الأصول إلى المطبعة تولى حمل الأصول بدلًا من الساعى، ويمرض المصحح فيجلس فى مقعده فى المطبعة، وتطرد السيدة «روزاليوسف» سائق سيارتها فيقوم بقيادة السيارة بدلًا من السائق.

إنه لا يرفض أى عمل صغير سواء كلفه به «التابعى» أو لم يكلفه به ثم هو فى كل هذا لا يطلب مقابلًا، لا يطلب نشر اسمه بل يلح فى إخفائه ولا يطلب تذكرة مجانية لدخول مسرح، ولا يحصل على دعوة لحضور حفلة، وهو يعاون موظف الإعلانات فى كتابة الإعلانات» إلخ.

وما زالت حكاية مصطفى وعلى أمين فى روز اليوسف مستمرة!